أحمد الجهاني لـ «الوسط»: الجنائية الدولية تنازع ليبيا في اختصاصها وتتمسك بالتحقيق مع المطلوبين حضورياً

كشف ممثل ليبيا لدى المحكمة الجنائية الدولية، الدكتور أحمد الجهاني، وجود أزمة ساخنة بين ليبيا والمحكمة على خلفية إصدار الأخيرة مذكرات اعتقال بحق مواطنين ليبيين، واستمرارها في المطالبة بتسليمهم إليها بما في ذلك محمود الورفلي وسيف الإسلام نجل القذافي، مؤكداً أن القضاء الليبي مختص بإجراء هذه المحاكمات ولا تنقصه الكفاءة ولا المهنية بشهادة المحكمة نفسها.

للاطلاع على العدد «109» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ونفى الجهاني في حوار مع «الوسط» أن تكون المحكمة انتقائية في قراراتها، لأنها تعتمد على نخبة من أفضل قضاة الدول الأعضاء بها، كما تحفظ على الدعوة إلى إنشاء محكمة جنائية خاصة بليبيا، معتبرًا أن تمكين وتدعيم القضاء الوطني للقيام بدوره، هو الحل الأمثل لوقف الجرائم التي ترتكبها الميليشيات المسلحة، بحق المدنيين باعتبارها من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات الليبي.وإلى نص الحوار:
• ما مصير مذكرة الاعتقال الخاصة بمحمود الورفلي؟
- مذكرة القبض على الورفلي تدخل ضمن نطاق دائرة النزاع القائمة بين ليبيا والمحكمة الجنائية الدولية، حول من له الولاية القضائية بإجراء هذه المحاكمة. حيث ترى ليبيا وجوب محاكمة مواطنيها أمام قضائها الوطني، وأن دور الجنائية الدولية هو دور تكميلي وليس أساسياً، علما بأن الجنائية الدولية تشترط مثول المشتبه به أمام قضاتها في لاهاي ولا يعرف قانونها المحاكمات الغيابية، وإن كان الشهود يمكن الاستماع إليهم عبر وسائل الاتصال التكنولوجية، وسبق أن استمعت المحكمة بالفعل إلى بعض الشهود في قضايا مماثلة في السابق، بهذه الطريقة، وبناءً على هذه الشهادات أصدرت مذكرات اعتقال، وما زالت تتمسك بضرورة التسليم، بالرغم من أنها أصدرت أحكاماً أقرت خلالها بمهنية ونزاهة القضاء الليبي، واعترفت بقدرته على تطبيق المعايير الدولية في مجال إجراءات التحقيق والمحاكمات الجنائية وهي شهادة لم تمنحها المحكمة لأي نظام قضائي آخر.

• ماذا تقول لمن يعتبر مذكرة اعتقال سيف الإسلام نجل القذافي تدخلاً في شؤون ليبيا الداخلية ومساساً بهيبة وسمعة القضاء الوطني؟
- فعلاً هناك تشابه بين قضة الورفلي وسيف الإسلام، فكلاهما تسبب في وجود نزاع بين القضاء الليبي والمحكمة الجنائية، حيث ترى المحكمة ضرورة تسليم المطلوبين والتحقيق مع المشتبه بهم حضورياً كما يقضي نظامها الأساسي، لكن ليبيا مصرة على أن قضاءها الوطني هو صاحب الاختصاص الأصيل بالفصل في هذه القضايا، مع العلم بأن المحكمة الجنائية الدولية هي الخصم والحكم في الوقت نفسه في هذا النزاع، فهي من تختصم ليبيا وهي من سيفصل في هذه الخصومة، وفي ظل تمسك كل طرف بموقفه فإن مصير المشتبه فيهم من الليبيين يظل مرهوناً بالفصل في هذا النزاع القائم بين الطرفين.• ما الضمانات التي تحكم مسألة تحريك الدعوى وإصدار مذكرات الاعتقال في المحكمة الجنائية؟
- تحريك الدعوى الجنائية أمام المحكمة، تنظمه ضوابط أهمها أن الأفراد مهما كانت صفتهم ليس لهم الحق في ذلك، سواء كانوا ضحايا أو شهوداً أو مجنياً عليهم أو حتى حقوقيين ومحامين، لأن تحريك الدعوى أو رفعها يظل حكراً على مجلس الأمن الدولي والمدعي العام للمحكمة وأحياناً بطلب من إحدى الدول الموقعة على الاتفاقية. وفي جميع الأحوال لا يتم رفع الدعوى من أي جهة إلا بعد موافقة الدائرة التمهيدية بالمحكمة المكونة من ثلاثة قضاة، فلا مجال مرة أخرى لتحريك الدعوى من غير هذه الجهات أو بأية وسيلة أخرى، كما يحدث أمام المحاكم في بعض الدول عن طريق ما يسمى بالدعوى المباشرة.

