مدونة «لوفير»: الفساد والمحسوبية يعمقان الأزمة المالية في 2018

تحدث مقال نشرته مدونة «لوفير»، التابعة لمعهد «لوفير» الأميركي المعني بدراسات الأمن القومي، عن الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها ليبيا، وقال إن «الوضع الاقتصادي هو الخوف الأكبر بالنسبة إلى معظم الليبين، وليس التهديدات الأمنية أو الخوف من الوقوع ضحية لتنظيم جهادي أو الإصابة في اشتباكات مسلحة».

خلال الفترة بين 2013 - 2016، تراجع الإيرادات النفطية تسبب في عجز ميزان المدفوعات

وقال كاتب المقال الباحث بجامعة «باريس 8»، جلال حرشاوي، إن الأزمة المالية في ليبيا تفاقمت خلال أشهر قليلة، مع نقص العملة في المصارف التجارية، وضعف قيمة الدينار في السوق السوداء مقابل الدولار.

وتساءل الباحث المتخصص في الشأن الليبي، عن الأسباب الحقيقية وراء الأزمة المالية، وقال إن الوضع الأمني، رغم خطورته، ليس هوالسبب الوحيد، لكن الأزمة هي نتيجة للبيروقراطية الحكومية، ومستويات الإنفاق المسرف على الرعاية الاجتماعية والاستقطاب السياسي المستمر.

فساد مستمر
وتحدث المقال، منشور الخميس الماضي، عن «فساد استمر في ليبيا منذ الإطاحة بمعمر القذافي إلى الآن»، وقال إن 2012 كان عاما جيدا بالنسبة إلى قطاع الصناعات الهيدروكربونية، إذ تزامن ذلك مع عود الطلب الخاص على القطاعات غير النفطية، ما دفع إجمالي الناتج المحلي إلى 82 مليار دولار، وهو ضعف إجمالي الناتج في 2011، وبزيادة قدرها 9% مقارنة بالعام 2010.

أضف إلى ذلك، تمتعت ليبيا باحتياطات أجنبية بقيمة 100 مليار دولار، تراكمت بين 2004 - 2010، لكن تم تجميدها من قبل الدول الغربية عقب ثورة 2011.

غياب الحلول السياسية ينذر باستمرار الأزمة المالية في 2018، حتى إذا خفض «المركزي» الدينار

وبعد الإطاحة بالقذافي، قال الكاتب إنه تم الإبقاء على نظام الرعاية العامة، وظلت أيضا «المحسوبية والفساد»، ولم تدرس الحكومات الموقتة فرض تدابير تقشفية، بل استمر الإنفاق المسرف على الرعاية الاجتماعية وارتفع إلى مستويات خطرة جديدة.

وتحدث المقال عن «فساد في نظام الرواتب الحكومية، إذ سيطرت الرغبة على شراء ولاء العامة على فترة ما بعد 2011، ونتيجة لذلك، يوجد ما يقرب من 300 ألف راتب مكرر على قائمة الأجور الحكومية، وتضاعفت فاتورة الرواتب من 6.6 مليار دولار في 2010 إلى 19 مليار دولار في 2014».

واستمرارا لنهج الإنفاق المسرف، أشار الكاتب إلى إنفاق 25 مليار دولار بين عامي 2011 - 2014 في دعم الوقود والبضائع. وخلال العام 2017 وحده، بلغت فاتورة الأجور الحكومية 14 مليار دولار، والدعم وصل إلى 4 مليارات دولار.

اضطراب الإنتاج النفطي
وتحدث الكاتب أيضا عن استغلال الصناعة النفطية في المنافسة السياسية، وتطرق إلى أحداث صيف العام 2013 عندما عمدت مجموعات مسلحة إلى إغلاق المنشآت النفطية ما هبط بالإنتاج من 1.45 مليون برميل في مايو 2013 إلى 220 ألف برميل في نوفمبر من العام نفسه.

وقال الكاتب إن «الأزمة الحقيقية تكمن في فشل السلطة المركزية في وقف تلك المجموعات، بل إن جزءا من النخبة السياسية تعاطفت معهم ودعمتهم، وهو ما خلق أسلوبا جديدا من الاحتجاج سرعان ما انتشر في باقي أنحاء ليبيا».

