عاصفة دولية تعيد الجدل حول ملف الهجرة غير الشرعية

كانت البداية مع تقرير «سي إن إن» حول ما وصفته بـ«مزادات العبيد» تقام في تسع مدن ليبية بينها زوارة وصبراتة وسبها وغدامس والزنتان وغريان، حيث يصل سعر المهاجر إلى 800 دولار. وقالت إنها حصلت على مصور لمزاد بيع على أطراف العاصمة طرابلس، التقطته كاميرا هاتف جوال.

وذكرت أن «المزاد بدأ بـ800 دينار، ثم 900 ثم 1000 حتى وصل إلى 1200 دينار للمهاجر، وهو ما يعادل 800 دولار تقريبا». وأوضحت أن الأدلة التي جمعها مراسلوها سلمت إلى السلطات الليبية، التي وعدت من جانبها بالتحقيق في الأمر.

للاطلاع على العدد «105» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وأشعل تقرير «سي إن إن» غضبًا داخل أروقة الاتحاد الأفريقي، إذ طالب الرئيس ألفا كوندي بتحقيق فوري وسريع واتخاذ إجراءات قضائية فيما أثير حول «التجارة المؤسفة»، التي وصفها بـ«ممارسة عبودية حديثة يجب أن تنتهي».

كما اقترحت المفوضية الأفريقية إيفاد مبعوث خاص إلى ليبيا لبحث تدابير وإجراءات دعم الجهود الرامية لتحسين حياة المهاجرين في ليبيا. وأعرب رئيس المفوضية، موسى فقي محمد، عن «فزعه» من التقارير حول «تعرض مهاجرين غير شرعيين لمعاملات سيئة ولا إنسانية في بعض المناطق الليبية»، مرحبًا بإعلان السلطات الليبية إجراء تحقيق لتسليط الضوء على هذه «الممارسات الإجرامية».

وفي غينيا، أعرب الرئيس ألفا كوندي عن سخطه من الممارسات التي وصفها بـ«الحقيرة، وأعمال الاتجار بالمهاجرين السائد في هذه اللحظة في ليبيا»، ودعا السلطات الليبية إلى فتح تحقيق، وتحديد المسؤوليات وإحالة الأشخاص المخالفين إلى القضاء. وفي السنغال، عبرت الحكومة بدورها عن «غضبها من بيع مهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في ليبيا»، معتبرة أن ذلك يشكل «وصمة عار على ضمير الإنسانية»، وانضم الاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة للأصوات المنادية بتحقيق سريع وفوري في القضية، ومحاربة المسؤولين عن أنشطة الاتجار في البشر وتقديمهم للعدالة.

أفريقيًا، طالب رئيس الاتحاد الأفريقي ألفا كوندي بتحقيق فوري وسريع واتخاذ إجراءات قضائية، واقترحت المفوضية الأفريقية إيفاد مبعوث خاص إلى ليبيا لبحث تدابير وإجراءات دعم جهود تحسين حياة المهاجرين في ليبيا. ورحب رئيسها موسى فقي محمد بإعلان السلطات الليبية إجراء تحقيق لتسليط الضوء على هذه «الممارسات الإجرامية».

المفوضية الأفريقية ترحب بإعلان السلطات الليبية إجراء تحقيق وتقترح إيفاد مبعوث خاص إلى ليبيا

لكن الرد الملفت انطلق من النيجر، حين طالب رئيسها محمدو يوسوفو المحكمة الجنائية الدولية بتولي ملف «الاتجار بالمهاجرين الأفارقة»، مع أن اتهامات وجهت لمسؤولين من النيجر بالتورط في أنشطة التهريب، وهو ما أكده أحد المهربين المسؤولين عن نقل المهاجرين من أغاديز إلى جنوب ليبيا، ففي تصريحات خاصة لـ«الوسط» كشف المصدر نفسه عن قيام جيش «الكونفا» النيجري بتأمين مسارب للمهاجرين يومي السبت والخميس، بل إن معبر التوم على الحدود الجنوبية مع النيجر «من أكثر أماكن تدفق المهاجرين».

