معهد هولندي: ثلاث مخاطر تهدد أوروبا من ليبيا والتسوية السياسية لن تحل الأزمة

قالت ورقة بحثية هولندية إن «الإرهاب والهجرة غير الشرعية والمنافسة الجيوسياسية، وخاصة الدور الروسي» من أكبر التهديدات التي تواجه أوروبا من ليبيا، ورأت أن التوصل إلى تسوية سياسية لن يساهم في حل الأزمة بشكل كامل.

«التوصل إلى اتفاق سياسي لن يحل الأزمة بشكل كامل في ليبيا، ولن يجعل أوروبا أكثر أمنًا»

وتساءلت ما إذا كانت ستساهم التسوية السياسية في ليبيا في القضاء على التهديدات الأمنية صوب أوروبا وبالتالي جعلها أكثر أمنًا؟ ورأت أن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالبسيطة، وذلك لتعقد الموقف في ليبيا وتدخل كثير من الأطراف الفعَّالة.

وقالت الورقة، التي ترصد المخاطر التي تهدد أوروبا من ليبيا، إن «التوصل إلى اتفاق سياسي لن يحل الأزمة بشكل كامل في ليبيا، ولن يجعل أوروبا أكثر أمنًا»، ورأت أن «أي اتفاق سياسي يعطي دورًا لخليفة حفتر سيشعل رد فعل عنيفًا من قبل المجموعات الجهادية».

وذكر المعهد الهولندي للعلاقات الدولية في بحثه أن موسكو تسعى لتحدي أوروبا بتحركها داخل ليبيا، في ظل تضاؤل الانخراط الأميركي. وفي هذا الشأن أوصى أوروبا بالتحرك لعكس تحركات موسكو، وتقديم مزيد من الدعم العسكري لحكومة الوفاق الوطني، وتعزيز وجودها داخل الدولة من خلال برامج إدارة الأزمات وبرامج الدعم.

وتطرق باحثو معهد «كلينغندايل» إلى أزمة الهجرة غير الشرعية في ليبيا، وقالوا إنها انتشرت وأصبحت تناهز تجارة المخدرات من حيث الحجم والربح والانتشار، ولهذا طالبوا أوروبا بالعمل مع المجموعات المسلحة في ليبيا لوقف تدفقات المهاجرين، وإمدادهم سواء ماديًا أو عبر توفير المعدات اللازمة. هذا إلى جانب زيادة التعاون مع المجتمع الدولي في مجال الهجرة.
التهديد الإرهابي
حذرت الورقة من أن وجود المجموعات الإرهابية في ليبيا مصدر قلق كبير بالنسبة إلى أوروبا، وقالت إن التهديد الإرهابي هناك موجود وحقيقي، لكنه محدود في الوقت الجاري فقط.

لكنها لفتت إلى أهمية التفريق بين المجموعات الجهادية التوسعية مثل تنظيم «داعش»، والمجموعات الجهادية الأخرى ذات أهداف محلية مثل «أنصار الشريعة» وغيرها من المجموعات الموالية لتنظيم «القاعدة».

وتضم صفوف «داعش» في ليبيا مقاتلين أجانب معظمهم من تونس والمغرب ومنطقة الساحل، إلى جانب مقاتلين من قبائل ليبية مثل قبائل القذاذفة، انضموا إلى صفوف التنظيم كنوع من الحماية أمام القوات المعادية (من مصراتة على سبيل المثال).

تقارير أوروبية حديثة قالت إن تنظيم «داعش» يحاول استغلال تدفق المهاجرين

ولفت التحليل إلى أن موقع ليبيا وقربها من أوروبا يظل محل قلق، موضحًا أن المجموعات الإرهابية تميل إلى الاستقرار في مناطق يسهل فيها التواصل مع غيرها من المجموعات، لتسهيل التواصل مع المقاتلين وتجنيد مقاتلين جدد ونقل العدد والتمويل.

