الاتكاء على «السلفية المدخلية» بين المكاسب والمخاوف والتعقيد

-السلفية المدخلية يحرمون الانتخابات والديمقراطية ويدعون إلى الطاعة المطلقة للحاكم.. والعمل معهم يبدو مجازفة

-يشكلون ثلاث مجموعات رئيسية هي «كتائب التوحيد» في بنغازي وقوات «الردع» في طرابلس وكتيبة «604 مشاة» في مصراتة

-شهدت «المدخلية» تغييرات عبر الانتقال من مرحلة الوجه الديني الخطابي إلى العسكري الميداني والانخراط في تحالفات مناطقية

-الروابط الأيديولوجية بين التيار أطغى من الاختلاف الشكلي والروابط التي تجمع الأطراف الثلاثة أقرب من المسافات المتباعدة

-اتساع دائرة الشكوك التي تساور عدد من الأفرقاء الأمنيين والشخصيات الاجتماعية في الشرق والغرب حول أهداف السلفيين على المدى الطويل

أعادت قضية نبش ضريح زعيم الحركة السنوسية الإمام المهدي بن محمد بن علي السنوسي بواحة الكفرة ليل الجمعة الماضي، الحديث من جديد حول تجذر السلفية المدخلية في أطراف الصراع، حتى تحولت، وهي أحد سيوف الحرب في ليبيا، من درع خطابية ودينية يستخدمها النظام السابق، إلى عنصر فاعل في ساحة القتال بالشرق والغرب على حد سواء، بواسطة تغيرات في صلب الحركة الهادئة سياسياً قديماً، لكنها ظلت متمسكة ببراغماتيتها التي سمحت لها بالقتال بجوار طرفي الحكم في الشرق والغرب في آن معاً.

وتعتبر الفتاوى الشاذة للسلفيين رأسمال المتطرفين الذين ارتكبوا انتهاكات وحاولوا تغيير النهج الوسطي للإسلام في المجتمع الليبي، وحتى اتهمت تقارير عدة أنصار التيار السلفي المدخلي بالوقوف وراء حادثة نبش ضريح زعيم الحركة السنوسية، وهو ما خلف حالة احتقان واسعة. وفيما نفت عدة أطراف مسؤوليتها عن الحادث، فإن السلفية المدخلية التزمت الصمت تجاه الواقعة، وهو ما يزكي الاتهامات التي أُسندت إليهم بارتكاب الحادث.

بداية الظهور
بالعودة إلى بداية الظهور، يرجع وجود السلفية المدخلية في ليبيا إلى العقد الأخير من حكم القذافي، الذي سمح لهم بالتواجد في ليبيا؛ لأنهم يحرمون الانتخابات والديمقراطية، ويدعون إلى الطاعة المطلقة للحكم، واستخدمهم القذافي لمواجهة جماعة «الإخوان» والمجموعات الجهادية، معتمداً على اعتقادهم بالطاعة الكاملة دون جدال للسلطة، ومعارضة الديمقراطية والانتخابات الحرة.

للاطلاع على العدد «111» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

لكن مع بداية ثورة 11 فبراير رفضت السلفية المدخلية الانتخابات، بعدما أصدر المدخلي توجيهاً ناشد فيه أنصاره بالامتناع عن دعمها، وحافظ عدد كبير منهم على ولائهم للنظام أو وقفوا على الحياد، لكن بصورة براغماتية شارك أعضاؤها فيها في نهاية المطاف.

تغييرات مهمة.. من الوجه الخطابي إلى العسكري
لدى تلك المرحلة شهدت السلفية المدخلية تغييرات لكنها كانت تعديلاً في الشكل أكثر منه انحساراً أو اضمحلالاً لتأثير السلفيين، عبر الانتقال من مرحلة الوجه الديني الخطابي إلى العسكري الميداني والانخراط في تحالفات مناطقية وعسكرية لم تذهب فيها المصالح بعيداً، ولا يمكن لمتابع أن يستبعد الطموح السياسي أو على أقل تقدير السيطرة الدينية في أنحاء البلاد.

