دعوات إلى تشكيل محكمة دولية خاصة بليبيا (2)

بعد إطلاق عدد من الحقوقيين والسياسيين دعوات إلى تشكيل محكمة دولية خاصة بليبيا، لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب، والقتل خارج القانون؛ بل واستمرار وقوع هذه الجرائم دون محاكمة المسؤولين عنها.

تواصل «الوسط» استطلاع آراء مواطنين وسياسيين، وفي هذه الحلقة الثانية تباينت ردود الأفعال، فمنهم من أيد استنادا إلى عدم قدرة القضاء المحلي على النظر في مثل هذه الجرائم، وبينهم من رفض لاستحالة أن تكون هناك محكمة دولية خاصة محايدة.

المؤيدون رأوا أن ليبيا عاجزة عن توفير المحاكمة العادلة بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية وانتشار السلاح، وأشاروا إلى التحديات التي يواجهها القضاء بسبب المسلحين «فلا تسير أعماله باستقلالية وفاعلية، بسبب الترهيب والتهديد».

للاطلاع على العدد «104» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

أما الرافضون، فقد تمسكوا بالقواعد الدستورية والقانونية ورأوا في إنشاء المحكمة الدولية الخاصة انتهاك واضح لمبدأ القاضي الطبيعي، مؤكدين على ضرورة أن يختص القضاء الوطني بمحاكمة جميع الجرائم.

الرافضون تمسكوا بالقواعد الدستورية والقانونية ورأوا في إنشاء المحكمة الدولية الخاصة انتهاك واضح لمبدأ القاضي الطبيعي

وطالبوا بتفعيل القضاء الوطني ودعمه وتأكيد استقلاليته بدلا من اللجوء إلى الأجانب.

الطالب بكلية الإعلام إبراهيم الشكري، قال: أؤيد تأسيس محكمة جنائية دولية خاصة بليبيا مثل المحكمة الخاصة بلبنان، خاصة وأن ليبيا تشهد جرائم فظيعة، ولا أعتقد أن القضاء المحلي قادر على النظر فيها.

وقال الناشط بالمجتمع المدني صلاح العبيدي: «أنصح أصحاب تلك الدعوات بعدم طرح العناوين الكبيرة، والمعطيات ضعيفة، فقبل الحديث عن موضوع بهذا الحجم ،لابد من أن تكون لديك قنوات تواصل مع بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، من ثم لابد أن يكون هناك فريقان الأول إعلامي والثاني قانوني على المستوى الدولي والمحلي، وبالتالي لابد من تحديد الجهة والمؤسسة ذات الخبرة والنفوذ ليتم إيصال المطلوب إلى محكمة الجنايات الدولية عن طريقها».

استحالة الحياد

الكاتب أحمد التهامي علق قائلاً: «في اعتقادي إن كل المؤسسات الدولية تخضع في العادة لنوعين من الابتزاز أولهما مالي فمن يموّل المحكمة سوف يستخدمها ضد من يعاديهم، وثانيهما إثارة مشاعر الرأي العام، فمن ينجح في تحريك رأي عام دولي ضد أعدائه سوف يستخدم المحكمة ضدهم كذلك، لذلك لا أرحب بها لأنه يستحيل في ظرفنا الحالي أن تكون محايدة فالحرب متقدة».

فيما تقول المعلمة اسعيدة العماري: «أنا ضد أن تقوم محكمة مثل هذه، فنحن مسلمون ولا نقبل أن يتسلم محاكمنا غير المسلمين».

الموظفة ليلى محمد قالت: «أتمنى أن تقوم مثل هذه المحكمة، كما أتمنى ألا تختص بهذه الجرائم فقط، وإنما أيضًا الجرائم التي تمس المرأة وتهين كرامتها».

استقلال القضاء

من جانبها، قالت المحامية والناشطة الحقوقية السيدة أميمة باوي إن الإعلان الدستوري نص على «استقلالية القضاء، كما نصت عليها المسودة الدستورية الأخيرة، واستقلال القضاء يحقق سيادة القانون، وإقامة مجتمع مبني على العدالة، كما أن استقلال القضاء أمر أساسي لحماية حقوق الإنسان وتحقيقها والوصول للعدالة وتحقيق المحاكمة العادلة، كما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي انضمت إليه ليبيا سنة 1970، وسائر الاتفاقات الأخرى التي انضمت إليها ليبيا، والميثاق العربي لحقوق الإنسان، على ضرورة ضمان محكمة مستقلة ومحايدة ومختصة».