ردود فعل أوروبية
فيما اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أنه يمكن محاكمة المسؤولين عن تلك الممارسات بتهمة «ارتكاب جرائم ضد الإنسانية»، أكدت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني تصميم بروكسل الاستمرار في العمل لتحسين حياة المهاجرين على الأراضي الليبية.

وأيضًا رحبت منظمة الهجرة الدولية في جنيف بانطلاق التحقيقات الرسمية في ليبيا، لكن رئيس بعثة المنظمة في ليبيا، عثمان بلبيسي، حذر من تنامي قوة شبكات تهريب المهاجرين، وقال إنها «تصبح أكثر قوة وتنظيما وأفضل إعدادا». وأعرب عن ترحيبه بأي تحقيق رسمي في هذا الشأن، وقال: «نرحب بالتأكيد بأي تحقيق رسمي، ونأمل أن تغطي التحقيقات جميع حالات التعذيب والعنف ضد المهاجرين».

أما الخارجية الفرنسية فذكرت السلطات الليبية بواجبها لحماية ومساعدة المهاجرين المتواجدين على أراضيها، وحاجتها للتعاون مع المنظمات الدولية، قائلة إن «مصداقية حكومة الوفاق الوطني تعتمد على ذلك»، وأعلنت إدانتها بـ«أشد العبارات» للمعاملة التي وصفتها بـ«غير الإنسانية» والعنف الذي يتعرض له المهاجرون في ليبيا.

فتح تحقيق والمطالبة بالدعم
من جانبها دانت وزارتا الداخلية والخارجية التابعتين لحكومة الوفاق الوطني ما حملته مقاطع «سي إن إن»، وأكدت الداخلية أنها بدأت تحقيقا فيما تداول، لافتة إلى تضرر ليبيا بشكل فاق كل التوقعات وهو ما أربك المشهد الحالي لوضعية المهاجرين.

أما وزارة الخارجية، ورغم إدانتها للأمر، فقد أشارت إلى ما اعتبرته «استهداف لليبيا من قبل بعض الأطراف الإقليمية لجعلها قبلة لاحتضان وتوطين المهاجرين»، وحذرت في الوقت نفسه من خطورة الوضع القائم الذي استغلته «عصابات إجرامية في ظل غياب روح المسؤولية الجماعية المشتركة للحصول على مورد لتمويل مخططاتها الإجرامية والإرهابية من خلال أعمال السخرة سواء كوسطاء لنقل المهاجرين إلى الضفة الأخرى من المتوسط أو ضمهم كمقاتلين إلى صفوف الإرهابيين كمرتزقة».

ودعت كلتا الوزارتين المجتمع الدولي إلى «التعاون ومساعدة ليبيا في مواجهة هذا الخطر الداهم على نسيجها وتراثها الاجتماعي والثقافي وعلى الإنسانية جمعاء، وذلك بتبني المعالجة الفعَّالة لأسباب الهجرة بدلاً عن استغلال هذه الأحداث المؤسفة للزج باسم ليبيا من قبل بعض الأطراف من أجل التغطية على عجزها عن التعاطي مع هذه الظاهرة بهدف تحقيق مكاسب هي في واقع الحال مكاسب وهمية تخالف الحقيقة والمنطق نعيش نتائجها اليوم».

