«واشنطن بوست»: كيف ساهم طرد «ميليشيا الدباشي» في وقف تدفق الهجرة

رأت جريدة «واشنطن بوست» الأميركية أنّ أنشطة الاتجار بالمهاجرين الأفارقة أصبحت مقيّـدة بفعل الصراعات الداخلية على السلطة في ليبيا، وإنّ المدَّ والجزر في تدفق الهجرة يعكس تحولًا في مصير الحرب الأهلية بمدينة صبراتة، أحد أكبر مراكز التهريب في ليبيا.

وقـام مراسل الجريدة بزيارةٍ لصبراتة الشهر الجاري، وذكر في تقرير نُشر الخميس، أنّ «دار تليل» السياحي ذي النجوم الخمس في غرب صبراتة، كان في يوم ما يأوي نحو ثلاثة آلاف مهاجر في انتظار الإبحار إلى أوروبا، حيث شيّد مهربو البشر الذين استولوا على الفندق كثبانًا رملية على طول الشاطئ لإخفاء المهاجرين من دوريات خفر السواحل الليبي، إلا أن المنتجع الآن خاوي كما هو الحال للمنازل السرية التابعة للمهربين.

وتحدث التقرير عن «معارك الشوارع التي شهدتها المدينة، أواخر سبتمبر الماضي، بين الجماعات المسلحة المتنافسة حيث انتهت بطرد أحمد الدباشي، الذي قاد ميليشيا تدير أنشطة الإتجار بالمهاجرين، ثم طردت الجماعات المسلحة المنتصرة المهاجرين كذلك من المدينة».

«بعض المهاجرين لقوا حتفهم في تبادلٍ لإطلاق النار، وتناثرت جثثهم في الشوارع. فيما لاذ آلاف آخرين بالفرار إلى المناطق المجاورة»

وقالت «واشنطن بوست» إنّ «الدباشي، المعروف على نطاقٍ واسع باسم عمو، كان لفترة طويلة بعيدًا عن طائلة القانون»، مضيفةً أنه «كان يسرق السيارات والمحال التجارية حين كان مراهقًا ثم تطور إلى تهريب الأسلحة والوقود. وبحسب مسؤولين محليين وزعماء قبليين ومحققين أمميين، فقد دخل الدباشي بحلول صيف 2015 في أعمال الاتجار بالبشر المزدهرة». وذكرت الجريدة أن «سيطرته على التجارة تعمّقت فيما كانت حكومة الوفاق الوطني الضعيفة في طرابلس تُشيح بنظرها إلى الجانب الآخر».

ونقلت عن محقق بالشرطة يدعى نجمي فرح أن الدباشي «كان مقاتلًا ماكرًا»، مضيفًا أنه «كان يحمل دائمًا طبنجتين». وروى محليون أنه «قتل سابقًا رجُلين وألقى بجثتيهما في الشارع لإثارة الخوف بين الناس، ومنذ ذلك الحين يهاب سكان المدينة الحديث معه دون أن يبدو عليهم الخوف أو الانصياع».

واندلعت الاشتباكات العنيفة في المدينة بعد مقتل أحد أبناء عمومة الدباشي في سبتمبر الماضي خلال صدام مع جماعة مسلحة أخرى، وسرعان ما انضمت «الميليشيات» والقبائل الأخرى إلى المعركة، موحدين بذلك مصالحهم الخاصة في مواجهة قوات الدباشي المعروفة باسم كتيبة «الشهيد أنس الدباشي».

وذكرت «واشنطن بوست» أن بعض المهاجرين لقوا حتفهم في تبادلٍ لإطلاق النار، وتناثرت جثثهم في الشوارع. فيما لاذ آلاف آخرين بالفرار إلى المناطق المجاورة. وعندما عاد المهاجرون إلى الظهور مرة أخرى، فوجئوا بتحالف بين جنود الجيش الوطني الليبي ومقاتلين متشددين للسيطرة على صبراتة، عُرف باسم القوات التابعة له باسم «غرفة عمليات مكافحة داعش»، وأقدم هذا التحالف على نقل معظم المهاجرين إلى مراكز احتجاز في مدن أخرى.

ونقلت عن مهاجر من تشاد فرّ من صبراتة ويعمل الآن في تنظيف الشوارع قوله: «الأمر انتهى إلى الآن (...) توفقت القوارب (التي تغادر من ليبيا) إلى أوروبا».
أموال يسيرة
وقالت «واشنطن بوست» إنّ الدباشي ساعد في قيادة كتيبة متمردة خلال الثورة المدعومة من حلف شمال الأطلسي والتي أطاحت بمعمر القذافي، مضيفةً أنه حين قُتل ابن عم الدباشي «أنس» خلال إحدى المعارك، سميت الكتيبة على شرفه.

