خلاف حول الصلاحيات يُعوّم ملف «تهريب الأموال»

فتح ديوان المحاسبة ملف شركات تهريب أموال للخارج من جديد عندما اتهم رئيس لجنة المالية بمجلس النواب عمر تنتوش بالتورط في تقديم تسهيلات ومساعدة تلك الشركات خلال الفترة الماضية، وذلك في أحدث حلقات الخلاف التي تنشب بين المسؤولين عن الوضع الاقتصادي بالبلاد، لكنّ الجدل المثار أخيراً لم يكن داخل دروب الفساد بقدر ما كان نقاش حول صلاحيات من يخوض في الظاهرة، لاسيما بعد إلغاء القائم بمهام النائب العام قرار ديوان المحاسبة بتجميد تلك الحسابات.

وفي معرض رده على بيان سابق لرئيس لجنة المالية بمجلس النواب، قال «شكشك» إن «تبعية تنتوش إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي بطرابلس (الصديق الكبير) أسهم في استمرار انقسام المصرف المركزي واستمرار الأزمة المالية في البلاد»، متهماً إياه بالجمع بين مهامه التشريعية وعلاقات بمسؤولين تنفيذيين «تجعله في شبه تضارب المصالح».

تحوّلت المواجهة من تفنيد الأرقام وتناولها بالتفاصيل إلى تبادل الاتهامات المجرَّدة

وكان ديوان المحاسبة تحدث في تقريره السنوي العام 2016 أصدره في 28 أبريل الماضي، عن ملف الفساد في الاعتمادات المستندية «الذي بلغ مستوى غير مسبوق»، لافتاً إلى أنّ 81 شركة ليبية هربت الأموال وأوردت اعتمادات وهمية بأسماء ليبيين، إذ إن نسبة ما جرى توريده كسلع من الأموال المعتمدة هو 14‎%‎ فقط، وأنّ الـ86‎%‎ المتبقية تم تهريبها كعملة أجنبية إلى الخارج، فيما بلغ إجمالي الأموال المهربة عن طريق الاعتمادات 570 مليون دولار.

لكنّ «تنتوش» اعتبر في كتاب سابق وجههُ لـ«شكشك» أن هذا التقرير خالف السياقيْن المهني والقانوني، كونه لم يُعرض على مجلس النواب قبل نشره، معتبراً في الوقت نفسه أن «التقرير افتقد المعايير المهنية»، حين ذهب إلى أن «كثيراً من المعلومات والأرقام المنشورة فيما يخص مصرف ليبيا المركزي معلومات وأرقام مغلوطة».

غير أن رئيس ديوان المحاسبة عاد ليشير إلى أن «تقارير ديوان المحاسبة أعدتْ من قبل مختصين ومهنيين بكل حياد وموضوعية خلال فترة حساسة من عمر الوطن»، وأن تلك التقارير كشفت عديد التجاوزات ولقيت إشادة من المؤسسات والمنظمات المحلية والدولية، لافتاً إلى أن «تنتوش» تعدى الاختصاص الأصيل لرئيس مجلس النواب وخاطب بشكل مباشر ديوان المحاسبة.

وتحوّلت المواجهة من تفنيد الأرقام وتناولها بالتفاصيل إلى تبادل الاتهامات المجرَّدة، وهو ما ظهر من قول رئيس ديوان المحاسبة بأن رئيس لجنة المالية «اكتفى بالدفاع عن المصرف المركزي، بدلاً عن الاستعانة بالتقارير الرقابية وممارسة دوره ومهامه في الرقابة التشريعية ومساءلة القطاعات المالية على فشل القائمين عليها في إيجاد حل للأزمة المالية والمصرفية الخانقة التي يعانيها المواطن».

الجدل المثار أخيراً لم يكن داخل دروب الفساد بقدر ما كان نقاش حول صلاحيات من يخوض في الظاهرة

وقال «شكشك» إن سبب كتاب «تنتوش» يرجع إلى تضمن تقرير ديوان المحاسبة العام 2016 أسماء شركات قام أصحابها بتهريب أموال الدولة إلى الخارج بموجب اعتمادات وهمية أثبتها الديوان بالأدلة وأحالها للنائب العام، مُتّهماً إياه بالسعي للتوسط لأصحاب تلك الشركات من خلال دعوتهم لحضور الاجتماعات التي عقدت في تونس، ومحاولة التوسط ليقابلوا مسؤولي الديوان على هامش تلك الاجتماعات، معتبراً تلك التصرفات تجعل «تنتوش» في موضع شبهة بالتورط في فساد الاعتمادات.

