باحث ألماني: إجراء انتخابات يتطلب تسوية سياسية والتزام المجموعات المسلحة

قال الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، فولفرام لاخر إن أفعال الدول الأوروبية تقوِّض فرص ليبيا في تحقيق استقرارٍ سياسي، مشيرًا إلى غياب رؤيةٍ أوروبية حيال الأزمة.

وفيما يخص الانتخابات المقررلها أنْ تُجرى العام المقبل، قال الباحث إنه «من الصعب القول إنّ هناك ظروفًا ملائمة لإقامة انتخاباتٍ ناجحة في أي وقت قريب»، موضحاً أنّ إجراء انتخابات يتطلب أولاً تسويةً سياسية، وأن يعمل الطرفان الرئيسيان معاً لتوفير قاعدة تشريعية للانتخابات، كما يتطلب أيضا التزام كافة المجموعات المسلحة بالسماح بعقد انتخابات حرة ونزيهة والإلتزام بنتائج الانتخابات.

باحث ألماني: اتفاق الصخيرات الموقع في 17 من ديسمبر 2015 لم يكن اتفاقًا بين أطراف الصراع الرئيسية، بل اتفاق بين ائتلافٍ من الوسطيين والانتهازيين

وفي حوارٍ مع مجلة «ليبيا زينيت» الإلكترونية، الخميس الماضي، قال الباحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إنَّ «اتفاق الصخيرات الموقع في 17 من ديسمبر 2015 لم يكن اتفاقًا بين أطراف الصراع الرئيسية، بل اتفاق بين ائتلافٍ من الوسطيين والانتهازيين»، ورأى أنّ «ليبيا في حالة متقدمة من الإنهيار. فلا توجد حكومة جديرة، ولم يكن هناك أي اتفاق بين طرفي الصراع الرئيسيين». لكنه قال إنه لا يمكنه اعتبار ما يجري في ليبيا حربًا أهلية.

وتابع قائلًا: «المشهد أصبح منقسمًا بشكلٍ متزايد، ويمكن حدوث أي سيناريو»، وتحدث عن تشكل «تحالفات مثيرة للدهشة خلال الأسابيع والأشهر الماضية، وتغيير الأطراف الفعالة لمواقعها باستمرار ، لكننا لم نشهد تشكيل أيّ قوات سياسية أوعسكرية متماسكة يمكنها التوصل إلى تسوية مستدامة».

حاكم عسكري
وحول سيناريو وجود حاكم عسكري في سدّة الحكم في ليبيا، قال لاخر إنّ «ذلك سيجر سنوات وسنوات من صراع جدي. فتقدم حفتر عسكريا صوب غرب ليبيا يعد تهديدًا وجوديًا بالنسبة لبعض المدن في الغرب، وستتحرك تلك المدن للدفاع عن نفسها أمام هذا التهديد، وهذا سيشعل تصعيدًا خطيرًا».

وتناول الحوار الاجتماعات الأخيرة لعمداء البلديات في طرابلس، والذي ناقش سيناريو إقامة نظام لامركزي.. وقال لاخر إنّ هذا السيناريو لن ينجح دون وجود حكومةٍ مركزية فعالة، موضحًا أنّ «الاقتصاد الليبي مركزي يعتمد على عائدات النفط ، ويجب إدارة ذلك عبر حكومة مركزية. ولهذا لن ينجح النظام اللامركزي».

وأشار لاخر إلى الخلافات القائمة بين المصرف المركزي وحكومة الوفاق الوطني، وقال «إنّ المصرف المركزي أصبح وحدة مستقلة، ويعمل بشكل مستقل في تخصيص الميزانيات، والسماح بالوصول إلى العملة الصعبة من أجل عمليات الاستيراد»، وتابع «استقلال المصرف المركزي نابع من حقيقة الاعتراف الدولي، خاصة الدول الغربية، لصالح الصديق الكبير».

تدخلات خارجية
وفيما يخص الدول الغربية، والتي تدخلت في عام 2011 للإطاحة بالقذافي، قال لاخر إن «القضية لم تعد من المسؤول عما آلت إليه الأمور في ليبيا، لكن القضية أن القوى الأجنبية تورطت بشكل متزايد في الصراع الليبي».

الدول التي تدخلت في الأزمة الليبية لا تقتصر على القوى الإقليمية، بل تتضمن قوى غربية مثل روسيا تسعى جميعها لتحقيق أهداف ضيقة الأفق

ولفت إلى أنّ الدول التي تدخلت في الأزمة الليبية لا تقتصر على القوى الإقليمية، بل تتضمن قوى غربية مثل روسيا، تسعى جميعها لتحقيق أهداف ضيقة الأفق، وبناء علاقات مع الأطراف المتنافسة في ليبيا.

وتحدث لاخر أيضًا عن دور إيطاليا، وقال إنّها تركز على وقف تدفق المهاجرين من ليبيا إلى شواطئها الجنوبية، وهناك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والذي «يستخدم الفوضى في ليبيا فرصةً لإحراز مكاسب سياسية سريعة لا تدعمها أي موقف».

وأشار الباحث الألماني إلى «غياب التناغم في المشهد الدولي حول ليبيا، وتشكيل شبكة من المصالح الدولية المتضاربة بها».

