عوامل القوة والضعف في الكيان الليبي

دعا الأكاديمي والدبلوماسي الليبي الطاهر عريفة، في دراسة تنشرها «الوسط» في السطور التالية، النخب الليبية، إلى مراجعة أسباب القوة والضعف في كيان الدولة الليبية، بشكل يعزز مساعي إعادة بناء الوطن على أسس سليمة.

وتناول عريفة في دراسته، أبعادا متنوعة للمجتمع الليبي، سكانيا، وجغرافيا، ومن جوانب شتى، مشددا على أن أمرا مثل قلة عدد السكان، مقارنة بدول الجوار، ليس عيباً في حد ذاته لكن المهم كيفية الاستفادة من هذه القلة وتطوير إمكاناتها لعمل مشروع نهضوي، بحسب تعبيره.

وأنهى عريفة دراسته، داعياً إلى الدفع بنقاط الاتفاق والتلاقي ونبذ نقاط الاختلاف والتشرذم، مشدداً على أن ليبيا كانت وستظل عبارة عن محصّلة لتلاقي إيرادات هدفها المحافظة على الوطن.. وإلى نص الدراسة.

للاطلاع على العدد «109» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المجتمع الليبي كغيره من المجتمعات البشرية يخضع لقانون الصيرورة العام، يتأثر ويؤثر بما يجري حوله وفي داخله، وهذه الصيرورة تخضع لمبدأي القوة والضعف، ولكن المهم هو قدرة هذا المجتمع على تجاوز الصعاب وتحدي المعوقات.

واليوم ما أحوجنا إلى دراسة متأنية لفهم هذه الصيرورة وهذه المتغيرات وتأثيرها على الساحة الليبية، ومحاولة توظيف ذلك كله من أجل الخروج من الأزمة الراهنة التي يمر بها هذا الوطن، ولا يمكن إدراك ذلك إلا بالرجوع إلى المسار التاريخي لهذا المجتمع، وسبر أغوار كوامن القوة فيه وتوظيفها للحد من عوامل الضعف التي تتناوب تباعاً سائر المجتمعات البشرية بفعل مبدأ الصيرورة والتغير ومفهوم القوة والفعل.

يحدث الانفجار والثورة عندما يختل التوازن وتتغير المفاهيم وذلك ناتج في الأساس من انهيار السلطة المركزية

في الجغرافيا السياسية تتكون ليبيا من ثلاثة مناطق حضرية، الشريط الساحلي وعليه مدن زوارة، الزاوية، طرابلس، الخمس، مصراتة، بنغازي، درنة، وهذه المدن تمتاز بميزتين أولاهما أنها مدن متوسطية لها علاقة بما يجري في حوض البحر الأبيض المتوسط، بيوت المال، التجارة، والتبادل الثقافي والمعرفي، والعلاقات البحرية- أي أنها منفذ ليبيا على العالم الخارجي- والميزة الثانية لهذه المدن هو: تمتين العلاقة بين الساحل والمناطق الداخلية.

ومنطقة الوسط وهي منطقة رعوية زراعية تعتمد على مياه الأمطار وتتعرض للجفاف بين فترة وأخرى مما يؤثر على الناس ودوابهم مما يضطرهم إلى اللجوء إلى الساحل أو إلى مناطق الواحات. وهم مادة لعدد من الثورات والصراعات القبلية التي شهدتها البلاد، ومعين لا ينضب ضد كل التدخلات الأجنبية التي واجهت ليبيا.

والمنطقة التي تتكون من واحات الجفرة، غدامس، وأوجلة وسبها ومرزق وأوباري. أهلها يمارسون النشاط الزراعي نتيجة لتوفر المياه الدائمة مما يجعلهم يميلون إلى الاستقرار في قرى ومدن متكافلة. وهذه الواحات هي الطريق الرابط بين مدن الساحل وبلدان أفريقيا جنوب الصحراء، بما يحتاج ذلك إلى إقامة سلطة مركزية في هذه الواحات. مملكة جرمة، مملكة زويلة، مملكة مرزق، من أجل تأمين مسارات هذا الطريق الحيوي للتجارة الدولية.

إن فلسفة التاريخ تعلمنا أن سنوات الاستقرار في حياة الشعوب تتبعها بالضرورة سنوات من الأزمة والاضطراب في غياب مؤسسة حكيمة تحقق قانون الإصلاحات المستمرة، وتتولى استبدال الحياة البالية بأشكال جديدة تتفق مع مضمون الشعب، ويحدث الانفجار والثورة، عندما يختل التوازن وتتغير المفاهيم وذلك ناتج في الأساس من انهيار السلطة المركزية، وتمرد القبائل وسنوات القحط والجفاف، وزيادة الضرائب.

