شبح «الفيل الأزرق».. حرب صامتة تهدد الشباب الليبي

تحول عقار الهلوسة المعروف بـ«الفيل الأزرق» إلى شبح مخيف يؤرق المجتمع الليبي، بعد روايات -غير مؤكدة- عن مصرع 3 أشخاص انتحارا نتيجة تعاطيهم هذا المخدر في مدينة البيضاء، ويشير ناشطون إلى ارتفاع أعداد المتعاطين مخدر «الفيل الأزرق» في شرق ليبيا وخصوصا من فئة الشباب المهمش، لكن صيادلة ومسؤولين أمنيين استبعدوا وجود مثل هذا المخدر في البلاد.

وحسب المعهد الأميركي المعني بدراسة المخدرات، فإن «الفيل الأزرق» أو «فلاكا» يأخذ شكل حبيبات بيضاء ذات رائحة كريهة، والتي يمكن أن تؤكل أو تستنشق أو تحقن أو يتم تعاطيها عن طريق السجائر الإلكترونية.

للاطلاع على العدد «108» من جريدة «الوسط» اضغطا هنا

ووسط غياب للإحصاءات الرسمية الدقيقة، يحذر مراقبون من استمرار انتشار المخدرات، في ظل الوضع السياسي المنقسم جراء الحروب و الانفلات الأمني، إذ تتنوع وتتحور حيل التهريب والتي كان آخرها ضبط 900 ظرف مخدرات في شحنة أحجار مهربة قادمة من المغرب مؤخرا بقيمة 10 ملايين دينار.

ويقول الناشط الحقوقي منير الجواري: إن مشكلة إدمان المخدرات شملت جميع الطبقات والأعمار، كما ظهرت مركبات جديدة لها تأثير واضح على الجهاز العصبي والدماغ في الآونة الأخيرة، ونوه إلى «ازداد عدد المتعاطين المخدرات وخصوصا من فئة الشباب المهمشة، خاصة بعد دخول أنواع جديدة من المخدرات مثل حبوب (الفيل الأزرق) والمعروفة عالميا (Di)، التي انتشرت في شرق ليبيا وتسببت في العديد من حالات الانتحار».

تعاطي الفلاكا يسبب هذيانا وهلوسة شديدة ويضع الشباب على حافة الانتحار

عنف وانتحار
ويقول أطباء إن تعاطي الفلاكا يسبب حالة هذيان ترتبط بالبارانويا والهلوسة الشديدة، التي قد تؤدي إلى ممارسة العنف، وعدم قدرة المتعاطي على السيطرة على حواسه بشكل كامل، ورصد المعهد الأميركي الخاص بالمخدرات أضرارا خطيرة لهذا المخدر، إذ إنه من الممكن أن يؤدي إلى رفع درجة حرارة الجسم بشكل قد يؤدي إلى الوفاة، بالإضافة إلى الإضرار الشديد بالكلى.

ويبدأ تأثير هذه المادة بعد تعاطيها مباشرة ويمتد مفعولها لثلاث ساعات تقريبا، وبمجرد انتهاء تأثيرها تزداد معدلات الهلوسة السمعية والبصرية بسبب إصابة خلايا المخ بالضمور، كما يسبب إدمانها ضعفا في الذاكرة ومسحها تماما في فترة قصيرة، ويحذر الدكتور أحمد الفقي صيدلي من خطورة انتشار مخدر الفيل الأزرق بين أوساط الشباب خاصة، داعيا إلى «فتح مراكز علاج الإدمان لعلاج المتعاطين قبل فوات الأوان وتفاقم الوضع».

ويوضح لـ«الوسط»: «الفلاكا» تعرف أحيانا في اللغة المحكية بالفلاكا أو الغرافيل، واسمه العلمي (ألفا بي في بي)، منبه صناعي من صنف الكاثينون، مشيرا ألى تطويره في السيتنيات ويباع كدواء مصمم.

شلل في مكافحة المخدرات وعلاج المدمنين بفعل الفوضى الأمنية والإهمال

ويتحدث مراقبون عن سعر زهيد لهذا المخدر الذي يصفونه بـ«القاتل الصامت»، إذ يصنع في الصين ويعرف بـ«جنون الـ5 دولارات»، ويمكن شراؤه عبر شبكة الإنترنت ليصل إلى باب المنزل بسعر 1500 دولار للكيلو الواحد، أي أقل 15 مرة من كيلو الكوكايين، ليصل في كميات صغيرة ويوزعه التجار في أسواقه غير الشرعية.