دور إقليمي إيجابي
وتحدث عن دور إيجابي لكلٍّ من الجزائر وتونس، وقال إنّهما حاولا بناء علاقات مع كافة الأطراف على الأرض، وتعزيز جهود التوصل إلى حل سياسي، دون أن يضعا أنفسهما كوسطاء رئيسيين مع الاستمرار في دعم دور الأمم المتحدة.

وفيما يخص السياسة الأميركية، قال لاخر: إنّ انسحاب الولايات المتحدة من جهود الوساطة للتوصل إلى حل سياسي ترك المجال مفتوحًا أمام مبادراتٍ آحادية الجانب من روسيا وفرنسا ومصر. لكنه استدرك قائلًا: «لعلنا يجب أن نكون ممتنين لإدارة دونالد ترامب. فمنذ وصوله للبيت الأبيض، توقع الكثيرون أنْ يدعم ترامب جانبًا واحدًا فقط في ليبيا».

انسحاب الولايات المتحدة من جهود الوساطة للتوصل إلى حل سياسي ترك المجال مفتوحًا أمام مبادراتٍ آحادية الجانب من روسيا وفرنسا ومصر

وحذّر الباحث الألماني أيضًا من أنّ «غياب موقف دوليٍّ موحد حيال ليبيا يقوِّض جهود الأمم المتحدة»، وقال إنّ «ذلك بدا واضحًا في الأشهر الأخيرة من عمل المبعوث السابق مارتن كوبلر، حيث فقدت الأمم المتحدة مركزها كوسيط رئيسي وظهرت داعمةً لحكومة الوفاق الوطني فقط».

وأثنى لاخر على عمل المبعوث الحالي غسان سلامة، وقال : «إنّ سلامة حظى بزخمٍ جديد، ونجح في استعادة دول الأمم المتحدة باعتبارها وسيطًا رئيسيًا في العملية السياسية. ونجح سريعًا في فهم أبعاد الصراع الليبي، أفضل من سابقيه ، لكنّه يعمل في ظل أوضاع صعبة للغاية، سواء داخل ليبيا أوعلى الصعيد الدولي ، ولاتظل الاحتمالات قائمةً ضد التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة».

أزمة الهجرة
وتناول الحوار أيضًا أزمة الهجرة إلى ليبيا وما أُثير حول دفع أموالٍ إلى مجموعاتٍ مسلحة من أجل وقف تدفق المهاجرين، وقال الباحث الألماني إنّ الاهتمام الأوروبي حول ليبيا انصب مؤخرًا حول أزمة الهجرة، وخصوصا منذ صيف العام 2016، حيث سجلت أعداد المهاجرين القادمين إلى أوروبا مستويات قياسية، ولفت إلى تعارض ذلك مع هدف أوروبا السابق بدعم إقامة سلطة مركزية قوية تستند إلى تسوية تفاوضية.
وقال لاخر: «تركيز أوروبا الحصري على دفع المجلس الرئاسي للتعاون حول الهجرة يقوّض حكومة الوفاق في طرابلس، ويجعلها تبدو كأنها (دمية أوروبية)».

ولفت إلى أنّ ترتيبات الحكومة الإيطالية الداعمة لمجموعات مسلحة محلية ، في غرب ليبيا تسببت في تعزيز قوة تلك المجموعات أمام حكومة الوفاق، وقال: «تشير السياسات الحالية إلى أن أوروبا ركزت هدفها على إنشاء سلطة مركزية في ليبيا لصالح إجراءات قصيرة المدى لوقف تدفق المهاجرين».

وفي إشارة إلى تقرير منظمة العفو الدولية الأخير والذي يتهم الحكومات الأوروبية بالتورط في انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا، قال لاخر: «بالطبع، من الواضح أن أوروبا، وخاصة إيطاليا، متورطةٌ في استغلال المهاجرين داخل ليبيا».

الحلّ القاضي بإعادة المهاجرين العالقين في ليبيا يتطلب تعاونًا من دول المهاجرين، وهذا يعني أيضًا عودة المهاجرين الأجانب الموجودين في ليبيا لغرض العمل

وقال: «في الحقيقة لا نعلم كمّ الأموال التي وصلت إلى المجموعات في صبراته أو الزاوية. لكن الأرباح ليست هي الحافز الوحيد، الأمر يتعلق بحصول تلك المجموعات على الاعتراف الرسمي، باعتبارها وحدات تابعة للقوات الأمنية لحكومة الوفاق في طرابلس، وبالتالي حماية مصالحها على المدى المتوسط».

وحول رؤيته لحل أزمة الهجرة، قال لاخر إنّ الحلّ القاضي بإعادة المهاجرين العالقين في ليبيا يتطلب تعاونًا من دول المهاجرين، وهذا يعني أيضًا عودة المهاجرين الأجانب الموجودين في ليبيا لغرض العمل.

وأعرب عن اعتقاده باستمرار حركة المهاجرين صوب أوروبا حتى مع تسارع وتيرة التنمية في أفريقيا، لكنه قال إنه لا توجد حلول حالية يمكن إيجادها داخل ليبيا، باعتبارها دولة معبر. وأكد أن التركيز في ليبيا يجب أن ينصب حول إقامة دولٍ قوية يمكنها إدارة تدفقات المهاجرين، موضحا أن مساعي تحسين الأوضاع في مراكز الاحتجاز ستذهب سدًى مع غياب سلطة مركزية قوية.