وجددتا التزامهما الكامل بما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة في هذا الشأن، وتمسكها بتطبيق قوانينها وتشريعاتها الوطنية التي تجرم التجارة بالبشر والرق والاستعباد. أما مجلس النواب فكلف من جانبه عدة لجان داخلية بينها لجنة الدفاع والأمن القومي بالتواصل مع الجهات المختصة المحلية والدولية لمتابعة الأمر.«حملة ممنهجة»
غير أن مدير الإدارة العامة لأمن السواحل بوزارة الداخلية التابعة لحكومة الوفاق الوطني، العقيد طارق شنبور، رأى أن مزاعم تعرض المهاجرين لانتهاكات في ليبيا هي جزء من «حملة ممنهجة تتعرض لها ليبيا تقف وراءها دول ومنظمات حقوق الإنسان في مختلف بقاع العالم»، وأشار إلى ما اعتبره «حملة تشويه تتبناها وسائل إعلام دولية، لتشويه صورة ليبيا والادعاء بوجود سوق للرقيق وبيع البشر بالجنوب الليبي»، داعيا وسائل الإعلام النزيهة بالوقوف ضد تلك الحملة وإبراز الحقائق.

وأكد شنبور، وهو أيضًا رئيس غرفة العمليات الليبية الإيطالية المشتركة لمكافحة الهجرة غير الشرعية، أن ليبيا ضحية الهجرة غير الشرعية والتهريب باعتبارها دولة عبور، وأن «هناك من يعمل على هذه الجريمة في الداخل والخارج»، على حد تعبيره، وتحدث أيضا عن أن «هناك من يعمل على خلط الأوراق الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد وذلك لإشهار الدولة الليبية كدولة فاشلة»، مشددًا على أن كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية الليبية تعمل بجهد كبير ودعم لمكافحة الهجرة غير الشرعية والتهريب.

شنبور: نحن كرجال أمن لن نسمح بالإساءة لدولة ليبيا ونأمل من الإعلاميين الوطنيين الوقوف معنا

وتابع: «نحن كرجال أمن لن نسمح بالإساءة لدولة ليبيا ونأمل من الإعلاميين الوطنيين الوقوف معنا ضد هذه الحملة المشينة التي تستهدف ليبيا. نعم هناك ميليشيات مجرمة وتعمل على الهجرة غير الشرعية والتهريب في ليبيا ونحن نعمل على مكافحة هذه الجريمة، وهذا لا يعني أننا فرطنا في سيادة وأمن الدولة الليبية».

«معلومات مغلوطة»
ومع استنكارها لأي انتهاكات تقع بحق المهاجرين في ليبيا، نددت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بتقرير «سي إن إن»، ورأت أنه قائم على معلومات مغلوطة ومبالغ فيها تتنافى كليا مع الحقيقة، وإن حدثت فإنها تتم بشكل سري وحالات محدودة جدا وليس بشكل معلن كما روجت لها الشبكة الأميركية، وعبرت اللجنة عن مخاوفها حيال السياسات والمواقف والتصريحات الأوروبية، التي رأت أنها «مبالغ فيها»، وتهدف «لتضخيم معاناة ومآسي المهاجرين واللاجئين في ليبيا»، مستنكرة «محاولة تصدير أزمة اللاجئين والمهاجرين إلى ليبيا، خدمة للمصالح الأوروبية على حساب المصلحة الوطنية لليبيا».

وقالت: «مثل هذه التقارير والتصريحات تسعى إلى توظيف واستغلال معاناة ومأساة المهاجرين، لابتزاز السلطات الليبية والضغط عليها لتحقيق أهداف ومصالح سياسية لبعض الدول الأوروبية، كما تسعى إلى استحداث نظام اللجوء للمهاجرين وتوطين المهاجرين واللاجئين في ليبيا، والعمل على تحويل ليبيا إلى وطن بديل للمهاجرين بدلا عن أوروبا».

أما تحالف القوى الوطنية فوجه انتقادات شديدة للسياسات الأوروبية لحل أزمة الهجرة في ليبيا، وحمل دول أوروبا مسؤولية تداعيات ملف الهجرة، وقال إنه «لولا سياساتها المخالفة حقوق الإنسان ما كانت تحدث مثل هذه الانتهاكات».

