آراء خبراء وأمنيين ودبلوماسيين عن قرارات قمة أبيدجان

وصف مسؤولون حكوميون وممثلون لمنظمات دولية معنية بقضايا الهجرة، منها منظمة الهجرة الدولية، وخبراء في علم الاجتماع والاقتصاد والصحة وأمنيون وسفراء معتمدون لدى ليبيا ومنظمات المجتمع المدني وصحفيون، مخرجات قمة أبيدجان بشأن قضية الهجرة غير الشرعية في ليبيا بأنها «غير واقعية»، وأجمعوا على أنها «لن تخفف من معاناة مئات الآلاف من المهاجرين وبخاصة أولئك العالقين لدى ميليشيات مسلحة ومنظمات إجرامية تتحرك داخل ليبيا وفي دول المصدر وعلى الحدود الجنوبية للبلاد».

للاطلاع على العدد «107» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

جاء ذلك في ندوة نظمها المجلس الوطني الليبي للتطوير الاقتصادي والاجتماعي، الثلاثاء، في طرابلس، عن الهجرة غير الشرعية في ليبيا، وما يتبعها من تداعيات اقتصادية واجتماعية وصحية، تواجه البلاد وهي غارقة في دوامة أزمة سياسة وأمنية منذ حوالي سبع سنوات، بسبب تلك الظاهرة المتفاقمة إلى جانب معاناة عشرات الآلاف من المهاجرين العالقين داخل حدود الدولة الواقعة في شمال أفريقيا على ساحل المتوسط.ودعا رئيس المجلس الوطني الليبي للتطوير الاقتصادي والاجتماعي، فضيل الأمين، في افتتاح الندوة إلى ضرورة خلق آليات تستجيب للواقع القائم على الأرض في ليبيا وتبني سياسات واستراتيجية مشتركة بين دول المصدر والعبور والمقصد لمعالجة هذه الأزمة العابرة للحدود، مؤكدًا أن «وضع العبء على دولة واحدة وتوجيه أصابع الاتهام لها وهي ليبيا لن يفيد المهاجرين في أي شيء».

وقال الأمين إن «الهجرة سلوك بشري لا يمكن تجريمه في حد ذاته؛ حيث إن كوكب الأرض لكل البشر» مضيفًا أنه مع تطور حياة البشر جرى تقنين هذا الحراك البشري من قبل الدول والكيانات».

وأشار إلى أن الوضع الأمني المتردي في ليبيا، وسياسات الدول على الحدود الجنوبية لها، التي تغض البصر عن هذه المأساة الإنسانية، وتراخي المجتمع الدولي أسهم في توالد المنظمات الإجرامية التي تتاجر بالبشر؛ حيث أصبح المهاجر سلعة يتم تهريبها والاتجار بها.

فضيل الأمين: الهجرة سلوك بشري لا يمكن تجريمه في حد ذاته حيث إن كوكب الأرض لكل البشر

وتابع الأمين: «إننا اليوم في مواجهة كارثة إنسانية حقيقية تتمثل في تحرك حوالي مليون شخص معظمهم من الشباب ما بين 16 و25 عامًا، وكذلك الأطفال القصر والنساء عبر مسالك الهجرة التقليدية من عديد الدول الأفريقية إلى الحدود الليبية عبر النيجر وتشاد والسودان، وحتى مصر بعد غلق المسار الشرقي (آسيا) والمسار الغربي (المحيط الأطلسي)، ولم يبق أمامها إلا المسار الأوسط وهو المسار الليبي الذي يقود إلى البحر المتوسط ومنه إلى أوروبا».

وأضاف الأمين أن هذا التحرك قاد إلى تجمع منظمات الاتجار في البشر على امتداد طرق المسار الأوسط إلى الحدود مع ليبيا وفي داخلها؛ حيث تقوم باستغلال المهاجرين لإيصالهم إلى مراكب الموت على الساحل الليبي.

وأوضح في هذا الخصوص أن من يملكون المال في بلدانهم الأصلية لدفع ثمن الرحلة إلى المتوسط قلة مقارنة بعشرات الآلاف الذين يتوافدون على ليبيا، وفي نيتهم العمل لجمع ثمن تذكرة قوارب الموت إلى أوروبا.وحذر الأمين من تداخل منظمات الإرهاب وعصابات الاتجار بالبشر في هذه المأساة الإنسانية، مؤكدًا أن المنظمات الإرهابية تجد ضالتها بين الشباب المهاجرين لتجنيدهم وضمهم إلى صفوفها.

ودعا رئيس المجلس الوطني الليبي للتطوير الاقتصادي والاجتماعي، في هذا الصدد إلى ضرورة تبني رؤية دولية، وإيجاد آليات لتعاون الدول المعنية، مؤكدًا أن الضرر لن يقتصر على ليبيا بل سيطال دول المصدر والدول الأوروبية على حد سواء، ومشددًا على أن الحل الصحيح يكمن في تمكين المهاجر من الاستقرار في بلده.

وأشار إلى أن ليبيا حريصة على حقوق الإنسان واحترامها للمواثيق الدولية الموقعة عليها، ولكنها نظرًا للفوضى الأمنية وانتشار السلاح واستمرار أزمتها السياسية عاجزة عن الوصول إلى المراكز الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون وعصابات الاتجار بالبشر الإجرامية، ومن هنا يتعين، بحسب رأيه، أن تعمل ليبيا مع شركائها في دول المصدر ودول المقصد للتخفيف من معاناة المهاجرين ووضع حد لهذه المأساة الإنسانية.