مساحة الاختلاف بين «السلفية الهادئة» كما يسميها البعض من جهة، و«السلفية الجهادية» المؤمنة بأن إقامة دولة الإسلام تبدأ بالسيطرة على السلطة من الجهة الثانية، بدت خلال الفترة الأخيرة أقل بكثير من بدايات الظهور والتمدد، فبعدما انتشرت السلفية الهادئة، نسبة إلى رجل الدين السعودي ربيع بن هادي المدخلي المروِّج لعقيدة طاعة ولي الأمر، دفعت التطورات العسكرية الأخيرة إلى تساؤلات بشأن مرحلة ما بعد الحضور المتنامي في المدن والمناطق شرقاً وغرباً، ما يبعث بمخاوف لدى الليبيين بشأن التواجد الجهادي بطرفيه، ومستقبل المدخلية بعد انتهاء المعارك ضد الجهادية.

ثلاث مجموعات رئيسية
بتشريح التواجد الميداني للسلفية المدخلية التي وجدت نفسها عقب ثورة فبراير مشتتة في أنحاء البلاد بين أطراف جلها يدعي امتلاكه شرعية الحكم، فإن نفوذها بدا واضحاً في ثلاثة تجمعات، هي «كتائب التوحيد» في بنغازي، وقوات «الردع» في طرابلس، وكتيبة «604 مشاة» في مصراتة.

مطلع العام 2015، أطلق إمام مسجد قرطبة في سرت، وهو داعية سلفي محبوب يدعى خالد بن رجب الفرجاني، انتقادات علنية لتنظيم الدولة الإسلامية. وفي صيف العالم نفسه أقدم التنظيم على اغتياله، ما أدى إلى اندلاع انتفاضة مسلحة قام بها سكان الحي الثالث في سرت، وكان معظم المنضوين فيها من أفراد عشيرة الفرجان التي ينتمي إليها الإمام.

فشلت الانتفاضة، وسير تنظيم الدولة الإسلامية مدرعات في الشوارع واستخدم الأسلحة الثقيلة لإخمادها، كما أعدم العشرات من عشيرة الفرجان في باحة مسجد قرطبة، وصلب آخرين على سقالة فولاذية عند دوار الزعفران الذي بات اسمه مطبوعاً بهذا المشهد. ثم غير اسم الجامع من مسجد قرطبة إلى مسجد أبو مصعب الزرقاوي.

لدى تلك النقطة تسلل لدى السلفية المدخلية صورة السلاح والعمل العسكري، على أقل تقدير للثأر لدماء إمامهم الفرجاني، وهو ما دفع ببعض مقاتلي عشيرة الفرجان للفرار من سرت إلى طرابلس، في الأشهر اللاحقة، حيث شكل شقيق الإمام الراحل الكتيبة 604 مشاة التي بدأت بدعمٍ من قادة سلفيين نافذين في طرابلس، لاسيما عبد الرؤوف كارة الذي يتزعم قوات الردع الخاصة التي يتولى قيادتها وتتخذ من مطار معيتيقة مقراً لها، وبحلول أواخر العام 2015 كان عدد عناصرها قد وصل إلى أكثر من 450.

في مايو الماضي سنحت الفرصة أمام الكتيبة 604 مشاة للتعبير بقوة عن نفسها، عندما انضمت إلى قوات «البنيان المرصوص»، في سرت، حيث تضم الكتيبة مقاتلين من سرت وبني وليد وطرابلس والزنتان وزليتن وسبها، لكن جل عناصر الكتيبة تقريباً سلفيون، وهذا أمر يتسق مع منحى أوسع نطاقاً على مستوى البلاد في أوساط ما يسمى السلفيين «الهادئين» الذين ينشطون الآن بشكل مطرد في القتال ضد الدولة الإسلامية، وأيضاً ضد الفصائل الإسلامية المنافسة لهم.

وبالانتقال إلى طرابلس تظل قوات «الردع الخاصة» بقيادة عبد الرؤوف كاره، أبرز المجموعات المدخلية انتشاراً وتغلغلاً، بالنظر إلى أن قواته تسيطر على معظم العاصمة، وتعمل بمثابة سلطة محلية لإنفاذ القانون، وأعلنوا الولاء لحكومة الوفاق، كما يدير كارة في مجمعه الفسيح في مطار معيتيقة الدولي برنامجاً لإعادة تأهيل السجناء وتدريبهم على القيام ببعض المهن.