مذكرة القبض على الورفلي تدخل ضمن نطاق دائرة النزاع القائمة بين ليبيا والمحكمة الجنائية الدولية

• لماذا تخضع ليبيا إلى قرارات المحكمة وهي غير منضمة أصلاً إلى عضوية المحكمة؟
- رغم عدم انضمام ليبيا لاتفاقية روما، إلا أن العلاقة بين ليبيا والمحكمة الجنائية الدولية، أساسها قرار مجلس الأمن رقم 1970 لسنة 2011، وهذا القرار صادر تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو واجب التنفيذ بالقوة، حيث أحال كل فعل يشكل جريمة تقع في ليبيا من الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها، بداية من 15 فبراير 2011 حتى الآن، سواء كانت جرائم حرب أو جرائم إبادة أو جرائم ضد الإنسانية، وبالتالي فإن الزعم بأن ليبيا ليست منضمة إلى عضوية المحكمة أو ليست طرفاً في اتفاقية روما التي نشأت المحكمة بموجبها لا يؤخر ولا يقدم شيئاً، لأن ليبيا مجبرة على التعاون مع المحكمة بموجب قرار مجلس الأمن.

والأزمة الحالية بين ليبيا والمحكمة الجنائية تتعلق بتنازع الاختصاص القضائي أي هناك نزاع بين ليبيا ممثلة في قضائها الوطني والمحكمة حول من له الحق في محاكمة الليبيين المشتبه بارتكابهم بعض الجرائم التي تدخل في اختصاصها، بصرف النظر عن أسماء الأشخاص.• ما آلية عمل المحكمة؟
- الدعوى لا ترفع ولا يتم تحريكها ولا تتم المحاكمة إلا إذا كان المشتبه به ماثلاً وموجوداً في قاعة المحكمة، على أساس أنها لا تعرف المحاكمات الغيابية بأي شكل من الأشكال. وبالتالي لا تمثيل ولا نيابة عن المتهمين أو المشتبه بهم من قبل المحامين أو المدافعين عنهم، إلا إذا كان المتهم حاضراً أمام هيئة المحكمة. وعندما تقع جريمة تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، دائماً تكون أولوية النظر فيها للقضاء الوطني، سواء في ليبيا أو غيرها، وأن دور المحكمة يكون تكميلياً وفقاً لقانون إنشائها، فإذا تقاعس القضاء الوطني عن القيام بدوره لأي سبب، هنا يبدأ دور المحكمة، مع ملاحظة أنها ليست لديها أجهزة بوليس ولا أدوات تنفيذية، فهي تعتمد دائماً على تعاون الدول المعنية، فالمحكمة لا تستطيع الدخول إلى مناطق النزاعات بل تعتمد في الأساس على مبدأ النفس الطويل باعتبار أن نوعية الجرائم التي تدخل في نطاقها لا تسقط بالتقادم.

المحكمة في وضعها الحالي ليس لديها وسائل لممارسة دورها سوى بتعاون الدول الموقعة على اتفاقية روما

• كيف تمارس المحكمة عملها في ظل الوضع المعقد في ليبيا؟
- المحكمة في وضعها الحالي ليس لديها وسائل لممارسة دورها سوى بتعاون الدول الموقعة على اتفاقية روما، فهي ملزمة بالتعاون معها، لكن فيما يتعلق بالدول غير المنضمة للاتفاقية تضطر المحكمة إلى اللجوء إلى مجلس الأمن لإصدار قرارات بإلزام الدول ذات العلاقة بالقضايا التي تنظرها بالتعاون مع المحكمة، وذلك للحد من حالات الإفلات من العقاب وهو الهدف الذي أنشئت المحكمة من أجله.

