مجموعة الأزمات: مخاطر جديدة في ليبيا مع رفض حفتر لاتفاق الصخيرات

قال المحلل السياسي والصحفي، إسندر العمراني، إن التوترات تتصاعد في ليبيا بعدما رفض علنًا الحاكم الفعلي للبلاد المشير خليفة حفتر الاتفاق الدولي بشأن ليبيا الذي دام لعامين، ويحدد كيف تدار البلاد.

«محلل سياسي: التوترات تتصاعد في ليبيا بعدما نبذ علنًا المشير خليفة حفتر الاتفاق الدولي بشأن ليبيا الذي دام لعامين»

وأضاف العمراني، في تحليل نُـشر على موقع «مجموعة الأزمات الدولية» وهي منظمة دولية غير ربحية، أنَّه لتحييد خطر حدوث صراع جديد، يجب على حلفاء حفتر الدوليين والإقليميين أن يدينوا بشدة محاولته لتقويض عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة بشدة، وحثه على العودة إلى المسار الدبلوماسي.

وأشار إلى أن النزاع الأحدث بدأ في السابع عشر من ديسمبر الجاري، في الذكرى الثانية لتوقيع الاتفاق السياسي الليبي (اتفاق الصخيرات)، عندما أعلن حفتر أنه يعتبر أن حكومة الوفاق انتهت صلاحيتها.

وتابع أنه نتيجة لذلك، قال حفتر إن المؤسسات المنبثقة من الاتفاق السياسي مثل حكومة الوفاق الوطني والمجلس الرئاسي برئاسة فائز السراج لم يعد لها صلاحية رسميًّا. وذكر حفتر أن الجيش الوطني الليبي بقيادته هو «المؤسسة الشرعية الوحيدة» في ليبيا، ورفض سلطة أي حكومة أو برلمان لحين عقد انتخابات جديدة.

وذكر المحلل السياسي أنَّ حفتر ألقى بخطابه ذلك بعدما تحرك المتحالفون معه في ليبيا لمداهمة مكاتب اللجنة العليا للانتخابات في الشرق، التي كانت تستعد لاجراء انتخابات في 2018 بدعم دولي، كما دعا أولئك إلى تغيير العاملين باللجنة ونقل مقرها من العاصمة طرابلس.

طموح مقلق
قال العمراني إنَّ إعلان حفتر لم يكن أمرًا غير متوقع، مشيرًا إلى أنَّه حذر هو وأنصاره مرارًا من قرب انتهاء صلاحية اتفاق الصخيرات وضرورة إيجاد إطار عمل جديد، وذلك مع خروج العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة عن مسارها منذ أكتوبر الماضي، عندما انتهت الجولة الأخيرة من المفاوضات لتنقيح الاتفاق السياسي الليبي دون قرارات حاسمة.

«إعلان حفتر في 17 ديسمبر كان له أثرٌ ضئيلٌ حتى الآن ولم يغير كثيرًا في الوضع القائم في ليبيا إلا أن تحركاته تُثير تساؤلات مقلقة»

وأضاف أنه بالتوازي لتحركات حفتر، أطلق أنصاره حملة لجمع توقيعات لتنصيبه قائدًا عسكريًّا لليبيا، وزعموا أن الحملة حازت مليون توقيع، مشيرًا إلى انتشار دعوات كذلك تطالب بخروج مظاهرات حاشدة دعمًا لحفتر، إلا أنها فشلت في أن تصبح حقيقة.

واعتبر العمران أن إعلان حفتر كان له أثرٌ ضئيلٌ حتى الآن، ولم يغير كثيرًا في الوضع القائم في ليبيا، وقال: «سياسيًّا تثير تحركات حفتر تساؤلات مقلقة».