وقال إن بعض الدول الأوروبية «تعمدت تبسيط مخاطر ملف الهجرة غير الشرعية وتجاهلته في بعض الأحيان»، واتهم تلك الدول بـ«تضخيم الأزمة» وإنها «هي من أجبر المهاجرين على البقاء داخل الأراضي الليبية ضد إرادتهم، وهي تدرك تماما الحرب الأهلية وأعمال العنف وعدم وجود الدولة بشكلها الحقيقي، وأن كل هذه العوامل كفيلة بتعريض هؤلاء الأفارقة لكل صنوف العذاب والرق، ثم كان تعاقدها مع ميليشيات ليبية لتنفذ لها مراميها بإبقاء الأفارقة داخل الأرض الليبية».

«ممارسات فردية»
وإلى ذلك، أكد المجلس الأعلى للطوارق أن الممارسات المسجلة بحق المهاجرين «لا تعدو كونها ممارسات فردية وليست سياسة ممنهجة»، مؤكدا أن التعامل مع المهاجرين «يجب أن يكون بشكل يحفظ لهم كرامتهم ويقدر إنسانيتهم».

وأكد المجلس أن «الأفارقة إخوة وأصدقاء مرحب بوجودهم في ليبيا بشكل رسمي يحفظ لهم كرامتهم ويمكنهم من العمل بشرف»، لكنه نبه في الوقت نفسه إلى أن تدفق المهاجرين زاد بشكل غير مسبوق مؤخرا، ولا يمكن لليبيا استيعاب ذلك، وخاصة في ظل الظروف الأمنية والسياسية والاقتصادية «الغاية في السوء» التي تمر بها ليبيا، وشدد على أن «ليبيا دولة عبور وليست من دول المصدر» وأن مسؤولية حل الأزمة مشتركة بين دول المصدر ودول المعبر والدول المقصودة في أوروبا، ولا يمكن لليبيا تحمل تلك المسؤولية وحدها.

«لا للرق»
ولم تتوقف تبعات مقاطع «سي إن إن» على الأوساط الرسمية فقط بل أثارت احتجاجات شعبية واسعة. فرغم إعلان السلطات الليبية فتح تحقيق حول القضية، نظم مئات المحتجين، السبت، تظاهرة أمام السفارة الليبية في باريس بعنوان «لا للرق»، ونددوا بما بات يعرف باسم بـ«انتهاكات ضد المهاجرين».

وحاولت الشرطة الفرنسية فض الاحتجاجات، التي نظمها بالأساس مئات الفرنسيين المنحدرين من أصول أفريقية ومهاجرين أفارقة، واستخدمت قنابل مسيلة للدموع، وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وصورا أظهرت توترا للموضوع، وداخل ليبيا، وخاصة في الجنوب، دان نشطاء ومنظمات المجتمع المدني ومشايخ فزان ممارسات الاتجار بالبشر، وأعربوا عن استنكارهم واستهجانهم لما وصفوه بـ«صور مقيتة ومنافية لكل الأديان والأعراف الإنسانية».

الصحفي محمد الرحيبي: كيف يمكن احتجاز هؤلاء المهاجرين في المزارع أو الورش وغيرها من الأماكن التي سينقلون للعمل فيها غصبًا عنهم

وطالبوا المنظمات الحقوقية الليبية بالتعاون مع المنظمات الحقوقية الدولية «غير المؤطرة والمشهود لها بالنزاهة والمهنية» بالتحقيق والمتابعة لهذه الظاهرة غير المسبوقة وإحالة المتهمين للقضاء لنيل العقاب الرادع. ونفوا أن تكون تلك الممارسات نمطا سائدا داخل ليبيا، مؤكدين أن المتورطين في «المتاجرة بالرقيق هم أفراد ينتمون إلى منظمات دولية عابرة للحدود فيها عدة جنسيات».

وأعلن الجميع إدانتهم لما «تقوم به بعض الدول الغربية لتوظيف هذه التجاوزات من الخارجين عن الأعراف والقوانين للضغط على الدولة الليبية المتشظية والمتفرقة والضعيفة في كل مؤسساتها لنيل المكاسب منها».