المهاجر الواحد يكلف البلاد حوالي 1250 دولارًا سنويًا بالإضافة إلى قيامه بتهريب العملة الأجنبية

من جهته شدد أستاذ علم الاجتماع عبدالسلام الذويبي على ضرورة وجود تعاون دولي فعال لحل أزمة ظاهرة الهجرة غير الشرعية وحماية المهاجرين، واصفًا ما توصلت إليه قمة أبيدجان بين الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي بـ«الحلول التسكينية».

وأكد أنه يجب البدء في التعامل مع هذه الظاهرة ومعالجتها في دول المصدر قبل أي شيء آخر، مشيرًا إلى أن قرار قمة أبيدجان «لم يبحث في أسباب إقدام المهاجرين على ترك أوطانهم بقدر ما دغدغ العواطف دون تقديم الحلول الملائمة للوضع الكارثي الذي يعيشه المهاجرون».

ودعا أستاذ علم الاجتماع إلى تصحيح المفاهيم، وقال: «إن ما يتم الترويج له من اضطهاد للمهاجرين في ليبيا حتى وإن تم فهو حالة فردية ومجرد عرض صحفي لن يغير شيئًا في الواقع»، في إشارة على ما يبدو إلى فيديو شبكة (سي إن إن).

كما دعا الدول المعنية والأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة إلى الإسراع في إنشاء مركز متخصص لدراسة وأبحاث الهجرة، يقف على المعطيات والوقائع بدلاً من التعامل العشوائي مع هذه الظاهرة.وحذر الباحث الليبي في علم الاجتماع من محاولات القفز على أسباب الهجرة والظهور بمظهر المتعاطف والمتباكي مع قضايا المهاجرين، مشيرًا إلى أن جميع الدول دون استثناء تعمل وفق ما تنص عليه دساتيرها مع الهجرة غير الشرعية بالرفض والإبعاد.

ومن جانبه أشار الخبير الاقتصادي الليبي ناصر ساسي إلى أن قضية الهجرة غير الشرعية مسألة معقدة جدًا؛ حيث ينطلق المهاجر إما بحثًا عن حياة أفضل بسبب الجوع والفقر والتهميش في بلاده أو هربًا من النزاعات المسلحة خوفًا عن حياته، وفي حالات أخرى بسبب معارضته السياسية للنظام القائم، وهي عوامل لا يمكن تجاوزها وإقناع المهاجر بالعودة الطوعية إلا بعد القضاء عليها.

وقال «إن المهاجرين الذين يقدر عددهم ما بين مليون و1.5 مليون شخص في ليبيا تسببوا في مشاكل إضافية إلى الاقتصاد الليبي لم تكن معروفة قبل 2011؛ حيث كانت ليبيا دولة غنية».

وأوضح أن المهاجر يعمل في بلاده كي يتحصل على ثمن تذكرة الوصول إلى ليبيا، أو تقوم أسرته بتدبير المبلغ الخاص بهذه الرحلة الخطيرة، لكنه في حاجة للعمل عدة سنوات في ليبيا للحصول على ثمن رحلة العبور إلى أوروبا.

المنظمات الإرهابية تجد ضالتها بين المهاجرين لتجنيدهم وضمهم إلى صفوفها

وأضاف أن 60 في المئة من المهاجرين قدموا إلى ليبيا لعدم وجود فرص عمل في بلدانهم، حيث إن الهجرة هي ردة فعل طبيعية تجاه حالة التخلف الاقتصادي.

وقال إن الدول الأفريقية المصدرة للهجرة عجزت لعدة أسباب في مقدمتها الفساد عن القيام بتوظيف ملائم لثرواتها الطبيعية، بالإضافة إلى غياب سياسات التكامل الاقتصادي بين الدول الأفريقية وعجز الموازين التجارية في هذه الدول والتبعية الاقتصادية لدول الاستعمار المستمر إلى اليوم، ولاحظ أن ليبيا التي توجه إليها اليوم أصابع الاتهام من الجميع للتستر عن عجزهم وفشلهم في التعامل مع هذه الظاهرة الإنسانية العابرة للحدود؛ تتحمل أعباء كبيرة رغم وضعها الاقتصادي المتأزم، مشيرًا على سبيل المثال إلى أن المهاجر الواحد يكلف البلاد حوالي 1250 دولارًا سنويًا (تكاليف علاج والاستفادة من السلع المدعومة)، بالإضافة إلى قيامه بإضعاف الاقتصاد الوطني من خلال تهريب العملة الأجنبية ولا يدفع درهمًا واحدًا للضرائب.

للاطلاع على العدد «107» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

من جانبه قال مندوب وزارة الصحة الليبية إن الهجرة غير الشرعية أرهقت منظومة الصحة الوطنية، مشيرًا في هذا الخصوص إلى ظهور عديد الأمراض السارية والمستوطنة التي أنفقت عليها ليبيا مئات الملايين من الدولارات خلال العقود الماضية للقضاء عليها، إلا أنها عاودت الظهور مع المهاجرين منها على سبيل المثال، المالاريا والتهاب السحايا والوباء الكبدي.

وقال إن أنماطًا مرضية تختلف عن المجتمع الليبي بدأت في الظهور مما يستوجب ميزانيات إضافية لإجراء البحوث عليها ومعالجتها في وقت تعاني فيه ليبيا مشاكل اقتصادية كبيرة بسبب الصراع على السلطة والمال منذ ما يزيد على ست سنوات.

المزيد من بوابة الوسط