وتابعت أنه في الفوضى التي تلت ذلك، توسعت شبكات الجريمة والتهريب، وأصبح تهريب البشر التجارة الأكثر ربحًا. وقال عميد بلدية صبراتة حسين الذوادي: «إنها أموال يسهل الحصول عليها، إنها أفضل من تهريب المخدرات».

وغرق أكثر من مائتي مهاجر، في أغسطس من العام 2015 قبالة سواحل زوارة التي تبعد 15 ميلًا عن صبراتة، وتسببت الكارثة في ثورة غضب لأهالي زوارة الذين طردوا المهربين خارج المدينة، ما تسبب في توجه آلاف المهاجرين صوب صبراتة وهو الأمر الذي جلب الكثير من الأموال للدباشي.

محققون تابعون للأمم المتحدة ذكروا في تقرير العام الجاري أن «ميليشيا الدباشي كان لها علاقات مع عناصر محلية بتنظيم (داعش)»

وقال مسؤولون محليون وشرطيون وزعماء قبائل في مقابلات مع الجريدة إنه «رغم كون الدباشي معروفًا بالتدخين وشرب الخمر ونادرًا ما كان يصلي بالمسجد، فإنّ أعضاءً من لوائه ساعدوا أو تعاطفوا مع تنظيم (داعش)، الذي حول صبراتة بحلول ذلك الوقت إلى ملاذ سري». وذكر محققون تابعون للأمم المتحدة في تقرير العام الجاري أن «ميليشيا الدباشي كان لها علاقات مع عناصر محلية بتنظيم (داعش)».

ووفق الجريدة فقد انقلب الدباشي بشدة على تنظيم «داعش» بعدما دمرت ضربات جوية أميركية مجمعًا للتنظيم في المدينة، في فبراير من العام الماضي، مودية بحياة عدد كبير من المسلحين، وهبَّ أفراد القبائل والجماعات المسلحة المحلية إلى طرد المتشددين المتبقين في المدينة، معتبرة أن تغير نهج الدباشي إزاء التنظيم كان قرارًا إستراتيجيًا للحفاظ على عمليات التهريب التي يُديرها. كما انحاز صوريًا مع حكومة الوفاق الوطني.

وقال خالد محمد حسان، وهو زعيم قبيلة منافسة ذو نفوذ: «ميليشيا الدباشي كانت تسيطر على كل شيء، كان لديهم الأموال والسلطة». وأقام مقاتلو الدباشي نقاط تفتيش تعمل على مدار الساعة عند مدخل ومخارج صبراتة، وأحيانا طالبوا برشاوى. وكانوا يتركون دباباتهم وشاحناتهم في معسكر سابق لتنظيم «داعش»، كما تدربوا أيضًا هناك مستخدمين مسارًا ينطوي على عقبات وأنفاقًا للزحف، وأسوارًا مرتفعة للقفز من فوقها وحبالًا للتسلق.

واعتبر أعضاء كتيبة الدباشي أي شخص يمثل تهديدًا لتجارتهم هدفًا. وفي أبريل، تتبع مسلحون عامل إغاثة عمل مع الأمم المتحدة لفضح الإعتداءات الجسمانية والجنسية التي يتعرض لها المهاجرون. ويتذكر العامل ويدعى جمال علي «لقد أطلقوا النار علي، لكني هربت من سياتي وركضت».
«معركة من أجل المدينة»
ونتيجة لذلك، ازداد الإستياء من مجموعة الدباشي، وقال حسان: «نحن ضدهم. الحرب حتمية». وفي داخل مكتب عميد بلدية صبراتة حسين الذوادي، لفت مراسل «واشنطن بوست» إلى أضرار لحقت بجدران المكتب نتيجة استهدافه بطلقات الرصاص، إثر اقتحامه من قبل مسلحين من مجموعة الدباشي، بحثا عن الذوادي والذي صادف وجوده خارج البلدية.