• ما الدول العربية الموقعة على اتفاقية روما؟
- لا توجد سوى ثلاث دول عربية منضمة إلى اتفاقية روما هي: الأردن وتونس وجزر القمر، إلى جانب 38 دولة أفريقية وحوالي 124 دولة من مختلف أنحاء العالم أغلبها في أوروبا وأميركا اللاتينية، أما الدول غير الموقعة فهي غير ملزمة بالتعاون مع المحكمة أو تنفيذ قراراتها، إلا في حالة صدور قرار من مجلس الأمن يحثها على التعاون مع المحكمة، والمثال على ذلك الحالة السودانية عندما صدرت مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر حسن البشير عن الجرائم المشتبه بارتكابها في إقليم دارفور غرب السودان، ورغم مرور فترة طويلة على صدور المذكرة، لكننا نرى من حين لآخر أن بعض الدول الأفريقية تحاول تنفيذ قرار المحكمة، كما حدث في جنوب أفريقيا أخيراً، أما الثانية فهي الحالة الليبية وهذا يرجع إلى قرار مجلس الأمن بضرورة التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.• لماذا تتسم إجراءات المحكمة بالبطء الشديد؟
- ذلك يرجع إلى بُعد المحكمة ومقرها عن مواقع ارتكاب الجرائم، كما أن أغلب الشهود والضحايا يكونون في دول بعيدة وربما تعيش حالات عدم استقرار واضطراب أمني، مما يعرقل عمل المحكمة ويصَّعب من دورها ومن ثم تطول فترات المحاكمة والفصل في القضايا، علماً بأن النظام الأساسي للمحكمة يتضمن إمكانية استخدام تكنولوجيا الاتصالات الحديثة في الاستماع إلى الشهود والمجني عليهم والتواصل مع الأطراف الأخرى، إلا أن ذلك لم يسهم في التعجيل في حسم القضايا، وبالمناسبة فإن قانون الإجراءات الجنائية الليبي تم تعديله أخيراً بإدخال إمكانية الاستعانة بتكنولوجيا الاتصالات في إجراء المحاكمات عن بُعد والاستماع للشهود وغيرها من الإجراءات التي تساعد في سرعة البت في القضايا.

عملية تحريك الدعوى أمام المحكمة ليست من اختصاص الأشخاص سواء كانوا أشخاصاً معنوية أو طبيعية

• لماذا تعاني سمعة المحكمة بعض الشوائب باعتبارها أداة في يد القوى الكبرى تحركها وفق أهوائها ومصالحها؟
- ربما ذلك ناتج عن ارتباط المحكمة بمجلس الأمن، لأنه هو الذي يحيل إليها القضايا بصورة رسمية، وهو أيضاً الذي يملك وقف إجراءات التحقيق والتقاضي لمدة عام قابلة للتجديد، وهنا مكمن الخطر لأن الدول المهيمنة على مجلس الأمن هي التي تسيطر فعلياً على عمل المحكمة من حيث الإحالة إليها لغرض تحريك الدعوى كما ذكرنا، لأن عملية تحريك الدعوى أمام المحكمة ليست من اختصاص الأشخاص سواء كانوا أشخاصاً معنوية أو طبيعية، ونظام التقاضي أمام المحكمة معقد ومراحله طويلة ومكلفة، والدول المعنية تتحمل ذلك.

وهذا يتمثل في تكليف محامين ونقل الشهود وطرح الأدلة الأخرى أمام المحكمة، كما أن متابعة القضايا أمام هذه المحكمة ليس بالأمر السهل، ويحتاج إلى وقت وجهد وتكاليف باهظة، لكن الطريقة الوحيدة لحل مثل هذه الأمور يرجع إلى الدول الأعضاء، أي الدول الموقعة على اتفاقية روما، لأن من حقها عبر ما يعرف بجمعية الدول الأطراف تعديل قواعد إجراءات التقاضي وجعلها أكثر مرونة وسهولة مما هي عليه حالياً.