وطالب البيان بإغلاق مراكز الإيواء للهجرة غير الشرعية وليس كما يطلب بتطويرها، معتبرا أنها «امتهان للبشر»، وجدد رفض نشطاء وأعيان فزان لفكرة توطين المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا «تحت أي ذريعة».

«رواية من نسج الخيال»
وشكك كثير من الليبيين في دقة المعلومات التي أوردتها «سي إن إن»، واعتبر البعض أنها مجرد «رواية من نسج الخيال»، بينما أقر آخرون بتعرض المهاجرين لانتهاكات وتعذيب، لكن ليس بالحجم الذي نقلته الشبكة الأميركية.

ووفقًا لاستطلاع أعدته وكالة «بانابريس» الأفريقية من طرابلس تساءل الصحفي الليبي محمد الرحيبي: «كيف يمكن تصديق هذا الفيديو المصور بطريقة سرية وكيف يمكن احتجاز هؤلاء المهاجرين في المزارع أو الورش وغيرها من الأماكن التي سينقلون للعمل فيها غصبا عنهم».

وأضاف: «صحيح أن المهاجرين يواجهون أوضاعا غير إنسانية في مراكز الاعتقال التي تسيطر عليها الميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون وحتى في بعض المراكز الخاضعة لسلطة ما من الدولة الليبية ولكنني أعتقد أن هذا الفيديو غير صحيح...».أما أسامة المصباحي (38 عامًا مهندس اتصالات) فقال: «تابعت هذا الفيديو.. لكنني لا أصدق وجود مثل هذه السوق على الإطلاق، نعم أعرف أن المهاجرين يتعرضون للابتزاز والإهانة وحتى الضرب والاغتصاب وربما القتل، لكن وجود سوق لبيعهم في ليبيا هذا أمر لا أصدقه».

وأضاف: «ليس كل ما تبثه هذه القنوات الإخبارية صحيحا. لقد بثت قنوات عالمية مثل (بي بي سي). خلال حرب الخليج الأولى صورا زعمت أنها لعملية حرق آبار للنفط في الكويت خلال الغزو العراقي واتضح فيما بعد أن المشاهد كانت مزيفة لحريق في المكسيك، وبثت الجزيرة القطرية مشاهد قالت إنها لقصف حي فشلوم في العاصمة طرابلس بالطائرات ونحن نعيش في طرابلس ولم نر أي تحليق للطائرات واتضح أنها تسريبات كاذبة، وهناك عشرات الأمثلة الأخرى عن قيام قنوات تلفزيونية دولية ومحلية بتضليل الرأي العام الدولي».

غير أن رضوان العماري (40 عاما فني مختبرات تحاليل طبية)، تدخل في الحديث قائلا إن «الميليشيات المسلحة متورطة في أعمال غير إنسانية ضد المهاجرين ولا أستبعد القيام ببيعهم إلى ميليشيات أخرى لابتزازهم وليس لاستعبادهم كما تزعم (سي إن إن)». وأضاف: «سمعت أن الكثير من الميليشيات التي تعتقل المهاجرين تعرض عليهم مغادرة معسكر الاعتقال إذا دفع أصحابهم أو أي شخص يبحث عن عامل مبلغا من المال للميليشيا التي تشرف على معسكر الاعتقال»، ورمضان الرقيعي (22 عاما طالب جامعي)، رأى أن عملية بيع المهاجرين بهدف استعبادهم غير واقعية على الإطلاق، وذلك لسبب بسيط، إذ كيف يمكن منع هذا الشخص الذي تم بيعه من الهروب من المكان الذي يفترض أن يعمل فيه، وقال إنها «رواية من نسج الخيال».