وظهر هذا جليًا في الدعاية التي أطلقها تنظيم «داعش» في 2015، حيث اعتبر ليبيا «في قلب طريقه إلى أوروبا وشمال أفريقيا»، ونشر التنظيم، في مجلته الإلكترونية، تفاصيل خططته لاستهداف أوروبا عبر استغلال موجات الهجرة.

وحتى الآن، لا توجد أدلة قوية تؤكد تسلل عناصر من «داعش» بين صفوف المهاجرين إلى أوروبا، لكن تقارير أوروبية حديثة قالت إن التنظيم يحاول استغلال تدفق المهاجرين.

لكن هناك دلائل أكثر قوة تؤكد دعم «داعش» في ليبيا عمليات ينفذها موالون له داخل أوروبا. وكشفت أجهزة المخابرات الغربية عن صلات بين التنظيم ومنفذ هجوم برلين أنس عماري، وصلات بين «كتيبة البتار» الليبية، الموالية لـ«داعش»، ومنفذ هجوم باريس عبدالحميد أباعود، ومنفذ تفجير مانشستر سلمان العبيدي.
نقطة جذب للجهاديين
وتحدث تحليل المعهد الهولندي عن مصدر قلق آخر، وهو أن ليبيا تظل نقطة جذب وأرضًا لتدريب وتجنيد الجهاديين. وتوفر الدولة الظروف الملائمة التي تساعد المجموعات الإرهابية للتوسع والانتشار مثل التاريخ الجهادي والأزمة الاقتصادية وضعف وفشل الحكومة، والانقسام والصراع المسلح.

العوامل التي ساعدت «داعش» في الظهور لم تختفِ ولا تزال موجودة وبقوة

ورغم طرد تنظيم «داعش» من معقله الرئيس في مدينة سرت، حذر التحليل من احتمالية ظهور تنظيمات جديدة، وأوضح أن «داعش» انتعش مع تصعيد أعمال العنف في 2014، مستغلًا الخلافات بين المجموعات المتنافسة، وعدم الأمان الذي شعرت به المجموعات المهمة.

ونوهت الورقة البحثية إلى أن تلك العوامل لم تختفِ، ولا تزال موجودة وبقوة، وخصوصًا مع ظهور قائد الجيش المشير خليفة حفتر باعتباره «الرجل القوي» في شرق ليبيا، متوقعة موجة جديدة من الاقتتال بين المجموعات الليبية، وهو ما قد يساعد «داعش» وغيره من المجموعات الجهادية.

«النزعة الجهادية» باقية
وبغض النظر عن التحولات والتقلبات في الصراع الليبي، توقعت الورقة بقاء «النزعة الجهادية»، موضحة أن المجموعات الجهادية لطالما استفادت من الخلافات بين المجموعات والفصائل الليبية والتهميش الذي شعر به البعض.

التوصل إلى تسوية سياسية لن يحدث فرقًا كبيرًا مع استمرار نهج الإقصاء والتهميش والقمع ضد البعض

وقالت إن التوصل إلى تسوية سياسية لن يحدث فرقًا كبيرًا مع استمرار نهج الإقصاء والتهميش والقمع ضد البعض. وأوضحت قائلة: «مستقبل التهديدات الجهادية لا يبدو جيدًا مع استمرار النزاع المسلح. ومع توسع قوات خليفة حفتر في الشرق واستهداف كل من لهم علاقة بالإسلام السياسي، من المرجح أن تتفاقم مشاعر الغضب والإحباط بين الفصائل الإسلامية، والمجموعات الجهادية هي من سيجني ثمار هذا الغضب الشعبي».