وقال الذوادي: «لقد كان اعتداءً ليس فقط ضدي شخصيًا، بل ضد البلدية بأكملها». وتفاقم التوتر بين مجموعة الدباشي والمجتمع المحلي في صبراته، والقيادات القبلية المؤثرة، ووصل إلى «نقطة الغليان». واندلعت معارك عنيفة بين «أفراد الميليشيات استخدموا فيها أسلحة كلاشينكوف روسية الصنع وقذائف صاروخية والمدفعية الثقيلة في أحياء صبراتة. وأصابت القذائف جدران مسرح صبراتة القديم، والذي بُنى إبان عهد الرومان منذ أكثر من 1500 عام، وأصابت طلقات المدافع أيضا المدارس ومباني البلدية والمستشفيات».

وفي السادس من أكتوبر الماضي، وبعد أكثر من 19 يومًا من القتال، تمّت الإطاحة بالدباشي خارج المدينة. عقب ذلك سيطرت غرفة «عمليات مكافحة داعش» على مبنى مقر عمليات الدباشي، حيث وجدوا قرابة 15 مهاجرًا أفريقيا محتجزين بالداخل فيما يبدو أنه سجن مؤقت.

وقال الرقيب شاكر أوشاش، المسؤول عن حراسة المبنى حاليًا: «بعضهم كان مريضًا، والآخرون لم يقووا على الحركة. فهم لم يأكلوا منذ وقت طويل».
سلام هش
وبعد انتهاء المعارك، ساد الصمت داخل مستودع كبير أُستخدم سابقا كـ«مركز احتجاز تديره الحكومة»، وُجد داخله بقايا ما تركه آلاف المهاجرين من أغطيةٍ بالية وأحذية خشنة وزجاجات مياه فارغة.

ونقلت «واشنطن بوست» عن مسؤولي مكافحة الهجرة غير الشرعية أنه منذ الإطاحة بـ«ميليشيا الدباشي»، تم إخراج أكثر من عشرة آلاف مهاجر من صبراتة، وأوضحوا أنه من يأتي إلى المدينة يتم نقله إلى مراكز احتجاز أخرى في ليبيا.

وفي حين ساهمت المعارك في صبراتة أثرت على حركة المهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا، إلا أنّ أعداد المهاجرين شهدت تراجعًا ملحوظا في الأشهر التي سبقت الاشتباكات، بالتزامن مع برامج إيطاليا والاتحاد الأوروبي لتدريب وإعداد خفر السواحل الليبي مع زيادة الدوريات في البحر المتوسط لتعقب قوارب الهجرة.

أعداد المهاجرين الذين يعبرون صوب أوروبا تراجع هذا العام بنسبة 47% مقارنة بـ2016، مع وصول 170 ألف مهاجر وغرق قرابة ثلاثة آلاف آخرين

وبحسب الجريدة الأميركية، تقدم بعض رموز صبراتة البارزة تفسيرًا آخر لتراجع أعداد المهاجرين وهو أن «مجموعة الدباشي تلقت أموالًا من إيطاليا لإيقاف تجارة تهريب المهاجرين»، وهو ما نفاه السفير الإيطالي إلى ليبيا جوزيبي بيروني قائلًا إنّ «إيطاليا لا تمول الميليشيات».

وتراجعت أعداد المهاجرين الذين يعبرون البحر المتوسط صوب أوروبا هذا العام بنسبة 47% مقارنة بالعام 2016، مع وصول 170 ألف مهاجر وغرق قرابة ثلاثة آلاف آخرين.

ومع توقف الاشتباكات، قال سكانٌ بالمدينة إنّ أسعار الموادّ الغذائية والبضائع الأخرى انخفضت بسبب تراجع أعداد المهاجرين، وقالوا إنهم باتوا يشعرون بمزيد من الأمن مع انتشار النقاط الأمنية وتفتيش السيارات.

وقال أحد السكان يدعى عبدالحكيم: «سابقا، لم نكن نستطيع الخروج ليلًا. وكنا نمكث داخل البيوت مع غروب الشمس، وفي بعض الأحيان كان رجال الميليشيات يستولون على سياراتنا».

وقالت قيادات غرفة «عمليات مكافحة داعش» إنهم يتلقون مساعدات قليلة من حكومة طرابلس، وقال العقيد ابراهيم مجوب: «نحن بحاجة إلى دعم، وإلا فإنّ الأوضاع قد تتدهور في أيِّ لحظة».

وفي غضون ذلك، نقلت «واشنطن بوست» عن قياداتٍ محلية أنّ «الدباشي يرسل تهديداتٍ إلى السلطات المحلية والقيادات القبلية ويدعو داعميه للانتفاض». وكتب الدباشي على «فيسبوك» في 5 ديسمبر: «سنعود للمدينة خلال هذه الأيام بأسلحتنا وقوتنا».

المزيد من بوابة الوسط