«مشكوك في صحته»
ونفى الأستاذ الجامعي والباحث في التاريخ الليبي رمضان السنوسي أن تكون «تجارة الرقيق» موجودة في ليبيا، مشيرا إلى أن ليبيا هي الدولة الوحيدة في شمال أفريقيا التي يتولى فيها الليبيون من ذوي البشرة السمراء أعلى المناصب، ومع أنه لم ينكر وجود الكثير من عمليات الابتزاز والتعذيب والاغتصاب التي يخضع لها المهاجرون، إلا أنه أكد أن الشريط الذي بثته القناة الأميركية «مشكوك في صحته».

رئيس النيجر يدعو المحكمة الجنائية للتحقيق وجيش بلاده متهم بتأمين تدفق المهاجرين عبر الحدود المشتركة

وقال السنوسي: «يكفي أن نعرف أن الجنوب الليبي يسكنه حوالي مليون ليبي من ذوي البشرة السوداء، وأن الكثير من كبار المسؤولين في عهد نظام القذافي كانوا من ذوي البشرة السمراء منهم القائد العام للجيش الليبي أبو بكر يونس جابر، ووزير الخارجية ومندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة، عبدالرحمن شلقم، وعبدالله الثني، ويقود القوات الخاصة الليبية الجنرال ونيس بوخمادة، ورئاسة أركان السلاح الجوي الليبي، الجنرال صقر الجروشي، والحرس الرئاسي في حكومة الوفاق الجنرال نجمي الناكوع، وهم جميعا من ذوي البشرة السوداء وهناك عشرات الأمثلة الأخرى التي لا يتسع المجال لذكرها».

من جهته، وصف الأستاذ الجامعي عمر أبو القاسم مشاهد المقطع المصور بـ«المفبركة»، ورأى أنها «قد تكون مقدمة لإعداد الرأي العام الدولي لتقبل مخطط جديد لغزو ليبيا التي باتت تشكل تهديدا مباشرا للأمن الأوروبي بسبب انتشار الجماعات الإرهابية (داعش) و(القاعدة) وتحولها إلى ممر لتدفق آلاف المهاجرين غير الشرعيين إلى الضفة الشمالية من المتوسط».

وذهب أبو القاسم أبعد من ذلك قائلا: «لا أستبعد أن تكون المخابرات الإيطالية التي يتواجد الكثير من عناصرها في طرابلس تقف وراء مساعدة مراسل سي إن إن على تصوير هذه المشاهد للضغط على حكومة الوفاق الوطني الليبية للقبول بالرؤية الإيطالية لوقف تدفق المهاجرين إلى الشاطئ الإيطالي».

للاطلاع على العدد «105» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وسخر علي النائلي (52 عاما خبير اقتصادي)، من مطالبة الاتحاد الأفريقي للحكومة الليبية بفتح تحقيق في المشاهد التي بثتها «سي إن إن»، وقال: «كان يتعين على الاتحاد الأفريقي الذي أدار ظهره لليبيا في أزمتها وصمت عن قيام العديد من دوله المعروفة للجميع بالاستيلاء على الاستثمارات والأموال الليبية، أن يدين الدول الأفريقية التي تغض البصر عن تدفق المهاجرين من أراضيها وربما تساعدهم ليموتوا في الصحراء الليبية أو في البحر أو يقعوا في قبضة الميليشيات المسلحة وعصابات الاتجار بالبشر لتتخلص منهم، قبل توجيه أصابع الاتهام إلى ليبيا وهي دولة استقطاب وعبور».

وأكد النائلي أن مشكلة تدفق المهاجرين ليست في ليبيا بل في دول المصدر، مؤكدا أن الأصوات التي ترتفع اليوم لـ«شيطنة ليبيا» متورطة في مأساة المهاجرين. وقال: «إن ليبيا دولة في حالة حرب وفوضى ولكن الدول المجاورة لها التي تمتلك جيوشا وقوات أمنية نظامية متورطة من خلال بعض مسؤوليها مع العصابات المحلية والدولية في جريمة الاتجار بالبشر».