وفي الحالة الليبية فإن انهيار السلطة المركزية في طرابلس العاصمة كان دائماً مؤدناً بالانهيار الأمني، والتفكك السياسي، وظهور الزعامات القبلية والدينية التي تطمح دائماً بأن يكون لها تواجد على الساحة السياسية.

الدولة القرمانلية
ومنذ سنة 1711م، عندما استطاع أحمد باشا القرهمانلي مؤسس الدولة القرمانلية من القضاء على الفتن الداخلية في طرابلس وبرقة وفزان. استطاع هذا الشاب الطموح أن يؤلف ما يسمى (بالكيان الليبي) على حسب تعبير الكاتب المرحوم عبدالله القويري. وقد عددت سمات هذا الكيان الثقافية والحضارية في المؤلف الذائع الصيت «التدكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخيار» لابن غلبون معاصر أحمد باشا القرهمانلي ومستشارهِ.

انهيار السلطة المركزية في طرابلس كان دائماً مؤذناً بالانهيار الأمني والتفكك السياسي وظهور الزعامات القبلية والدينية

لقد اهتمت الدولة القرمانلية بشيئين رئيسيين هما إنشاء أسطول بحري قوي، وممارسة القرصنة في البحر الأبيض المتوسط ضد السفن الأوروبية، والثاني الاهتمام بطريق القوافل الرابط مع البلدان الأفريقية. لكن هذا الأمر لم يدم طويلاً، لقد تم اكتشاف خليج غينيا وأصبح التجار الأوروبيون يفضلون هذا الطريق الآمن الذي يمر حول شواطئ الأطلسي للعبور إلى مناجم الذهب في غينيا والمتاجرة رأساً مع الأفارقة دون وساطة دول شمال أفريقيا. بالإضافة إلى عقد مؤتمر برلين سنة 1815م الذي حرم تجارة الرقيق. عندها بدأت السلطة القرمانلية في الانهيار. تم القضاء على دولة أولاد أمحمد في مرزق سنة 1812م وتارت القبائل التي تقطن المنطقة الوسطي وهددت حتى العاصمة طرابلس. عندها وعندها فقط رجعت ليبيا إلى السلطة العثمانية المباشرة سنة 1835م.

وهكذا أصيبت البلاد في أهم موردين لها إلا وهما تغيير طرق تجارة القوافل الدولية، وتحالف الدول الأوروبية ضد القرصنة في البحر المتوسط، فلم تأت سنة 1911 إلا والبلاد في أسوء أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مما مهد للاحتلال الايطالي سنة 1911م، لقد انتهج المستعمرون الإيطاليون سياسة القمع، والأرض المحروقة مما سبب في إفراغ البلاد من سكانها نتيجة للهجرة والمجاعات المتكررة، وحتى عندما تنفست البلاد الصعداء سنة 1951 كانت التركة كبيرة حيث الجهل والمرض والفقر، ورغم محاولة الأنظمة المتعاقبة معالجة هذه الأزمات إلا أنها لم تفلح في ذلك.

وفي سنة 2011 أدى ما يسمى الربيع العربي إلى قيام ثورة في تونس تلتها ثورة في مصر، وفقدت بالتالي ليبيا جناحيها الإقليميين فانهارت العاصمة طرابلس، وبانهيار العاصمة انهارت البلاد نتيجة لعدم وجود مؤسسات تشريعية أو أمنية تبسط سلطتها وتردع المخالفين. ودخلت البلاد في حالة من الأزمة التي تعقب عادة حالة الهدوء والاستقرار؛ حيث اختل التوازن بين حياة الشعب ومضمونها المتغير، فوقعت فريسة للفوضى والتقاتل، عندها بدأ الزعماء القبليون والجهويون وأصحاب الأجندات المختلفة يستغلون حالة الفراغ هذه مما نتج عنه هذا الكم الهائل من الفوضى والتخبط المجتمعي والسياسي والاقتصادي.