ودأبت مؤسسة النفط الوطنية، منذ العام 2016، على القضاء على هذا النهج من الاحتجاج، وحققت تقدما في تقليل تلك الظاهرة، لكن حتى الآن، لاتزال الاحتجاجات تعرقل الإنتاج النفطي بشكل روتيني.

وخلال الفترة بين 2013 - 2016، تسبب تراجع الإيرادات النفطية في عجز ميزان المدفوعات. وللقضاء على تلك الفجوة، لجأ مصرف ليبيا المركزي إلى حرق واستخدام الاحتياطات النقدية، واعتمد جزء كبير من الاقتصاد الليبي على استهلاك الودائع من السنوات السابقة.
نقص الدولار
وتسبب غلق المنشآت النفطية من ناحية، وتراجع أسعار النفط من ناحية أخرى، في انهيار عائدات ليبيا من 52 مليار دولار في 2012 إلى أقل من 5 مليارات دولار في 2016.

ورغم تراجع العائدات الحكومية بنسبة 90% بين 2012 - 2015، إلا أن النفقات العامة هبطت بنسبة 40% فقط، ونتيجة لذلك انخفضت الاحتياطات النقدية الأجنبية من 108 مليارات دولار في 2013، إلى 57 مليار دولار مع نهاية العام 2015.

ومع تراجع سعر الصرف الرسمي، عمل المضاربون والسماسرة على بيع الدولار بسعر صرف مرتفع في الأسواق السوداء، واستخدم مهربون خطابات الائتمان للحصول على العملة الصعبة بسعر الصرف الرسمي عند 1.4 دولار للدينار.

وقال الكاتب إنه «بفضل تواطؤ بعض مديري البنوك، تم إصدار كمية كبيرة من خطابات الائتمان لصالح حفنة من المهربين، وبدلا من استيراد البضائع إلى داخل الدولة الليبية، يقوم هؤلاء بإصدار سندات شحن مزورة، حتى يقوم المصرف بالموافقة على توجيه المبالغ المطلوبة بالدولار للخارج، ثم يجري استيراد الدولار بعد ذلك وبيعه في الأسواق الموازية بسعر أعلى من سعر الصرف الرسمي».

التضخم والاكتناز و السوق السوداء تسبب في تجفيف إمدادت العملات الورقية

وأضاف أن مجموعات مسلحة تشارك في تلك العملية من خلال «الترهيب والتخويف والتهديد باستخدام العنف»، وهو ما يفسر فشل بعض المسؤولين الحكوميين في اتخاذ إجراءات حاسمة للتخفيف من حدة الأزمة المالية.

وأشار إلى وجود مجموعة أخرى مستفيدة من الحالة القائمة، وهو ما لفت إليه المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة في تصريحات سابقة عندما قال «العائق الرئيسي أمام حل الأزمة الاقتصادية هو (حزب الوضع القائم)، وهم المستفيدين من الوضع الحالي من سياسيين وقادة مجموعات مسلحة ومهربين، من ينهبون اقتصاد الدولة».

ونتيجة لنقص العملة في المصارف، يصطف مئات المواطنين في طوابيريومية أمام المصارف لسحب أموالهم، وعادة ما يعود معظمهم خالي الوفاض إلى منزله. ويتكررالسيناريو نفسه في طبرق وسرت وغيرها من المدن.

وفي بعض الأحيان، يتطور الانتظار أمام المصارف إلى أعمال عنف، وقد أقدم بعض العناصر المسلحة على إطلاق النيران، وهي عناصر تتبع مجموعات مسلحة تزعم أنها مكلفة بحماية المصرف.

ورغم إدعاء تلك المجموعات التزامها بالقانون والنظام، قال الكاتب إنها «عادة ما تتورط في عمليات اختلاس والتأثير سلبا على توزيع الأموال. ومع المعاناة التي يمر بها معظم الليبيين، تكشف بعض المتاجر في طرابلس الحياة المترفة التي يعيشها البعض».