ودارت ردود رئيس ديوان المحاسبة حول عدم قانونية الخطوة التي أقدم عليها «تنتوش»، بأن النظام الداخلي لمجلس النواب لا يجيز لعضو من أعضائه أو حتى رئيس لجنة برلمانية إصدار المخاطبات متجاوزاً اختصاصات رئاسة مجلس النواب.

لكنّ القائم بأعمال النائب العام، إبراهيم مسعود، قال إن قرار ديوان المحاسبة بتجميد حسابات مصرفية لجهات طبيعية واعتبارية بتهم فساد قرار «غير قانوني»، لافتًا إلى أن ثمة تداخلاً في الاختصاصات بين مصرف ليبيا المركزي وديوان المحاسبة، ينتهي إلى عدم مشروعية وملاءمة طلب رئيس ديوان المحاسبة في خطابه الذي أرسله في وقت سابق يطلب فيه تجميد تلك الحسابات.

القائم بأعمال النائب العام يقول إن قرار ديوان المحاسبة بتجميد حسابات مصرفية لجهات طبيعية واعتبارية بتهم فساد قرار «غير قانوني»

وأشار مسعود في مذكرة قانونية أرسلها إلى رئيس ديوان المحاسبة، إلى أن «عملية تجميد الحسابات المصرفية للجهات الطبيعية والاعتبارية استندت إلى تورط تلك الجهات في عمليات غسيل وتهريب الأموال، حيث أحال ديوان المحاسبة تلك الوقائع إلى النائب العام عقب تجميد الحسابات»، وهو من الناحية القانونية يعد مخالفة، حيث جرى العرف القانوني أن يقوم ديوان المحاسبة وهو جهة رقابية بإحالة القضية إلى جهات التحقيق المتمثلة في النائب العام، ومن ثمّ يجرى إصدار تكليفات بتجميد الحسابات بناءً على نتائج التحقيقات وقرار القضاء وليس العكس.

وأضافت المذكرة القانونية أن عدم التزام ديوان المحاسبة بالقواعد القانونية، جعل قراره «باطلاً»، فضلاً عن تحمله المسؤولية القانونية أمام الأجهزة القضائية، بسبب «تصرفات بإساءة استعمال السلطة»، كما نصّت المذكرة على أن طلب عدم الإفراج عن أي حسابات قام بتجميدها إلا بموجب قرار من ديوان المحاسبة، رغم إحالته تلك الوقائع إلى النائب العام يعد تدخلاً في أعمال النيابة العامة باعتبارها جهة التحقيق والتصرف ورفع الدعوى الجنائية.

وأكملت المذكرة أن القانون رقم 2 لسنة 2005 حصر عملية التجميد والتحفظ على الحسابات المصرفية لمرتكبي جرائم غسيل الأموال «محل الاتهام»، على محافظ مصرف ليبيا المركزي والنيابة العامة والمحكمة المختصة، كما وضع مدة محددة لاستمرار التجميد جعلها 30 يومًا لمحافظ المصرف المركزي و3 أشهر للنيابة العامة ومثلها للمحكمة المختصة، وحال عدم الفصل خلال تلك المدة يرفع التجميد والتحفظ.

وجاءت تلك المواجهة بعد أيام على تزايد الحديث عن الفساد الذي ضرب مؤسسات الدولة، بعدما حذر مسؤولون من مستوى الخطورة الذي وصل إليه الاقتصاد الليبي، ولا سيما مع استمرار الخلافات السياسية والمواجهات الأمنية، وهو ما دفع رؤساء المؤسسات الاقتصادية إلى الحديث مجدداً عن ضرورة تدارك الوضع، كما حذر المبعوث الأممي غسان سلامة من أن ليبيا مهددة بالإفلاس في أقل من 18 شهراً، وهو ما لا يتناسب مع بلد ينتج أكثر من مليون برميل نفط يومياً، أرجعها سلامة إلى استفحال الفساد الذي يجر الاقتصاد الليبي إلى الهاوية.

المزيد من بوابة الوسط