واليوم تدعونا الحاجة لمراجعة أسباب القوة وأسباب الضعف في هذا الكيان حتى يمكننا إعادة بناء هذا الوطن على أسس سليمة مستفيدين بما يمتاز به هذا الكيان وهذا الوطن من نسيج اجتماعي متماسك متمثلاً في قبائله وعائلاته، في بدوه وحضره، في ساحله وصحرائه، في مدنه وقراه، في ثرواته الواعدة، في مميزاته الثقافية، في تسامحه الديني، وفي بعده الحضاري العربي والأفريقي والإسلامي، ولا يتسنى لنا ذلك إلا بدراسة أسباب القوة والضعف في هذا الكيان، ولنبدأ بتحديد هذه الأسباب حتى يمكننا معالجة الخلل، وسد الذرائع، فما هي هذا الأسباب؟

أولاً: الأزمة الديموغرافية:
رغم أن ليبيا تشغل مساحة 1.77 مليون وسبعمئة وسبعون كيلومترا مربعا، وهي تعادل نصف مساحة قارة أوروبا. تحدها ست دول هي مصر والسودان شرقاً، وتشاد والنيجر جنوباً، والجزائر وتونس غرباً، وشمالاً البحر الأبيض المتوسط، فإن عدد سكانها لا يتجاوز الستة ملايين نسمة، ومقارنة مع الدول المجاورة مصر تسعون مليوناً، والسودان أربعون مليوناً، والنيجر والتشاد لكل منها عشرون مليوناً نسمة، وتونس أربعة عشر مليوناً، أما الجزائر فأكثر من أربعين مليون نسمة، وبالمقارنة مع الدول المجاورة فإن ليبيا تعاني أزمة سكانية، وهذه الأزمة لها حسناتها إلا أنها تحمل في طياتها سيئات عدة. فلا يمكن تطوير أو تنمية بلاد شاسعة بحجم ليبيا بعدد سكان متواضع. بالإضافة إلى كونها ستضل بهذه الكيفية مثار أطماع للآخرين، ولا يمكن مهما عملت من حلول ظرفية مثل التشجيع على الزواج المبكر أو السماح بالزواج بأكثر من واحدة كما أقترح البعض، فإن العملية لن تكون مجدية في ظل التنامي الرهيب لدول الجوار في عدد السكان. لكن يمكن ردم هذه الفجوة عن طريق استخدام التكنولوجيا المعاصرة وتوطينها. بإمكان ذلك أن يساعد على خلق توازن ولو موقت للتغلب على هذه الحالة، لكن استخدام التكنولوجيا المعاصرة وتوطينها يتطلب شروط من أهمها مراجعة البرامج التعليمية والتربوية المتوفرة الآن، والتي لا تخدم من قريب أو بعيد القضايا الملحة في المجتمع الليبي المعاصر.

علينا أن ندفع بنقاط الاتفاق ونبذ الاختلاف.. وليبيا كانت وستظل عبارة عن محصلة لتلاقي إرادات هدفها الحفاظ على الوطن

والخلاصة أن قلة السكان ليس عيباً في حد ذاته، لكن المهم كيفية الاستفادة من هذه القلة وتطوير إمكاناتها لعمل مشروع نهضوي قادر على استيعاب التكنولوجيا المعاصرة في جميع المجالات.

ثانياً: أزمة الهجرة غير الشرعية:
من ضمن المشاكل التي يعاني منها المجتمع الليبي مشكلة الهجرة غير الشرعية، فبعد أن استطاعت البلاد القضاء على أكواخ الصفيح وأحزمة الفقر التي كانت تحيط بالمدن، ها نحن نري اليوم احزمة الفقر هذه تنشر من جديد في عدد من المدن والقرى، وأكواخ الصفيح تقام ليس من مواطنين ليبيين ولكن من أجانب دخلوا البلاد في ظروف مختلفة، جلبوا معهم عائلاتهم وباتوا يشكلون ثقلاً على اقتصاديات البلاد وأمنها الاجتماعي والسياسي، إن هذه المشكلة من المشاكل التي تؤرق الكيان، فأحزمة الصفيح أصبحت على مدى البصر في أغلب المدن.

إن وضع هؤلاء الناس يتطلب دراسة جدية تأخذ في حساباتها مصلحة البلاد أولاً، وثانياً مراعاة الظروف الإنسانية التي فرضت على هؤلاء المهاجرين النزوح إلى ليبيا. وعدم الاهتمام بهذا الموضوع ستكون له آثار سلبية وعامل من عوامل عدم الاستقرار فيجب تدارك ذلك.

ثالثاً: طموح الأقليات:
إن الأقليات في ليبيا لا تشكل إلا نسبة قليلة من عدد السكان، ودلالة على هذا أن عدد المقاعد المخصصة لهذه الأقليات في المؤتمر الوطني العام في حدود ستة مقاعد من أصل مئتي مقعد، اثنين للأمازيغ، واثنين للطوارق، واثنين للتبو.