• ما رأيك في تصاعد مطالبات بعض الليبيين أخيراً بإنشاء محكمة جنائية ليبية خاصة على غرار يوغسلافيا السابقة؟
- لا أتفق مع هذا الرأي، ولا مع الرأي الذي تتبناه الآن بعض الدول الأفريقية بإنشاء محكمة جنائية أفريقية، ولديّ تحفظات على مثل هذه الاقتراحات، لأنها ليست الحل الأمثل لتحقيق العدالة الجنائية والحد من حالات الإفلات من العقاب، بل الحل السليم هو دعم القضاء الوطني وتمكينه من ممارسة دوره بشكل كامل، خاصة أنه لا تنقصه الكفاءات البشرية ولا المهنية في فهم وتفسير القانون لتحقيق محاكمة عادلة ونزيهة طبقاً للمعايير الدولية وهذا بشهادة المحكمة الجنائية الدولية نفسها، فالمشكلة هي تعطيل القضاء الليبي من القيام بدوره، لأن المعوقات التي تعترض قيامه بدوره هي نفسها التي ستواجه أي محكمة، مهما كان نوعها أو مسماها، فالقضاء الليبي لا تنقصه القدرة الفنية بقدر ما يعيق عمله الجانب التنفيذي.• هل جرائم الخطف والقتل الجماعي والاغتصاب التي ترتكبها الميليشيات المسلحة في بعض المناطق الليبية تدخل ضمن نطاق عمل الجنائية الدولية؟
- نعم كل هذه الأفعال تدخل ضمن نطاق عمل المحكمة، فهي تعد جرائم ضد الإنسانية، وقانون العقوبات الليبي يجرم كل هذه الأفعال، وإن كان تحت مسميات مختلفة، أو أوصاف أخرى، لكن في نهاية الأمر فإنها أفعال وضع لها القانون الوطني عقوبات رادعة، ربما تكون أشد صرامة من العقوبات المنصوص عليها في قانون المحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها لا تقر عقوبة الإعدام.

• البعض يرى أن المحكمة انتقائية في قراراتها ما رأيك في ذلك؟
- هذه التهمة ربما أتت من أن معظم القضايا التي تنظرها المحكمة تتعلق بقارة أفريقيا، ولا توجد أمامها قضية أخرى سوى قضية جورجيا، ومن هنا جاء اتهامها بالانتقائية، لكن الحقيقة ودون الدفاع عن المحكمة نجد أن معظم الانتهاكات الجسيمة التي تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ترتكب في القارة السمراء، نظراً لأوضاعها السياسية والاقتصادية المعقدة.

للاطلاع على العدد «109» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

• هل تخضع قرارات المحكمة لتدخل الدول الكبرى بالفعل؟
- أكثرية الدول الكبرى التي تتمتع بحق الفيتو في مجلس الأمن لم توقع على اتفاقية روما، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين، لكن المفارقة أننا نجد تلك الدول تعاونت مع المحكمة في قضية إقليم دارفور السوداني وكذلك في الحالة الليبية، وهو ما يعني اعترافاً ضمنياً بها من دون الانضمام لعضويتها، والنظام الأساسي للمحكمة يسمح لمجلس الأمن الدولي بأن يتدخل لوقف إجراءات التحقيق والتقاضي لمدة سنة قابلة للتجديد، ولا يوجد مجال آخر للتدخل في شؤون المحكمة وعملها.

• هل يوجد قضاة عرب في المحكمة الجنائية الدولية؟
- للأسف حتى الآن لا يوجد قضاة عرب ضمن قضاتها، رغم عضوية تونس والأردن كما ذكرنا. يتم اختيار القضاة من بين الكفاءات القانونية البارزة في الدول الأعضاء بطريقة تكفل تغطية كل الثقافات القانونية في المناطق الجغرافية المختلفة من العالم، على أن يراعى في ذلك المساواة التامة بين الرجال والنساء، والدليل على ذلك أن رئيس المحكمة حالياً هي قاضية من الأرجنتين، وكذلك المدعي العام هي قاضية من جامبيا الأفريقية، وهما أهم منصبين في المحكمة.