وبعد الصفوف القرآنية في الصباح، يزاول السجناء -- وهم مجموعة متنوعة من الأشخاص المتهمين بالإدمان على المخدرات، وتجارة المخدرات، والانتماء إلى الدولة الإسلامية- صناعة السجاد، وصناعة الخبز، والصيانة الكهربائية، ويتعلمون القواعد الأساسية للإلمام باستعمال الكمبيوتر.

الانتشار المتنامي لتلك القوات أبرز مدى الانتشار الذي حظي به السلفيون المدخلية في العاصمة، الذين يكتسبون من حكومة الوفاق إطاراً شرعياً لعملهم، لم تتضح بعد ما إذا كانوا يرغبون في سلطة أكثر تثبيتاً، أم أنهم يكتفون بمراحل التأهيل والنضح والإرشاد ومواجهة الجريمة!

في العام 2016 أصدر الشيخ ربيع المدخلي فتوى لأنصاره تؤكد ضرورة الانضمام لقوات خليفة حفتر باعتباره «حارس ليبيا الشرعي»، وأن يحارب المدخليون إلى جانبه ضد من وصفهم بـ«أعداء ليبيا»، وهم «الإخوان المسلمين والمجموعات الإرهابية التي تتبنى أفكاراً معادية»، وبعدما كون السلفيون المدخلية في بنغازي «كتائب التوحيد» واستطاع أتباع التيار جذب مزيد من الموالين بالهيمنة على الخطاب الديني وجذب الشباب العاطل للانضمام لكتائبه.

لكن مقتل القائد المدخلي عز الدين الترهوني في محور سوق الحوت في بنغازي، كان بمثابة تحول جديد في صفوف «مداخلة بنغازي» في سياق تحول أوسع نطاقاً في السياسة الإقليمية السعودية إبان ارتقاء الملك سلمان إلى سدة العرش، الذي اشتمل على التقليل من شأن التهديد الإخواني وبذل جهود لتحقيق المصالحة بين الفصائل المتناحرة في ليبيا، تفككت إثرها كتيبة التوحيد والتحق أعضاؤها بالعديد من وحدات الجيش الوطني الليبي، منها الكتيبة 302 قوات خاصة، والقوات الخاصة البحرية، والكتيبة 210 مشاة آلية، وسواها.

إزاء ما سبق فإن العديد من هذه الوحدات العسكرية التابعة للجيش الوطني الليبي و«النظامية» ظاهرياً، هي في الواقع سلفية ومذهبية إلى درجة كبيرة في نظرتها الاستشرافية، مع احتفاظ الوحدات الفرعية باسم «كتيبة التوحيد».

مستقبل التمدد المدخلي
وبالانتقال إلى قراءة مستقبل التمدد المدخلي وفق خريطة انتشار الأطراف الثلاثة السابقة، فإن الروابط الأيديولوجية بين تلك المجموعات، تبدو أطغى من الاختلاف الشكلي الذي يبدو للأطراف المتحالفها معها، يدعم ذلك الأمر الذي أصدره الشيخ المدخلي في العام 2011 لأتباعه بعدم الانضمام للثورة، حيث ظل كثير من الأتباع في صف القذافي، وآخرون تجنبوا القتال لصالح أي من الطرفين، ما يُشير إلى أن الروابط التي تجمع الأطراف الثلاثة تبدو أقرب من المسافات المتباعدة.

«العمل معهم يبدو مجازفة»، هكذا رأى الباحث أحمد صلاح علي في مقال نشره موقع المجلس الأطلسي «أتلانتيك كاونسيل»، عندما حذر من أن الاعتماد على المجموعات المدخلية في الصراعات السياسية والعسكرية «سلاح ذو حدين»، حيث يزيد من قوة التيار المدخلي على المدى الطويل رغم نجاحه في القضاء على التيار الجهادي أو التيارات الإسلامية الأخرى.