إن الأمازيغ يعيشون في مدن جبل نفوسة وبالتحديد جادو ويفرن ونالوت وزوارة على الساحل قرب الحدود الليبية التونسية. أما الطوارق فيتواجدون في الجنوب وبالتحديد في أوباري وغات وغدامس، أما التبو فيقيمون في مرزق والقطرون وتجرهي، ولكل من هذه الأقليات لغة خاصة بها مختلفة عن الآخر، وإن كانت لغة الأمازيغ قريبة من لغة الطوارق حيث إن أصل هذه اللغة هي اللغة الليبية القديمة لغة سكان شمال أفريقيا، والميزة الثانية هي أن هذه الأقليات جميعها تدين بالدين الإسلامي وإن كان الأمازيغ يتمذهبون بالمذهب الإباضي أقرب المذاهب إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، عقيدة أغلب المواطنين الليبيين.
والإشكالية الأولى لهذه الجماعات التي تعتبر نفسها أقليات هي مشكلة اللغة، فهي وإن كانت تدين بالإسلام مثلها مثل بقية السكان إلا أنها تنظر إلى نفسها بأن لها الحق كل الحق في الاعتزاز بلغتها وموروثها الثقافي. وهذه الأمور ليست مثار خلاف عند الليبيين، لكن كل من هذه (الأقليات) تسعى إلى أن تكون لغتها لغة قومية لعموم الشعب خاصة في الدواوين الرسمية للدولة، وهذا يتطلب قناعة من جل المواطنين إذا أردنا أن تبنى ديمقراطية صحيحة.

إذا كانت المركزية المقيتة ليست حلا فإن الفيدرالية إحدى بوادر الانفصال التي تهدد الكيان الليبي

وثمة مشكلة أخرى مرتبطة بطموح هذه الأقليات وهي الامتداد الديمغرافي. فلكل من هذه الأقليات امتداد على الحدود المجاورة. فالأمازيغ لهم امتداد في منطقة جربة التونسية حيث يتكلم سكان هذه الجزيرة بنفس اللغة ويدينون بالمذهب الإباضي، أما الطوارق فلهم امتداد في الجزائر والنيجر ومالي، والتبو لهم امتداد في كل من النيجر وتشاد، والامتداد الجغرافي في جميع الأحوال ليس سيئاً. لكن علينا جميعاً أن نعمل من أجل مصلحة بلدنا وتقدمه واستقراره.

رابعاً: الدعوة إلى الفيدرالية أو الانفصال:
دعوة الفيدرالية أو الانفصال ظهرت عقب الثورة مباشرة- أي ثورة 17 فبراير سنة 2011م- وكانت من ضمن الحلول التي طرحت لإنهاء الأزمة في ليبيا، وإن ليبيا الجديدة لن يكتب لها البقاء والديمومة إلا بتطبيق النظام الاتحادي الذي كانت عليه سنة 1951م والذي قسمها إلى ولايات ثلاث، ولاية طرابلس، ولاية برقة، ولاية فزان. وإن هذا النظام يعطي لكل ذي حق حقه بدل الاعتماد على المركزية المقيتة حسب تعبير هؤلاء.

ورغم الحجج القوية التي ساقها دُعاة الفيدرالية فإن تاريخ البلاد يبين أنه كلما ضعفت السلطة المركزية سارعت مختلف القوى الانفصالية المثمتلة في الزعماء المحليين إما للمشاركة في الحكم وإما نيل أكبر قدر من الاستقلال الذاتي غير مبالين بالمصلحة العامة. إضافة إلى تضارب المصالح بين المدن الساحلية المهتمة بالتجارة، والتضارب بين الحضر والبدو، كل هذه عوامل تفرقة إضافية. فإذا كانت المركزية المقيتة ليست حلاً، فإن الفيدرالية إحدى بوادر الانفصال وهي إحدى المخاطر التي تهدد الكيان الليبي.

خامساً: خطر الأيديولوجيات العابرة:
يقصد بالأيديولوجيات العابرة: تلك الأيديولوجيات التي تتعارض أهدافها مع الثوابت الوطنية في البلد بما في ذلك، التأكيد على استقلال البلاد، ووحدة أراضيها، والمحافظة على النسيج الاجتماعي، وثقافة المجتمع، وهويته العربية الإسلامية. وهذه الأيديولوجيات تتقاطع أهدافها في بعض الأحيان مع هذه الثوابت، وفي أحيان أخرى يتم القفز عليها أو إنكارها جملة، وإحلال ثوابت بديلة يعتقد أصحابها أنها كفيلة بالإجابة عند حاجتهم هم، وتلبي مطالبهم هم، لكنها في المحصلة لا تلبي مطالب مواطنيهم، ولا تجيب عن حاجة هؤلاء المواطنين.