وحتى إذا تم التوصل إلى اتفاق سلام، توقعت الورقة أيضًا بقاء النزعة الجهادية في ليبيا، وقالت إنه «بناء على ما تم الإعلان عنه من نتائج اللقاء بين خليفة حفتر وفائز السراج في دبي، مايو الماضي، يبدو أن نهج إقصاء المجموعات الإسلامية المتشددة والوسطية سيستمر، وأن تلك المجموعات لن يكون لها صوت أو تمثيل سياسي، وهذا يعني أن الخلافات والنزاعات التي سمحت بظهور الحركات الجهادية ستظل موجودة».
الدور الروسي في ليبيا
وانتقلت الورقة إلى محور آخر وتحدثت بشكل مركز عن تحركات روسيا واهتمامها في الفترة الأخيرة بالملف الليبي، ولفتت إلى أربع عوامل تدفع المصالح الروسية في ليبيا، تتعلق بحماية المصالح الاقتصادية والأمنية، ودوافع أخرى تتعلق بالمصالح الجيوسياسية.

وقالت إنه إذا اقتصر الاهتمام الروسي على تحقيق مصالح اقتصادية وأمنية، فإن ذلك لن يمثل تهديدًا كبيرًا بالنسبة إلى أوروبا، لكن الخطر يكمن في المصالح الجيوسياسية التي تسعى موسكو لتحقيقها من خلال تواجدها في ليبيا، وهنا قالت الورقة إن «أوروبا عليها الاستعداد لسقوط وعر».

الخطر يكمن في المصالح الجيوسياسية التي تسعى موسكو لتحقيقها، وعلى «أوروبا الاستعداد لسقوط وعر»

وفيما يتعلق بالمصالح الأمنية، أوضحت الورقة أن وجود تنظيم «داعش» وغيره من المجموعات الجهادية من دوافع اهتمام موسكو بليبيا، إذ يعتقد أن هناك رابطًا مباشرًا بين هجوم سانت بطرسبرغ العام الماضي، والصراع المستمر في الشيشان، وبين عمليات «داعش» في سورية.

لكن معدي الورقة البحثية استبعدوا أن يكون الجانب الأمني من أولويات روسيا في ليبيا، وقالوا إن موسكو لم تشارك في عمليات طرد «داعش» من سرت، ولا توجد دلائل مؤكدة على انضمام مقاتلين روس لصفوف التنظيم في ليبيا.

وفيما يتعلق بالاهتمام الاقتصادي، تسعى روسيا إلى إعادة تفعيل اتفاقات أبرمتها مع نظام القذافي بقيمة 10 مليارات دولار، بينها عقود لإنشاء طرق وإمدادات أسلحة واستثمارات في مجالات الطاقة. وتسعى لتأمين عقود في مجال النفط.

مصالح جيوسياسية
وحذرت الورقة من أن «الأهداف الجيوسياسية الروسية في ليبيا تهدد المصالح الأمنية الأوروبية وتضعها على المحك». وأوضحت أنه من أهداف موسكو التواجد عسكريًا وبقوة في البحر المتوسط، لتوسيع نفوذها. إذ تنص الاستراتيجية البحرية الروسية الجديدة على أن «تسعى روسيا للتواجد في البحر المتوسط، وأن يكون لها وجود بحري كافٍ هناك».

«بناء قواعد عسكرية في بنغازي سيشعل ردود أفعال أوروبية غاضبة، نظرًا لقرب بنغازي من إيطاليا»

ولفتت الورقة إلى أن جزءًا من العقود المبرمة سابقًا مع نظام معمر القذافي تضمنت بناء قاعدة عسكرية للقوات البحرية والجوية في مدينة بنغازي شرق البلاد.

لكن معدي الدراسة استبعدوا أن تقوم روسيا ببناء قواعد عسكرية في بنغازي، وقالوا إن ذلك يتضمن مخاطر عدة. فمدينة بنغازي لا تقع تحت السيطرة الكاملة سواء لقوات الجيش الليبي أو لحكومة الوفاق الوطني، ولهذا فإن بناء قاعدة عسكرية ستكون عملية معقدة.