وتابعت باوي: «وفيما يتعلق بالحق بالمحاكمة العادلة فعلى الدولة أن تضمن للأفراد استقلال القضاة من أي تدخل أو ضغوط أو تهديد».

باوي: على الدولة أن تضمن للأفراد استقلال القضاة من أي تدخل أو ضغوط أو تهديد

وواصلت باوي الحديث قائلة إن المادة 12 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الذي انضمت ليبيا إليه سنة 2006، وكذلك الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان الذي صادقت عليه ليبيا سنة 1986، ينصان على الحق في المحاكمة بواسطة محكمة محايدة، وهو ما أكدته مواثيق وآليات دولية أخرى، بما فيها المحاكم الإقليمية لحقوق الإنسان، التي اتفقت جميعها على ضرورة التزام الدول بضمان استقلال القضاء، والحيادية في القانون، فهناك العديد من التحديات التي تواجه تحقيق استقلال القضاء، وتحقيق المحاكمة العادلة، والوصول للعدالة، منها ما هو أمني وما هو سياسي، على حد قولها.

وأضافت باوي: «القضاء يواجه تحديات خطيرة من جانب الجهات المسلحة فلا تسير أعماله باستقلالية وفاعلية، بسبب الترهيب والتهديد، وخصوصًا في المدن المسيطر عليها من الميليشيات، بالإضافة إلى استهداف القضاء، وأعضاء النيابة والمحامين، وتوجد مناطق القضاء متوقف بها تمامًا، وعليه فلا ضير من تشكيل محاكم دولية وتكون مختلطة أي تضم قضاة ليبيين، وقد حدثت هذه التجربة في دول عدة، لأن ليبيا عاجزة عن توفير المحاكمة العادلة نتيجة الظروف الأمنية، والسياسية، وانتشار السلاح، وبالتالي نؤيد الدعوة إلى تلك المحكمة من أجل الوصول إلى محاكمة عادلة للموقوفين الذين يربوا إيقافهم عن الخمس سنوات بالمخالفة للقانون ولوجود جهات تعتقل وتحاكم أي تنشئ أجهزة موازية لجهاز القضاء بحجة إنفاذ القانون».

القاضي الطبيعي

وبنظرة ورأي أكثر تخصصًا، التقينا عميد كلية الحقوق جامعة بنغازي الدكتور طارق الجملي، الذي قال إن «مسألة إنشاء محاكم جنائية دولية خاصة بليبيا يعتبر أمرًا غير مقبول من الناحية الدستورية لأن لدينا قضاء وطني مختص بالمحاكمة عن جميع الجرائم باختلاف أنواعها المنصوص عليها في القانون الليبي، ولدينا مبدأ قانوني معروف، وتنص عليه أغلب الدساتير، وهو من المبادئ العامة للقانون الجنائي، وهو فكرة القاضي الطبيعي. أي فعل يرتكبه أي إنسان ويشكل جريمة يجب أن يحاكم عنه أمام محكمة عادية شأنه شأن أي شخص آخر نسب إليه ارتكاب فعل، ولذلك فإن إنشاء محكمة خاصة يعني بأننا سنتبع أسلوب خاص لمحاكمة هذا الشخص، وهذا يسيء لمبدأ المساواة في المحاكمة أمام القانون، ومبدأ فكرة القاضي الطبيعي، ولذلك من الناحية القانونية لا يجوز إنشاء محاكم خاصة، فالقضاء الوطني لابد أن يختص بالمحاكمة على جميع الجرائم».