وتابع أن التساؤل الأول هو: ما إذا كان حفتر والجيش الوطني الليبي يعلنان أنَّ سلطة المؤسسات المدنية محل جدال؟، مضيفًا أنَّ هذا حدث بالفعل في شرق ليبيا عندما تجاوز حفتر الحكومة الشرقية التي تتضاءل سلطلتها ومجلس النواب في طبرق المتحالف معه.

ولفت إلى أن مجلس النواب في طبرق أيَّـد في 21 نوفمبر الماضي خطة العمل المقدَّمة من الأمم المتحدة لإجراء تعديل جزئي في الاتفاق السياسي، ومن المتوقع أن يلعب دورًا مهمًّا خلال عملية التحول إلى اتفاق دائم. لكن المحلل قال إن إعلان حفتر لم يوضح موقف مجلس النواب، وما إذا كانت صلاحيته انتهت هو الآخر أم لا، خاصة أنَّ الاتفاق السياسي مدَّ فترة عمله.

وقال العمراني إن السؤال الثاني الذي يفرضه تحرك حفتر هو بشأن طبيعة الخطوة التي يخطط لاتخاذها هو وأنصاره تاليًا، وكيف سيتعامل خصومه مع هذا الأمر، مشيرًا إلى أنَّ الترقب لخطاب الـ17 من ديسمبر وكذلك لهجوم عسكري من الجيش الوطني تسبب بالفعل في انتقال بعض الجماعات المسلحة من مصراتة إلى منقطة بالقرب من سرت.

«التخوفات من شن حفتر هجوم قد يؤدي إلى شن خصومه هجمات استباقية خاصة أولئك الذين سبق وهاجموا قواته في الهلال النفطي»

وأشار إلى أن التخوفات من شن حفتر هجوم قد يؤدي أيضًا إلى شن خصومه هجمات استباقية ممن سبق لهم أن واجهوا قواته في «الهلال النفطي»، وهي منطقة تحتوي على منشآت نفطية رئيسية في خليج سرت.

وأوضح أنَّ هذا الأمر واقع حي في أجزاء بغرب ليبيا تقع تحت السيطرة الصورية لميليشيات تقبل على نطاق واسع شرعية الحكومة في طرابلس، ولكنها تخشى أن يخطط المتحالفون مع حفتر لإظهار سيطرتهم، مضيفًا أنَّ ذلك النهج يشكل المنطقة المحيطة بصبراتة التي شهدت قتالاً في أكتوبرالماضي وكذلك العاصمة طرابلس.

وذكر أنَّ السؤال الثالث، الذي يدور في عقل الكثير من الليبيين هو لكم من الوقت سيتمكَّن حفتر من الاستمرار في تحدي الإجماع الدولي بضرورة التوصل لحل سياسي للصراع الليبي؟، مشيرًا إلى أن حفتر اعترف في خطابه الأخير بأنَّه تلقى تهديدات من المجتمع الدولي ضد مضيه قدمًا في تنفيذ تحذيره بإعلان انتهاء صلاحية الاتفاق السياسي، وبشكل أكثر شمولية تقويض جهود السلام التي تقودها الأمم المتحدة.

وأشار إلى أنَّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جدَّد مرارًا على مدار الأشهر الأخيرة، مثله مثل الكثير من البلدان دعم العملية الأممية للتوصل لسلام في ليبيا، مضيفًا أن تقارير ذكرت أن مصر والإمارات الداعمتين الدوليتين الأقرب لحفتر تدخلتا مباشرة في الأمر.

توترات متنامية
قال العمراني إنَّ التطورات التي حدث في 17 ديسمبر زادت حالة الغموض الموجودة بالفعل، مضيفًا أن أحد تلك التطورات هو اغتيال عميد مصراتة الذي لم يحدَّد المسؤولون عنه.