خطر عقائدي
ورغم الانقسام الراهن بين صفوف التيار، حذر المقال من «أن نفوذهم الواسع باعتبارهم مجموعة عسكرية معادية للديمقراطية، يمثل تهديداً لمحاولات إقامة مجتمع ديمقراطي منفتح»، هذا فضلاً عن عقيدتهم التي تقف ضد المدرسة الملكية، فمنذ العام 2011 دمر المدخليون كثيراً من المساجد الصوفية التاريخية والأضرحة والمدارس والمكتبات، وفي أغسطس 2012، دمر مدخليون مساجد صوفية في طرابلس. ودمروا مسجد سيدي عبد السلام الأسمر الفيتوري بالجرافات في زليتن. وأصدر محمد المدخلي، شقيق ربيع المدخلي، فتوى تشجع المدخليين في ليبيا على تدمير المواقع الصوفية بزعم أن المدخليين هم الورثة الحقيقيون للنبي محمد.

هكذا يبدو الخطر الأول عقب إتمام المواجهة الأولى مع السلفية الجهادية حين تبقى الساحة فارغة للمدخلية، لاسيما أن تلك المجموعات لديها روابط قوية مع اللاعبين الرئيسيين في ليبيا، وقد يكون للتيار دور حيوي ونفوذ في حال توحدت المجموعات في طرابلس وشرق ليبيا في هيئة واحدة، لاسيما أن الولاء الديني بين أفرد التيار مقدم على الولاءات الأخرى. فمن المفترض أن ولاء المدخلية يكمن أولاً وأخيراً مع القائد الديني. وأي فتوى يصدرها القائد الديني قد تغير ولاء التابعين من طرف إلى آخر».

طموح ونفوذ ميداني
يزيد من احتمالات تجمع التيار المدخلي شرقاً وغرباً، التململ الذي بدا ينتشر تجاههم داخل جبهات القتال، ففي مصراتة ينزعج بعض القادة في «البنيان المرصوص» من عداء الكتيبة 604 مشاة للوحدات ذات الميول الإسلامية التي تقاتل ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سرت، لاسيما المجموعات المسلحة التابعة للإخوان المسلمين ومفتي البلاد الصادق الغرياني الذي يتخذ من طرابلس مقراً له، وتطرَح علامات استفهام أيضاً حول أهداف المدخليين في سرت بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها، وسعيهم المحتمل إلى السيطرة على مؤسساتها الدينية وأجهزة الشرطة والأمن فيها.

ورغم أن الصدام يتراجع إلى المرتبة الثانية، حيث يحتل القتال ضد الدولة الإسلامية صدارة الاهتمامات، فإن عدداً كبيراً من هؤلاء القادة المصراتيين يتساءل، في مجالسه الخاصة عن مسار الأمور في سرت بعد انتهاء القتال ضد الدولة الإسلامية؛ وعما إذا كانت هذه التشنجات المستترة سوف تتفاقم.

دواعي التوحد
اتساع نطاق التجنشات من توغل السلفيين في العاصمة، بدا واضحاً بعدما أثبتت قوات الردع الخاصة بقيادة كارة في طرابلس أنها حصن منيع لدعم المجلس الرئاسي، حيث دمرت شبكات الدولة الإسلامية داخل العاصمة، فضلاً عن مساعدة المقاتلين السلفيين الذين يلتقون معها على طريقة التفكير نفسها، في محاربة التنظيم الإرهابي في صبراتة ومؤخراً في سرت.

كما أن تفاقم الخصومات من خلال صدامات كارة مع المفتي الصادق الغرياني، فضلاً عن موقف كارة المتقبل لسيطرة حفتر في الشرق، يثير غضب الفصائل الأكثر ممانعة في طرابلس ومصراتة وبنغازي، وهو ما أظهر تحقيق ميداني استمع فيه الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط فريدريك ويري، لأحاديث عدد من الأمنيين والعسكريين، انتهى فيها إلى اتساع دائرة الشكوك التي تساور عدداً من الأفرقاء الأمنيين والشخصيات الاجتماعية في الشرق حول أهداف السلفيين على المدى الطويل.

علاوة على ذلك، لم يختفِ السلفيون من ساحات المعارك. فقد تحركوا هذا الصيف ضد سرايا الدفاع عن بنغازي، وهي مجموعة مسلحة إسلامية مناهضة لحفتر تحظى بالدعم من الصادق الغرياني وكانت تقدمت من الغرب باتجاه بنغازي. وبدل المدخلي موقفه من جديد، موجهاً نداءً علنياً إلى أتباعه الليبيين للتصدي للسرايا التي نعتها بأنها «مجموعة إخوانية».