الليبيون يحتفلون بذكرى المولد النبوي على طريقتهم الخاصة

رغم صخب أزمة الهجرة غير الشرعية ورغم اقتتال لا يتوقف إلا ليعود بين يوم وآخر، ورغم أزمات تتوالد من رحم بعضها وغبار معارك لا يغيب، يأبى مواطنو ليبيا إلا أن يتمسكوا بطقوس حياتهم الاجتماعية والدينية؛ يعلنونها عند كل مناسبة غير أن ضيق الحال وقلة السيولة في أنحاء متفرقة من البلاد تحول دون اكتمال مشاهد الاحتفال بذكرى مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كما جرت عليه العادة عند كل عام في مثل هذه الأيام.

من سبها إلى أوجلة مرورًا بأجدابيا يمضي احتفال الليبيين بذكرى المولد النبوي الشريف، كواحدة من المناسبات الدينية التي يحتفل بها المسلمون حول العالم بشكل عام والليبيون بشكل خاص.

للاطلاع على العدد «106» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وللاحتفال طعم خاص ومميز في الجنوب الليبي حيث تقام جلسات ليلة المولد في المساجد والزوايا حتى الفجر، إذ يجتمع فيها الناس على شكل حلقات يقرأ فيها المولد البرزنجي الذي يحكي قصة الرسول صلى الله عليه وسلم من مولده إلى وفاته وسيرته العطرة، وكذلك المدائح النبوية مثل القصيدة الهمزية والحضرة التي تعتبر إحدى الطرق الصوفية في ذكر النبي المعظم، كما يقوم البعض بقراءة ختمة كاملة من القرآن الكريم وإهدائها إلى نبي الإسلام.

وتجتمع الأسر في تلك الليلة وتتناول وجبة العشاء في جو من الفرح والسرور بهذه الذكرى، وتقدم فيها الحلويات مثل الكعك المخمر والقمح المحمص والبيض المسلوق والماء، كما يخرج الأطفال في الليل حاملين الشموع والفوانيس ويرددون بعض الأناشيد حول ذكرى المولد الشريف.ووسط كل هذه المظاهر الشعبية في الاحتفال بالمولد النبوي، رصدت «الوسط» جانبًا من مشاهدها المفعمة بألوان شتى من الطقوس.

مدير فرقة الفجر الجديد للمدائح والأذكار أحد المشرفين على الاحتفال بالزاوية العيساوية بمنطقة الجديد في سبها، عبدالوهاب سالم، قال لـ«الوسط» إن العادة جرت في سبها خاصة وفزان عامة على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف منذ القدم، وتوارث الأبناء ذلك عن الآباء والأجداد، حيث تنطلق الاحتفالات في المساجد والزوايا اعتبارًا من منتصف شهر صفر الهجري، حيث يجتمع الناس في حلقة دائرية ويصطحبون الأطفال معهم، وتقام قراءة المدائح والأشعار لمدح النبي صلى الله عليه وسلم مثل شعر البغدادي وديوان الهلول، ويستمر هذا الحال إلى 11 ربيع الأول، حيث تنطلق الاحتفالات الرسمية بعد صلاة العصر يوم 11 ربيع الأول بتلاوة الأناشيد وقصائد المدح والأذكار حتى صلاة العشاء.

الحناء والاستماع إلى أساطير وحكايات الجدات.. طقوس لم تتغير على مر العصور

وتابع سالم :«بعد المغرب مباشرة يقام حفل خطائي تتخلله المدائح والموشحات، ويتم استعراض سيرة الرسول صلى الله، والحديث عن صفاته ومحبته وأخلاقه، بعد صلاة العشاء مباشرة، وفي ذلك الوقت يتجه الناس إلى الزوايا الصوفية مثل القادرية والعيساوية والرفاعية والعروسية، كل حسب الطريقة التي يحتفل معها، ويجلسون في دائرة، وتنطلق المدائح حيث يجلس الناس في حلقات إلى قرابة منتصف الليل ثم يغادرون الزوايا إلى المساجد، وتقام حلقة دائرية يتم فيها قراءة المولد البرزنجي وقصيدة البردة والهمزية حتى الفجر، وسط ابتهاج المشاركين من عموم المواطنين بهذه المناسبة العظيمة».