ووفق مراقبين، يتراوح سعر القرص الواحد بين 2 و5 دينارات فقط داخل ليبيا، في مقابل سعر عالمي يتراوح بين 40 و50 دولارا، ويروج له بشكل عادي على شبكة الإنترنت، ويمكن تدخينه في سجائر عادية أو سجائر إلكترونية أو حقنه في الدماء، أو استنشاقه في هيئة أبخرة، مما يغري المدمنين للإقبال المتزايد عليها.

لا وجود للمخدر
لكن مدير مكتب التوعية والإعلام بالمنطقة الشرقية لمكافحة المخدرات، العقيد محمد الكرغلي، يقول «لم يثبت لدينا وجودها داخل ليبيا حتى الآن»، وفي السياق نفسه، يقول الإخصائي النفسي منصف الخزعلي، المقيم في مدينة البيضاء: «بناء على تصريحات الخبرة القضائية، المختصة بتحليل مثل هذه الأنواع من المخدرات غير موجودة في ليبيا بعد أن جلبت الهيئة عينات من الخارج لتحليلها ودراستها».

واستبعد الخزعلي وجود هذا المخدر في البيضاء نظرا لارتباطه بأنشطة التهريب عبر الحدود البرية أو البحرية، منوها إلى أن «البيضاء صاحبة العدد الأكبر في حالات الانتحار التي سجلت مؤخرا لا يوجد بها أي منفذ بري أو بحري أو حتى قريب منها، وتعد أقل المدن الليبية في تعاطي وانتشار المخدرات».

ورغم دائرة الغموض التي تطوق هذا المخدر في حرب توصف بـ«الصامتة»، لكن تبقى المنافسة قوية بين أنواع رخيصة من المخدرات، سجلت انتشارا واسعا بعد انهيار المنظومة الأمنية وإحراق المقرات الشرطية عقب ثورة 17 فبراير.

ويقول الكرغلي: «أكثر المخدرات انتشارا وأخطرها هو «الترامادول»، ويشبه آلية عمل الأفيون إلى حد كبير»، موضحا أن الاثنين يغلقان المستقبلات العصبية المركزية، وهي الأعصاب المسؤولة عن توصيل الإحساس بالألم إلى أجهزة الجسم التي تدمنه بسرعة»، أما مخدر الهيروين دخل إلى ليبيا بسعر 75 دولارا، وتبلغ قيمة الإبرة دينارين فقط.

سجائر عادية أو إلكترونية أو حقنة.. ويسبب هلوسة سمعية وبصرية وإضرارا شديدا للكلى

ومع غياب الإحصاءات الدقيقة لانتشار إدمان المخدرات في البلاد، يقول الكرغلي «ما يزيد الأمر تعقيدا أنه لا توجد بنية تحتية، من مصحات علاجية وأطباء وممرضين متخصصين في علاج المدمنين».

إهمال
على سبيل المثال، يشكو الكرغلي من إهمال جسيم من المسؤولين لمكتب التوعية والإعلام بالمنطقة الشرقية لمكافحة المخدرات، ويقول: «نفتقر لأبسط المقومات وهي مقر نتواجد به لنتمكن من إعداد بحوثنا ودراساتنا وبرامجنا التوعوية»، ويضرب مثلا بالقول: «للأسف الشديد أقوم بكل هذا من داخل مسكني .. ورغم ذلك لم نتوان عن أداء واجبنا، وقدمنا كل ما يمكن تقديمه».

للاطلاع على العدد «108» من جريدة «الوسط» اضغطا هنا

لكنه يوضح أن المكتب «ألقى محاضرات بالجامعات والمعاهد العليا ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والحقول النفطية، ونظم ورش العمل وعقد دورتين بكيفية تعامل التمريض مع المدمن ودورة لإعداد قادة في مجال المخدرات والمؤثرات العقلية».

وأشار إلى «إغلاق مصحة الإرادة منذ أحداث فبراير، بعدما قدمت العون للعديد من المدمنين»، مضيفا: «طالبنا في العديد من المناسبات إعادة فتحها والاهتمام بها ولكن للأسف لا حياة لمن تنادي. وأتمنى ألا يكون إغلاقها بفعل متعمد».

ولا يخفي المسؤول الأمني ثقته في انتهاء الخلافات السياسية والعسكرية قريبا، لكنه قال «سيكون هناك شرخ كبير جدا بالمجتمع الليبي هو الكم الهائل من المدمنين والمدمنات».

المزيد من بوابة الوسط