وأشار إلى أنَّ مصراتة وهي بلدة مهمة تتمتع بنفوذ عسكري وسياسي بارز، وأنَّ عملية الاغتيال تهدِّد بتوسيع عدة انقسامات أولها بين الفصائل المنفتحة على إبرام صفقة مع حفتر، وأولئك الذين يرفضون أية تسوية معه، والثاني بين مجلسي مصراتة البلدي والعسكري، والأخير بين المحليين وأعضاء الجماعات المسلحة الذين طردهم الجيش الوطني من بنغازي ويستقون في مصراتة حاليًا.

وأضاف أنَّ بعض سكان مصراتة يتساءلون حول ما إذا كانت عملية الاغتيال قام بها متحالفون مع حفتر الذين سيستفيدون من نشر الانقسامات في مصراتة، مشيرًا إلى أنَّ هناك شائعات الجماعات المسلحة التي انتقلت إلى مصراتة من بنغازي تخطط للاستغلال التوترات المتنامية بين الشرق والغرب عن طريق شن هجمات على المنشآت النفطية في خليج سرت، التي يسيطر عليها حاليًّا الجيش الوطني، وهو الأمر الذي حدث سابقًا مرتين.

وقال إنه في الوقت نفسه يتردد أن الجماعات المسلحة من مصراتة تعزز من تواجدها حول سرت، التي حررت من تنظيم «داعش» قبل نحو عام، أملاً في أن استباق أية محاولة للمتحالفين مع حفتر للسيطرة على المدينة. وفي طرابلس وضواحيها، يلوح في الأفق تجدد التوترات بين الجماعات المسلحة التي يمكن أن تتحالف مع معسكر حفتر وأولئك المعارضين له.

الحاجة إلى رد فعل واضح وموحد
قال العمراني إن احتمالية حدوث تصعيد جديد في ليبيا من قبل مختلف المعسكرات تزايدت، بالتحديد لأنَّ إعلان حفتر سَكَبَ الزيت على توترات ليبيا المتأججة، مشيرًا إلى أنَّ مجلس الأمن والدول التي دعمت العملية السياسية بالقيادة الأممية لزموا الصمت حتى الآن في رد فعلهم.

«ينبغي على الجهات الدولية الفاعلة أن تدين علانية وبشدة محاولة حفتر الأخيرة لتقويض الجهود الدولية الهادفة إلى التوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا»

وأوضح أنَّ أغلب الفاعلين يفضلون تجنب التعليق أو مجرد إعادة التأكيد على موقفهم، ربما لأنَّهم رصدوا أنه لم يتخذ أي عمل عدائي فعلي وأن إعلان حفتر كان متخبطًا، كما يقول بعض خصومه، ويمكن تجاهله.

وتابع: «إلا أنَّ الليبيين يشاهدون عن كثب وقد يفسرون هذا الصمت باعتباره قلة اهتمام إن لم يكن متعمدًا»، وقال إنه ينبغي على الجهات الدولية الفاعلة أن تدين علانية وبشدة محاولته الأخيرة لتقويض جهودها الهادفة إلى التوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا، التي غالبًا مع تصطدم بجموحه.

وأضاف أنه من المهم على وجه خاص أن تقضي مصر والإمارات حليفتا حفتر الإقليميتان على إحباطاتهما الخاصة علانية، التي تسبب فيها حليفهما الليبي مرة أخرى، فضلاً عن بلدان مثل فرنسا وروسيا، التي فعلت الكثير من أجل الانخراط معه ودفعه نحو الدبلوماسية خلال العام الماضي.

واختتم المحلل السياسي مقاله قائلاً: «إن اللوم قد لا يقنع حتى حفتر نفسه، الذي يبدو أنه يتشبث بعناد بطموحه بأن يصبح إما قائد ليبيا العسكري أو رئيسها القادم، لكنه سيوضح للفاعلين الآخرين أنَّ المجتمع الدولي عازم على الدفاع عن العملية التي وضعها المبعوث الأممي سلامة وآخرون، والتي لاقت خطوطها العريضة قبولًا على نطاق كبير من الليبيين».

المزيد من بوابة الوسط