وواصل سالم: «تنطلق الاحتفالات كما ذكرت اعتبارًا من 12 ربيع الأول في المساجد والزوايا بعد صلاة العصر حتى العشاء، ويستمر إنشاد المدائح والقصائد لمدة أسبوع، تتخلله قراءة قصيدة المولد المناوي، وفي آخر يوم من الأسبوع يقام حفل لاختتام تلك الطقوس، يستمر من بعد صلاة العشاء إلى الفجر، ويتم فيه إنشاد الموشحات على ألسنة أفراد الفرق مثل الفجر الجديد وغيرها».وعلى الجانب الآخر هناك من ذهب إلى تحريم الاحتفال بذكرى مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأطلق بعض المحسوبين على جماعة تحريم الاحتفال من السلفيين، حملة كبيرة في وقت سابق عبر المساجد، ومن خلال مطويات تحذر من الاحتفال، وابتسم أحد السلفيين في سبها عبدالسلام محمد، قائلاً ردًا على سؤال من «الوسط» حول أسباب تحريمهم الاحتفال بالذكرى المحمدية: «نحن لا نكفر أحدًا بل نعترض على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وذلك لأن السلف الصالح خصوصًا الخلفاء الراشدين لم يحتفلوا بالمناسبة، ومن فعل ذلك هم الذين جاءوا من بعدهم، ولم نجد حتى في كتب السيرة النبوية أو الأحاديث ما يشير إلى الاحتفال بالمولد النبوي حتى الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بعيد ميلاده، ولذلك نحن نرى الاحتفال تقليدًا للمسيحيين باحتفالهم بعيد ميلاد سيدنا عيسى عليه السلام».

باعة يشكون ضعف الإقبال على شراء مستلزمات إحياء المناسبة بسبب ارتفاع سعر العملة الصعبة

وإلى مدارس سبها حيث تحتفل بعض المدارس وروضات الأطفال بالذكرى الشريفة، من خلال تنظيم بعض الأنشطة، وهو ما رصدته «الوسط» من خلال متابعة احتفالية مدرسة الواحة بمنطقة الناصرية، وقالت مديرة المدرسة عائشة أمين مازن: «نظمنا هذه الاحتفالية للطلبة من أجل غرس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، لما تحمله من سمات إنسانية تؤثر على نفسية الطالب في مرحلة مبكرة، وهو ما يبرز في أخلاق النبي صى الله عليه وسلم ومحبته للناس والعفو والكرم والتسامح، وأطفالنا في أشد الحاجة للتعرف على هذه السمات خاصة في ظل الوضع الليبي الراهن، وهي فرصة كذلك ليتعرف الطلبة على بعضهم والاندماج فيما بينهم أكثر».

ولم يغب تأثير الواقع الاقتصادي المتأزم في البلاد على مظاهر الاحتفال بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث رصدت «الوسط» حالة من الركود في مبيعات الفوانيس التي كان يستخدمها الأطفال في الاحتفال، وكذلك في الألعاب النارية، خلافًا لما جرت عليه العادة أيام الاحتفال بالمناسبة، حيث كان يلمس التجار ازديادًا في بيع الفوانيس وبعض ألعاب الأطفال والألعاب النارية في الشوارع والميادين عبر المحلات، وكذلك لدى الباعة المتجولين ممن يعرضون بضائعهم في الطرقات، وتكاد تخلو شوارع سبها من هذه المظاهر إلا القليل جدًا مما لا يكاد يذكر نتيجة عدم الإقبال بسبب ندرة السيولة، وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة ارتفاع الأسعار.

صاحب محل ألعاب في سبها خليفة سبها، علق على الوضع قائلاً: «لم نقم هذا العام بتوريد بضاعة من الفوانيس أو الألعاب النارية بسبب ارتفاع سعره لدى المصدر وقلة السيولة، وتوجد لدينا بضاعة من الفوانيس منذ عام وسعرها معقول، ولكن الإقبال خفيف جدًا جدًا ربما لا تصدقني إن قلت لك بعت حتى اليوم ربما 30 فانوسًا فقط».ومن سبها إلى أجدابيا لا يختلف التاجر الذي شرع في نصب الخيام المخصصة لبيع القناديل بالمدينة، في ذكرى المولد النبوي الشريف منذ الاثنين الماضي في شارع طرابلس الداخلي وفي شارع أنتلات، عن نظيره في غيره من المدن الليبية، مع ملاحظة قلة بائعي القناديل والألعاب لهذا العام باختلاف الأعوام السابقة كما روى بعض الباعة إلى «الوسط».

ويقول المواطن أحمد عبدالسلام الذي التقت به «الوسط» في شارع طرابلس الداخلي الواقع في منتصف المدينة إنه «يقف عاجزًا أمام أسعار القناديل المرتفة التي تتراوح أسعارها ما بين 5 إلى 45 دينارًا ليبيًا، وأن شراء القناديل العادية لا ترضي أطفاله، وأن ما تبقى من الراتب لا يسمح له بشراء القناديل غالية الثمن لوجود متطلبات أخرى وأكثر ضرورة يحتاجها المنزل».

