«واشنطن بوست»: سرت «لا تزال أسيرة مخاوفها» بعد عام من التحرير

أجرت جريدة «واشنطن بوست» الأميركية تحقيقًا حول الوضع داخل مدينة سرت الساحلية، عقب أكثر من عام على تحريرها من قبضة تنظيم «داعش»، ورأت أن طموحات «داعش» في ليبيا ستحدد مسار الدولة خلال الفترة المقبلة، خاصة وأن التنظيم يبحث عن ملاذات بديلة في أعقاب خساراته الأخيرة في سورية والعراق.

وتحدثت الجريدة، في تحقيق نشرته أمس الاثنين، عن الدمار الذي لحق بالمدينة ومبانيها والخدمات العامة جراء الاشتباكات مع «داعش»، وقالت إن «سرت لا تزال أسيرة مخاوف عميقة نفسية وجسدية».

وحذرت من أن العوامل التي مكنت التنظيم من الظهور والتوسع في ليبيا، من انعدام الأمن وضعف الحكومة والخلافات القبلية ووفرة الأسلحة وكثرة المجموعات المسلحة المتنافسة، لا تزال موجودة وبقوة. وأضافت أن انهيار الاقتصاد وارتفاع الأسعار يعمقان من حالة الاستياء العام في سرت.

وقالت إن «حكومة الوفاق الوطني، واحدة من بين ثلاث حكومات متنافسة، تعاني من أجل دفع رواتب موظفيها». وظهر فرع «داعش» في ليبيا عقب الثورة، مستغلًا فراغ السلطة، ليصبح أقوى أذرع التنظيم خارج سورية والعراق.
ولفت سكان تحدثت إليهم الجريدة إلى «إهمال يمارس بحق سرت وسكانها»، وقال أحدهم ويدعى مصطفى علي: «لقد تجاهلونا. فهم يعتقدون أن سكان سرت يريدون بقاء (داعش) بالمدينة». كما ذكر مسؤولون محليون أن «هناك اعتقادًا بأن إهمال المدينة عائد بشكل كبير إلى تاريخ ليبيا المنقسم. فهي مسقط رأس معمر القذافي، ومعظم القبائل كانت من الموالين له. وهذا التاريخ تسبب في تهميش سكان المدينة».

ورغم أن الربط بين سرت والقذافي جعلها هدفًا رمزيًا، قالت الجريدة إنّ للمدينة أهمية استراتيجية، فهي تقع في وسط منطقة الهلال النفطي، المنطقة التي تضم غالبية احتياطات الغاز والنفط في ليبيا.

وحول الوضع داخل سرت، تحدثت «واشنطن بوست» عن غياب قوى شرطية فعالة، وغياب المحاكم، والخدمات المدنية. وقال مسؤول في بلدية سرت يدعى إبراهيم أحمد: «أعطونا التمويل الكافي، ونحن قادرون على الاهتمام بمدينتنا».

وأوضح مسؤولو البلدية أن أكثر من ألفي منزل دمرت، وتحدث سكان، عن أن المساعدات المقدمة من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ضئيلة وغير كافية. وقال قيادي قبلي يدعى عمران مفتاح إنه «لا يوجد ممثل عن المدينة في حكومة طرابلس، ويجري حرمان أهالي سرت من الوظائف الحكومية»، لافتًا إلى عدم فهم لاحتياجات المدينة سواء من قبل الحكومة أو المجتمع الدولي.
خلافات ملموسة
ومع بدء عودة العائلات النازحة إلى مدينة سرت، قالت «واشنطن بوست» إن الخلافات لا تزال ملموسة وقائمة تحت السطح.

ونقلت عن قيادات ومسؤولين في سرت أن «بعض مجموعات مصراتة خطفت محليين مقابل الحصول على فدية». وتتحدث قيادات سرت عن وجود سجناء من المدينة اعتقلتهم مجموعات مصراتة في 2011.

ولفتت إلى أن المجموعات المسلحة المسيطرة على سرت حاليًـا من مصراتة، لكنهم «يتهمون كثيرًا من سكان سرت بالتعاون مع متشددي (داعش)».

