«سلفيون» يواصلون الحرب على الأضرحة والمراقد

لازالت ردود الفعل تتواصل، بشأن واقعة الاعتداء على ضريح والد ملك ليبيا السابق إدريس السنوسي، ومؤسس الطريقة السنوسية في أفريقيا، المهدي السنوسي، وكان آخر هذه الردود تصريح الناطق الرسمي باسم الجيش، العقيد أحمد المسماري، الذي أكد فيه رفض القيادة العامة للجيش «أعمال نبش القبور في مدينة الكفرة وغيرها، وتعتبر هذه الأفعال جريمة وأمراً غير مقبول»، مشيراً إلى تكليف آمر منطقة الكفرة العسكرية، العميد مبروك الغزوي، بالتحقيق في الحادث وإحالة الجناة إلى النيابة.

للاطلاع على العدد «111» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

جاء هذا التصريح بعد اتهامات متداولة لكتيبة «سبل السلام» التابعة للقيادة العامة، بمسؤوليتها عن واقعة ضريح السنوسي، وكان رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، دان قبل ذلك الواقعة، داعياً «النائب العام والجهات الأمنية المختصة إلى تحريك الدعوى الجنائية، والعمل على تقديم الجناة إلى العدالة لينالوا جزاءهم»، ووصف في بيان تلقت «الوسط» نسخة منه، الحادث بـ«الهمجي»، وقال: «إن للقبور حـرمة لا يجوز التعدي عليها، وحرمة المسلم غير مقيدة بحياته، بل هي باقية في الحياة وبعد الممات»، واصفاً ما حدث بأنه «جريمة تنتهك حرمة أوجب الله تعالى حفظها وصيانتها».

واقعة الاعتداء على ضريح المهدي السنوسي ونبش قبره، لم تكن الأولى من نوعها، وقد لا تكون الأخيرة، وهي تأتي ضمن عمل ممنهج، من قبل أحد التيارات السلفية، استهدف عديد الأضريحة في مناطق عديدة من ليبيا

واقعة الاعتداء على ضريح المهدي السنوسي ونبش قبره، لم تكن الأولى من نوعها، وقد لا تكون الأخيرة، وهي تأتي ضمن عمل ممنهج، من قبل أحد التيارات السلفية، استهدف عديد الأضريحة في مناطق عديدة من ليبيا، أشهرها ضريح الصوفي المعروف عبدالسلام الأسمر، المقام منذ أكثر من 450 عاماً، حيث هدم جزء كبير من الجامع الذي يحتضنه، وحرقت المكتبة الملحقة به، في 25/12/2012، وضريح «سيدي الشعاب» المشيد من القرن الثالث الهجري، في قلب العاصمة طرابلس، الذي جرى هدمه بالكامل في وضح النهار وتحت حراسة مسلحة، ثم تعرض قبر الشيخ أحمد زروق أحد فقهاء المتصوفة في مصراتة، وتتالت الهجمات المماثلة، التي طالت أضرحة ومراقد الشيخ أبو الحسن علي بن محمد المنمر ( 348 - 389هـ ) في غنيمة جوار مدينة الخمس، غرب العاصمة طرابلس، والشيخ محمد بن محمد بن مقيل، مفتي طرابلس خلال القرن الثاني عشر (1101هـ)، والشيخ حامد الحضيري في سبها، وجامع الشيخة راضية في طرابلس، الذي أُضرمت فيه النار في نوفمبر الماضي، بعد تدمير مسجد سيدي أبو غرارة، في طرابلس، قبله بشهر واحد، وغيرها من الأضرحة والمساجد.

وتفتح هذه الحوادث الباب أمام المتابعين للشأن الليبي، ليسألوا: إلى أين سيفضي هذا النهج، وإلى أين سينتهي؟

يرى هؤلاء ومعهم كثير من الليبيين، أنه بعيدًا عن المجادلة حول حقيقة وجدوى وجود تلك الأضرحة ومدلولاتها، إلا أن بعضها صار جزءاً من تراث وإرث ليبيا التاريخي

ويرى هؤلاء ومعهم كثير من الليبيين، أنه بعيدًا عن المجادلة حول حقيقة وجدوى وجود تلك الأضرحة ومدلولاتها، إلا أن بعضها صار جزءاً من تراث وإرث ليبيا التاريخي، ومعالم لن تمحى من الذاكرة الشعبية، وإن محيت كحجارة.

للاطلاع على العدد «111» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

كما فتح الباب للتعاطي مع الظاهرة السلفية الجديدة في ليبيا، التي ظهرت كفعل يتحرك على الأرض بعد فبراير 2011، وتطورت حركتها ليتشكل بعضها في كتائب مسلحة، شاركت بفعالية في الحرب على تنظيمي «داعش» و«القاعدة» في كل من مدينتي بنغازي وسرت، وأيضاً في صبراتة، ومن هنا يثار السؤال الأكبر، وهو: هل ستنكفئ تلك الكتائب بعد انتهاء الحرب على «داعش» وأخواتها، وتعتكف في المساجد، بعد استكمال السيطرة عليها، في كامل البلاد، وتحويلها إلى منابر لدعاة تيارها، داعية إلى المعروف.. ناهية عن المنكر.. أم أنها ستطالب بثمن مشاركتها في الحرب، وقطف غنائم الانتصار؟ إلى ذلك فإن علامة استفهام ستوضع أمام مستقبل التيار السلفي في ليبيا، وغيرها من مناطق تواجد هذا التيـــار بعد موجـــة التغيير التي يقــودها الآن ولـــي العهــد السـعودي محمد بن سلمان، التي حركت ما كان ثابتاً بالأمس، وبمثابة المقدس، التي بدأت مؤشراتها في إجراءات انفتاحية، ربما أهمها وأخطرها الحديث عن تشكيل لجنة من علماء الدين لمراجعة الحديث النبوي الشريف بدأت برفع الحظر عن قيادة النساء للسيارات في السعودية، ولم تنتهِ بانتهاج سياسة ترفيه جديدة عبر السماح ببث الغناء والموسيقى لأول مرة عبر إذاعات المملكة السعودية، ودعوة فنانين عالميين معروفين لزيارة المملكة، مثل الموسيقار اليوناني الأصل، ياني، والفنان الأميركي جون ترافولتا، ما سيترك الاستمرار في هذا النهج آثاره دون شك على حركة التيار السلفي المدخلي، ذي المرجعية السعودية.

للاطلاع على العدد «111» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وحتى الآن لم تلقِ هذه المتغيرات الكبيرة بظلالها على الحالة الليبية، بل ما يتم هذه الأيام هو مؤشر عكسي، فقد تكررت في مدينة بنغازي وقائع استهداف نشطاء مدنيين من قبل عناصر تنتمي إلى التيار السلفي، مثل واقعتي مداهمة طلبة جامعيين كانوا يحتفلون بساعة الأرض في مارس الماضي، واعتقال فنان شاب خلال إحياء حفل نجاح بأحد مدارس المدينة، تواكب ذلك مع واقعة الاعتداء على مسجد يؤمه أتباع المذهب الإباضي في بلدة «تيجي» المتاخمة لجبل نفوسة، الذي يتبع سكانه الأمازيغ المذهب الإباضي، ما يخشى أن تتحول هذه الوقائع في حال تكرارها إلى احتكاك مذهبي، قد ينذر بالتوسع والخطر.

المزيد من بوابة الوسط