تزيين الشوارع والأرصفة بالإنارات الملونة والشعارات المعبرة عن عظمة الذكرى.. والأسواق تبحث عن روادها

وبيّن أحد المتاجرين يُدعى جيب الله الورفلي التقت به «الوسط»، أمس الأربعاء، في شارع انتلات أن أسعار القناديل لهذا العام «غالية جدًا نظرًا لارتفاع سعر العملة الصعبة، وأن عملية الشراء من قبل المواطنين تقتصر على القناديل التي تتراوح أسعارها ما بين 5 و10 دينار، ونادرًا ما يتم شراء القناديل الغالية عكس السنوات السابقة، وذلك بسبب عدم تقاضي المواطنين رواتبهم كاملة من المصارف بالمدينة».

في السياق نفسه قال صاحب أحد المحلات التجارية لبيع المواد الغذائية وسط أجدابيا إن «الإقبال لهذا العام ضعيف جدًا على شراء الاحتياجات الخاصة بذكرى المولد النبوي، وذلك بسبب تأخر صرف الرواتب ونقص السيولة النقدية في المصارف العاملة بالمدينة».

وتشتهر مدينة أجدابيا باحتفالها الدائم بذكرى المولد النبوي الشريف، منذ زمن طويل وذلك بإعداد أكلة العصيدة وخروج الأطفال في الشوارع بالقناديل احتفالاً بالمناسبة.

ولم يلاحظ من الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية بالحكومة الموقتة في المدينة إصدار أي مطويات حول الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف بالمدينة، لكنها خصصت خطبتين في صلوات يوم الجمعة الماضيتين توصي من خلالهما المواطنين بعدم الاحتفال بذكرى النبوي الشريف كونه «ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة».

ويشار إلى أن الحكومة الموقتة أصدرت كتابًا أعلنت فيه اليوم الخميس يوافق ذكرى المولد النبوي الشريف، على أن «يكون عطلة رسمية في كامل أنحاء ليبيا، وعلى الإدارات المختصة اتخاذ ما يلزم من إجراءات حيال من يتطلب طبيعة عملهم التواجد في مقار أعمالهم».أما في مدينة أوجلة فإن صورة الاحتفال بالمناسبة في شوارعها تزدهر بالـّزفة التي تجوب شوارع المدينة قبل انطلاق الاحتفالات التي عادة ما يستضيفها شارع بوقرين؛ حيث الشكل الاحتفالي بأهازيجه المميزة.

ومن المعتاد عند إحياء المناسبة كل عام تزيُّن الشّوارع والأرصفة بالإنارات الملونة والشعارات المعبرة عن عظمة هذه المناسبة، وذلك مع تزاحم الأسواق والمحال التجارية للعطرية وألعاب الأطفال لشراء كل الاحتياجات المطلوبة لهذه المناسبة.

وتمثل احتفالات المولد النبوي في ليبيا عامة وأوجلة خاصة تقاليد صار عليها الناس على مدى سنوات وسنوات بشكل يربطونه بتحقق السّلام الاجتماعي والمحبة، رغم أنّ هناك تداعيات وانتقادات من رجال الدّين والسّنة بعدم الاحتفال بهذه المناسبة في خطاباتهم لخطبة صلاة الجمعة الماضية.

كما أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مناسبة يجد فيها الناس على اختلاف أعمارهم و مشاربهم ما يحقق لهم سعادتهم، من زفة المولد لأكل الفول والحمص إلى حلوى الأطفال، ويجمعهم فيها الاحتفاء بذكرى مولد الرسول الكريم.

للاطلاع على العدد «106» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

والواضح أنّ أسعار هذه الحاجيات ارتفعت مقارنة بالعام الماضي حيث بلغ الكيلو الواحد للحمص 23 دينارًا والفول بـ 9 دنانير، إلى غلاء الألعاب المنيرة (القناديل) التي تتراوح على حسب أشكالها وأنواعها من دينارين إلى 80 دينارًا.

لكن ومن الواضح أنّ الأهازيج والمدح والجلسات الصّوفية بهذه الاحتفالية قد قلت في السّنوات الأخيرة خاصة العام الجاري بشكل كبير، حيث يعتمد أهالي أوجلة بشكل أكبر على توزيع الفول والحمص للجيران والأقرباء مع إقامة احتفالية للأطفال لما تمثله من جو ترفيهي يسعدهم.