سادساً: الأطماع الخارجية:
يقصد بالأطماع الخارجية: التدخلات الأجنبية في الشأن الليبي، فليبيا تملك أطول شاطئ على البحر الأبيض المتوسط، ومساحة جغرافية واسعة مع عدد متواضع من السكان، وثروات مكتشفة وغير مكتشفة لا تقدر بثمن، مع زيادة متفاقمة في عدد سكان دول الجوار، بالإضافة إلى االتكالب المحموم الذي يشهده العالم على المواد الخام، والطاقات المتجددة وغير المتجددة التي تملكها ليبيا. وعلينا إذا ما أردنا أن ننأى ببلدنا بعيداً عن هذه التجاذبات وتأثيراتها الداخلية، أن نلملم جراحنا، وأن ننهض من كبوتنا، وأن نتقي الله في وطننا.

سابعاً: التغير القيمي:
لقد أفرزت الحكومات المتعاقبة بسياساتها غير المدروسة سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أنماطاً من السلوك مثل المحسوبية والرشوة والاتكالية والفساد المالي والإداري قابلتها تصرفات من مثل الغش والنصب والاحتيال والكذب، وأصبح سر النجاح بالنسبة للأفراد يقاس بمن يستطيع أن يخرق القانون ويجنح إلى مثل هذه التصرفات. فلما جاءت الثورة- ثورة 17 فبراير 2011م- أمل الشعب أن تكون بادرة خير، وردماً لأخطاء الماضي، فإذا بها تفتح الأبواب على مصراعيها أمام هؤلاء المفسدين. بل تعدى ذلك إلى الابتزاز والخطف والتقتيل والتهجير، وسيطرة ثقافة العنف على المجتمع، والناس في حيرة من أمرهم. وأصبح هدف الفرد والمجموعة هو كيف يستطيع حماية نفسه وكأننا في غابة يأكل فيها القوي الضعيف. فعلينا إذا ما أردنا أن ننهض أن ننبذ هذه الأفعال الذميمة، والأخلاق الرديئة، وأن نلتزم بالصدق والمحافظة على العهد ونظافة اليد.

ثامناً: هدر المال العام:
من الأشياء التي تهدد النظام الليبي ذلك الهدر والاستباحة للمال العام، ولو نظرنا إلى الميزانية السنوية للبلاد لوجدناها في حدود الأربعين مليار من الدينارات تصرف ثلاثة أرباعها على موظفي الدولة. فكم تركنا من مبالغ للتنمية؟ وكم تركنا من مبالغ لإدامة المشاريع وصيانتها، بل كم تركنا للتعليم والصحة وكم وكم.

للاطلاع على العدد «109» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

إن أول المهام للقضاء على الفساد المالي والإداري هو إعادة توجيه اقتصاد البلاد وخلق اقتصاد منتج، ولا يتأتي ذلك إلا بإعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها فلسفة الدولة الليبية. ورغم مضي خمس سنوات على الثورة فإن من تولوا قيادة البلاد خلال هذه الفترة لم يعطوا لهذا الموضوع ما يستحقه من اهتمام، وكل ما يملكون، وما في جعبتهم من خطط عبارة عن «اصرف ما في الجيب يأتي ما في الغيب» كما يقول المثل الليبي. إن هدر المال العام في غير أوجههِ، والفساد الإداري من شأنه إذا لم يعالج أن يرهن البلاد ومواردها وإمكاناتها للخارج الأمر الذي يهدد الاستقلال الوطني ويمهد للتدخل الأجنبي.

وأخيراً وبعد استعراضنا لعناصر القوة والضعف في الكيان الليبي علينا أن نؤكد أن المسؤولية دائماً تتعلق بالنخبة سواء كانت هذه النخبة تقليدية من زعماء القبائل، أو الزعماء الجهويين، أو رجال الدين، أو أولئك الذين يتصدرون المشهد السياسي حالياً، أو المثقفين. فعليهم جميعاً أن يدفعوا دائماً بنقاط الاتفاق والتلاقي، وأن ينبذوا نقاط الاختلاف والتشردم. فليبيا كانت وستظل عبارة عن محصّلة لتلاقي إيرادات هدفها يجب أن يكون المحافظة على هذا الوطن وهذا الكيان.

المزيد من بوابة الوسط