ظاهرة ثلاثية
وتحدث المقال عن ما وصفه بـ«ظاهرة ثلاثية»، هي التضخم وزيادة حجم السوق السوداء والاكتناز من قبل المواطنين، وقال إنها تسببت في تجفيف إمدادت العملات الورقية في ليبيا.

وأشار إلى أن المصارف في معظم المدن الليبية تفرض قيودا على السحب النقدي بأقل من 700 دينار شهريا للفرد. لكن بعض المدن، مثل درنة وأوباري، لم تستلم مدفوعات مالية منذ أشهر، مما دفع بعض المصارف إلى إغلاق أبوابها.

المنافسة بين مركزي البيضاء وطرابلس عمق الأزمة وجعل من الصعب حلها

ولفت إلى أن بعض التعاملات اليومية تتم باستخدام الدولار، في ظاهرة تعرف باسم «الدولرة غير الرسمية»، لكنه حذر أنه سيكون من الصعب التراجع عنها في المستقبل.

وتحدث المقال عن أزمة أخرى، وهي التنافس السياسي بين فرعي مصرف ليبيا المركزي في طرابلس وفي البيضاء، وقال إن «تلك المنافسة عمقت الأزمة وجعلت من الصعب حلها ، وعمل فرعي المصرف على طباعة عملات جديدة، وهذا التنافس قلل من ثقة الليبيين في القطاع المصرفي برمته».

ورغم طباعة مليارات من العملات الجديدة، قال الكاتب إن ذلك لم يساعد في حل أزمة نقص العملة، إذ أن هذا الإجراء أدى إلى زيادة حجم الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي، من 8 مليارات دينار في 2010 إلى 30 مليار دينار حاليا.
ولم تدخل سوى نسبة ضئيلة فقط من الأموال التي يجري توزيعها للنظام المصرفي، وأرجع المقال ذلك إلى تراجع ثقة المواطنين والتجار في القطاع البنكي.

حل الأزمة
وحذر الباحث الليبي من أن أزمة الدينار والأزمة المالية يعمقان من انقسام المجتمع الليبي، وقال إن الشبكات التي تتغذى على تهريب الدولار وتوزيع العملة تدعم ذلك، مما يقوض أي جهود لبناء قدرات الدولة الليبية.

ولفت الكاتب النظرإلى اقتراحات البعض بتخفيض قيمة الدينار الرسمي، وتغييره من 1.4 دولار إلى 4.5 دولار، لكنه قال إن تخفيض قيمة العملة وحده لن ينهي الأزمة.

وحث المقال المصرف المركزي على ضمان إتاحة كمية كبيرة من العملة الصعبة بأسعار الصرف الجديدة في المصارف للعامة، وصغار التجار من أجل إعادة إحياء السيولة وبناء الثقة في القطاع المصرفي.

استخدم مهربون خطابات الائتمان للحصول على العملة الصعبة بسعر الصرف الرسمي

ويرى حرشاوي أن «أزمة ليبيا المالية هي أزمة ثقة وأزمة إدارة»، وظهر ذلك جليا في استمرار تدهور الدينار أمام الدولار خلال العام 2017، رغم تراجع النفقات العامة وتعافي الإنتاج النفطي، ولم يتحسن أداء الدينار في السوق السوداء، بل انخفضت قيمته بنسبة 35%.

ولجذب الأموال إلى داخل القطاع البنكي، اقترح الكاتب زيادة نسبة الفائدة، لكنه لفت إلى منع الفائدة في ليبيا منذ العام 2013 حينما قدمت «مجموعات إسلامية قانون رقم (1) يمنع التعامل بالفائدة باعتبارها ربا».

وربط المقال أيضا بين التوصل إلى تسوية سياسية حقيقية وحل الأزمة المالية، وغياب الحلول السياسية ينذر باستمرار الأزمة في 2018، حتى إذا أعلن المصرف المركزي تخفيض قيمة الدينار.

وشدد الكاتب على أهمية توحيد الإجراءات المالية والتنسيق لتخفيف الأزمة، إضافة إلى القضاء على الفساد في الجمارك وسلطات تنفيذ القانون وفي القطاع المصرفي، لكنه استبعد تنفيذ أي من تلك الإجراءات بسبب الاستقطاب المسيطر على المصرف المركزي حاليا.

المزيد من بوابة الوسط