وأضاف الجملي متحدثًا عن فكرة إنشاء محاكم خاصة والغاية منها: «تركيز المحاكمة بالنسبة لأشخاص معينيين، وهذا قد يترتب عليه الحد من حقوقهم في الدفاع وحيادية القضاء، فجميع جرائم الحرب وغيرها تخضع للقضاء الوطني، أي نوع من المخالفات القانونية تخضع للقضاء الوطني ولمحاكمه العادية، ولو ضربنا مثالاً بمحكمة رفيق الحريري في لبنان، فهذه تسمى المحاكم الجنائية المختلطة، وهي الآن محل نقد، وهي محكمة تتكون من تشكيل وطني وتشكيل دولي، وأعيد وأقول مادام تم إنشاء محكمة خاصة فيعتبر ذلك سيرًا في اتجاه انتقاص الحقوق فأي متهم أي كانت صفته في أي دولة من العالم لا بد أن يخضع لمحاكمة القضاء الوطني شأنه شأن أي متهم آخر خصوصًا، وأنه حاضر في أذهاننا أن الأصل في الإنسان البراءة، على الأقل هذه وجهة نظر أتبناها ويتبناها غالبية فقهاء القانون الجنائي».

الجملي: القضاء الليبي ربما سُيس في القضايا السياسية، لكن في الجانب الجنائي إلى الآن لا

وواصل الجملي: «أما فيما يخص مجرمي الحرب، فأنا مازلت أقول إن القضاء الوطني هو صاحب الاختصاص الأصيل لأن فكرة الإحالة إلى محكمة الجنائية الدولية هي أن القضاء الوطني غير قادر، ويفترض أن القضاء الوطني هو صاحب الاختصاص الأصيل في المحاكمة عن أي أفعال تشكل جرائم في القانون الليبي».

وعن فرضية تشكيل محكمة جنائية دولية خاصة بليبيا، وما إذا كان لازمًا موافقة القضاء الوطني، أجاب الجملي: «كمحكمة جنائية دولية خاصة مختلطة يتم عادة عن طريق البرلمان والاتفاق مع المنظمة، ولكن مثلما قلت من قبل أنا لا أفضل قيام مثل هذه المحاكم بدليل أن محاكمة الحريري لازالت قائمة إلى الآن، والقضاء الوطني دائمًا هو الأكثر كفاءة».

وحول ادعاء البعض أن حالة الفوضى في ليبيا وانتشار السلاح سهل السيطرة على القضاء الليبي، قال الجملي: «بحكم تجربتي، القضاء الليبي ربما سُيس في القضايا السياسية، لكن في الجانب الجنائي إلى الآن لا، ولم يثبت أن المحاكم الوطنية الليبية انحرفت عن مسارها الطبيعي بحكم قربي من هذه المؤسسات».

للاطلاع على العدد «104» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وعن موقفه من مقترح تشكيل محكمة جنائية خاصة بليبيا، قال: «لكل الحق في التفكير والتعبير والاقتراح، ولكن تظل المبادئ العامة للقانون هي الفيصل، وهي التي تحكم، وهي التي تحدد مدى جدوى، ومدى إمكانية تطبيق الفكرة، وأنا لازلت عند رأيي بأن إنشاء محاكم خاصة انتقاص من الحقوق والحريات، وعوضًا عن المطالبة بتشكيل محاكم خاصة يجب أن نطالب بتفعيل القضاء ودعمه، وتأكيد مبدأ حياديته حتى يتمكن من القيام بعمله، ودوره كمؤسسة قضائية تسعى إلى تحقيق العدالة».

وقال الجملي: «إنه لو تم طرح هذا المقترح على البرلمان وتمت الموافقة عليه، فسيظل في النهاية قرارًا مشوبًا بعيب عدم الدستورية، وأعيد مرة أخرى أن إنشاء محاكم خاصة ينتهك مبدأ القاضي الطبيعي، ويفترض أن لا يحاكم شخص إلا أمامه شـأنه شأن أقرانه الذين ارتكبوا نفس الجريمة، كل أنواع الجرائم يحاكم أمام القضاء الذي يحاكم الأشخاص العاديين الذين ارتكبوا نفس الجريمة».

وردًا على سؤال يفترض إنشاء المحكمة بالفعل، قال الجملي: «دورنا سيكون تقييميًا، لا نقول يحصل أو لا يحصل، يتم تبنيها أو لا، ولكن نحن دورنا سوف يكون التقييم، وسوف نقول رأينا وهذا رأيي لا يجوز إنشاء محاكم خاصة، لدينا محاكم في ليبيا، فما الغاية من إنشاء محكمة خاصة هذا هو السؤال المهم خصوصًا عندما يتدخل فيها عنصر أجنبي فنحن لا تنقصنا تدخلات أجنبية».