وأضافوا أيضًا أن بناء قواعد عسكرية في بنغازي سيشعل ردود أفعال أوروبية غاضبة، نظرًا لقرب بنغازي من إيطاليا. كما أن بناء تلك القواعد سيكون مكلفًا جدًا من الناحية الاقتصادية، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها موسكو.
أهداف أخرى
وأشار المعهد الهولندي إلى أهداف أخرى تسعى روسيا لتحقيقها، أهمها استعادة مكانتها باعتبارها دولة عظمى، وتعد منطقة الشرق الأوسط «المسرح الأمثل لتحقيق مثل هذا الهدف». وكما فعلت في سورية، تسعى موسكو لأن يكون لها مكان على الطاولة وإجبار القوى الغربية على التعامل معها.

وبعد نجاحها في سورية، تبحث موسكو عن منطقة أخرى لبسط نفوذها، وتعد ليبيا المرشح المثالي لذلك. ومع الانقسام الأوروبي الداخلي حول السياسة الملائمة لاتباعها، وتراجع اهتمام إدارة دونالد ترامب بالملف الليبي، رأت الدراسة أن «ليبيا قد تكون (مادة اختبار) للسياسة الروسية لتحدي أوروبا».

وتتبنى روسيا ما وصفتها الدراسة بـ«استراتيجية حذرة» في ليبيا، فرغم ما أُثير حول إرسال أسلحة روسية إلى قوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، إلا أنها وافقت على قرار مجلس الأمن حول ليبيا، وملتزمة بدعم تنفيذ الاتفاق السياسي، وتدعم تعديل الاتفاق.

بل أبقت روسيا على علاقات جيدة مع جميع الأطراف، ومع حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج. وقالت الدراسة: «باتباع تلك الاستراتيجية الحذرة، يبدو أن روسيا تسعى خلف فرصة لتأمين مصالحها الاقتصادية وتأمين مكان لها على طاولة المفاوضات».

المهاجرون تحولوا إلى «سلعة»
وتطرقت الدراسة التحليلية لمناقشة أزمة الهجرة غير الشرعية من ليبيا، وقالت إن تدهور الوضع الأمني في ليبيا وتورط مجموعات مسلحة في تهريب البشر حوَّل المهاجرين إلى «سلعة».

وبدلاً عن الاكتفاء بنقل المهاجرين من نقطة إلى أخرى، قالت الدراسة إن المهربين وجدوا أن بإمكانهم جني أرباح طائلة من إبقاء المهاجرين تحت سلطتهم في مراكز الاحتجاز حيث يواجهون أنواعًا مختلفة من الانتهاكات.

تهريب البشر من أسرع القطاعات الإجرامية نموًا في أوروبا وتحول إلى سوق كبيرة تناهز أسواق تجارة المخدرات

ونوهت الورقة إلى أن أنشطة التهريب لا تقتصر داخل ليبيا بل تمتد إلى داخل أوروبا، وقالت إن تهريب البشر من أسرع القطاعات الإجرامية نموًا في أوروبا وتحول إلى سوق كبيرة تناهز أسواق تجارة المخدرات من حيث الحجم والأرباح والانتشار.

وتوقع معدو الورقة أن تتوسع أنشطة التهريب، مع تواصل إمدادات المهاجرين من ليبيا، وعدم قدرة الاتحاد الأوروبي على وضع نظام قانوني فعَّال للتعامل مع المهاجرين بشكل سريع فور وصولهم أوروبا.

وداخليًا، قالت إن التركيز على تدفق المهاجرين من ليبيا حوَّل الأنظار داخل أوروبا عن الأزمة الحقيقية، وهو عدم قدرة الكتلة الأوروبية على إصلاح أنظمة الهجرة واللجوء بها، كما كشفت التوترات بين دول الاتحاد الأوروبي وبين مؤسساته.

المزيد من بوابة الوسط