ونقلت الجريدة عن ناطق باسم مجموعات مصراتة إنه «لا يثق بشكل كامل بأهالي المدينة» لكنه نفى وجود خلافات، وقال: «أهالي سرت يعلمون أننا هنا لحمايتهم، وليس السيطرة عليهم».
ومن جانبه، حذر الناطق باسم قوات «البنيان المرصوص» محمد الغصري أن «(داعش) لا يعتبر أنه خسر سرت، وهم يعتقدون أن بإمكانهم العودة مجددًا».

وأضاف الغصري: «جنود القوات الخاصة الأميركية لايزالون في مصراتة، يتمركزون في المطار. ودورهم هو المساعدة في تحديد مواقع تدريب التنظيم ومعسكراته واستهدافها».

وقال إن عناصر «داعش» أوقفت قافلة من الشاحنات، في أغسطس الماضي، وسرقت 40 ألف لتر من الوقود، لافتًا إلى أن التنظيم يمتلك قدرات تنظيمية كبيرة وسبل مختلفة لسرقة الوقود. وتابع: «هم يرسلون رسائل إلينا، مفادها أنهم مازالوا موجودين ونشطين».
مخلفات الحرب
وفي تقريرها، تحدثت «واشنطن بوست» عن وضع المدينة عقب المعارك التي شهدتها ضد التنظيم، وقالت: «عند أحد أطراف شارع النهضة، تسكن ثلاث عائلات مع أطفالهم الصغار في منزل تضرر جراء القذائف والقصف، ويوجد على سطحه قنبلة لم تنفجر، وعند الطرف الآخر، يمكث رجل كبير السن، لم يتناول الأسابيع الماضية سوى وجبة واحدة يوميًـا، وعلى حافة التسول».

وبين الطرفين، تمتد منازل مدمرة، سيارات متفحمة، صلب مهترئ وغيرها من مخلفات الحرب، واستحالت مبان عدة إلى أنقاض وأنهارت أسقفها وتدمرت أبوابها.

ونجحت قوات «البنيان المرصوص» التابعة لحكومة الوفاق الوطني، بمساعدة حملة جوية أميركية، في طرد عناصر تنظيم «داعش» من معقله في سرت، ديسمبر من 2016، ما أنهى حكم التنظيم «الوحشي» وتطلعاته لبناء عاصمة أبدية له في شمال أفريقيا.

وبعد عام تقريبًا من تحرير المدينة الساحلية، قالت «واشنطن بوست» إن «سرت لاتزال أسيرة مخاوف عميقة نفسية وجسدية، فلقد تدمرت أحياء بأكلمها، آلاف العائلات لم تعد بعد لمنازلها، المدارس والمستشفيات تعمل بنصف طاقتها كما هو الحال بالنسبة للأعمال، والشوارع مغطاة بالقمامة».
ولاتزال بعض الجثث المتحللة موجودة بين الحطام، مما يزيد من خطر انتشار الأمراض والأوبئة، ويحوم الموت بين أطراف المدينة لانتشار الألغام الأرضية بين الركام.

وقال سائق أجرة بالمدينة صلاح محمد: «كل ما اهتموا به هو تحرير سرت، ولم يهتموا بما يأتي بعد ذلك». ويعيش محمد في منزل توجد على سطحه قنبلة لم تنفجر.

ورغم أن التنظيم لم يعد يسيطر إلاّعلى مساحات محددة داخل ليبيا، إلا أن عناصره نفذت سلسلة تفجيرات انتحارية وهجمات استهدفت نقاط تفتيش أمنية تابعة للحكومة خلال العام الماضي.

ويسرد أحد السكان وهو محمود عميش تجربته بسرت تحت حكم «داعش» وقال إن عناصر التنظيم ألقت القبض عليه خارج المسجد عقب أداء الصلاة، وتم احتجازه في غرفة لبضع ساعات قبل إطلاق سراحه مع تحذير يقول: «سيتم إعدامك المرة القادمة في ميدان الزعفران».

وبعدها، يقول عميش، تم القبض على أحد أبنائه وأجبره التنظيم على الانضام لصفوفه، لكن عميش تمكن من إطلاق سراحه عقب التواصل مع قيادات قبلية مؤثرة. وهنا قرر عميش مغادرة المدينة مع عائلته وتوجه إلى مصراته.

المزيد من بوابة الوسط