آراء حول الدعوة إلى تشكيل محكمة دولية خاصة بليبيا

من بين نواح الثكالى والأرامل والأيتام، ومع نزيف الدماء الذي لا يتوقف، وعلى وقع انتهاكات حقوق الانسان بالجملة  في أنحاء متفرقة من ليبيا، وفيما حصيلة هذه الجرائم والانتهاكات تتزايد، طرح قانونيون وسياسيون فكرة إنشاء محكمة دولية خاصة بليبيا لوضع ح لظاهرة الافلات من العقاب، أما عدم قدرة القضاء المحلّي على قيامه بدوره في الظرف الاستثنائي الذي تعيشه البلاد، فالجرائم، ترتكب فرادى وبالجملة، والجناة في كل مكان، طلقاء وبلا عقاب، رغم أنّ العديد من هذه الجرائة موثقة، وبعضها تداولت صفحات التواصل الاجتماعي صورها، ومرتكبيها.

إلى أي مدى تبدو الفكرة وجيهة في ظل الظروف الراهنة؟ وما فرص تحقيقها على أرض الواقع؟ وكيف يمكن تفعيلها في ظل الحالة الليبية التي تدخل عامها السابع. «الوسط» استطلعت آراء سياسيين وقانونيين، بحثا عن إجابات حول سؤال المحكمة الخاصة.

للاطلاع على العدد «103» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

في تغردة له على موقع «تويتر» يقول الحقوقي وزير العدل الأسبق الليبي صلاح المرغني: «حان الوقت للتفكير في انشاء محكمة خاصة على غرار محاكم روندا للتحقيق والمحاكمة في الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب في ليبيا 2011-2017».

فضيل الأمين: «مطلب الوقت» لمحاكمة مجرمي الحرب ورؤوس الفساد وعصابات الجريمة

وكان عضو لجنة الحوار السياسي فضيل الأمين سبقه بادراج، عبر حسابه على فيسبوك، رأى فيه أيضا «أنّ الوقت هو الآن لإنشاء محكمة دولية خاصة بليبيا للمعرقلين ومجرمي الحرب ورؤوس الفساد وعصابات الجريمة المنظمة»، على غرار «محكمة رواندا، محكمة لبنان الدولية، ومحكمة يوغسلافيا الدولية».

محمد بويصير: هدفها تلقي شكاوى ضحايا الخطف والقتل خارج القانون والعنف المفرط واستخدام الحصار

وفي السياق نفسه، دعا الناشط السياسي محمد بويصير، في ادراج مشابه، إلى «تكوين محكمة جنايات خاصة بليبيا»، موضحًا: «هي محكمة دولية تتولى تتلقى الشكاوى الجنائية عن ضحايا أعمال الخطف والحجز دون مسوغات قانونية والقتل خارج القانون في ليبيا، والعنف المفرط واستعمال الحصار، ووسائل التدمير العسكري ضد المدن وقاطنيها، وتخريب المنشآت العامه والخاصة».

لكنّ رئيس المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان المحامي عصام الماوي رأى أن تشكيل محكمة دولية خاصة بليبيا «أمر يعتمد على قناعة المجتمع الدولي بهذه الخطوة»، مضيفًا أن ذلك «أمر بعيد الاحتمال في الوقت الراهن بالنظر إلى الانقسام بين الدول الكبرى داخل مجلس الأمن بسبب العديد من القضايا الدولية، فالأمر ليس بيد الليبيين»، على حد قوله.

الماوي: «الأمر ليس بيد الليبيين، لكن الوقت لم يفت بعد على إمكانية أن تنظر كل تلك الجرائم تحت ولاية القضاء الوطني، لكن ذلك يحتاج إلى تشجيع القضاء ومؤازرته عبر تنبيه الرأي العام لأهمية عدم إفلات الجناة من العقاب».

وأضاف الماوي: «الأمر ليس بيد الليبيين، لكن الوقت لم يفت بعد على إمكانية أن تنظر كل تلك الجرائم تحت ولاية القضاء الوطني، لكن ذلك يحتاج إلى تشجيع القضاء ومؤازرته عبر تنبيه الرأي العام لأهمية عدم إفلات الجناة من العقاب، وأن يتبنى الرأي العام قضية تحقيق العدالة، التي تعد أهم آلية لتفعيل القضاء للنظر في ما يقع من جرائم».

ولفت الماوي إلى أن الاتفاق السياسي الليبي بالصخيرات أشار إلى هذا الجانب بشكل مباشر عبر باب «تدابير بناء الثقة» التي تضمنها الاتفاق، مشيرًا إلى أن الأمر لم يكن مثيرًا للاهتمام في تلك الفترة «لأنه لم يهتم أحد بتحويله إلى مطلب شعبي رئيسي»، مضيفًا: «التطورات الأخيرة، وكثرة الانتهاكات سوف تدفع باتجاه تسليط الضوء أكثر على موضوع عدم إفلات الجناة من العقاب ويمكن لكل متضرر أن يتوجه للمحاكم الليبية خاصة أن المسألة تتعلق بطبيعة الاختصاص المحلي لأن للنائب العام اختصاص عام بالنظر في أي جريمة تقع في أي مكان من البلاد أو ندب أحد نوابه للنظر فيها».

للاطلاع على العدد «103» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

البعض الآخر ذهب أبعد من مجرد الدعوة إلى تشكيل المحكمة، داعيًا إلى «حملة توقيعات واسعة في كل المناطق الليبيّة للمطالبة بهذه المحكمة، وتقديمها إلى الجهات الدولية ذات العلاقة»، فعضو مجلس النواب عن مدينة صبراتة المبروك الخطابي، علق على المطالبة بتشكيل المحكمة قائلاً: «أتفق مع الداعين إلى ذلك من حيث المبدأ، وهو ضرورة عدم الإفلات من العقاب لكل من ارتكب جرمًا، وكذلك من حيث ضرورة اللجوء إلى القضاء الدولي في حالة استمرار عجز القضاء الوطني عن القيام بدوره بالنظر إلى الظروف الموضوعية الصعبة التي يوجد فيها. ولكن قد أختلف مع أولئك الداعين في الآلية المتمثلة في إنشاء محكمة خاصة لليبيا على غرار محاكم رواندا ويوغسلافيا ولبنان، وذلك لأن المحاكم المذكورة أنشئت قبل توقيع نظام روما الذي بموجبه تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، حيث أنه بمجرد إنشاء هذه المحكمة، قد تخلى المجتمع الدولي عن فكرة إنشاء المحاكم الخاصة، لأن المحكمة الجنائية الدولية تؤدي نفس الدور- أو أكثر- الذي كانت تقوم به تلك المحاكم، فهي مختصة بالنظر في أربعة أنواع من الجرائم وهي جرائم العدوان، والحرب، والإرهاب، والجرائم ضد الإنسانية.

المبروك الخطابي: الأجدى أن يتم العمل على تسريع وتيرة عمل المحكمة الجنائية الدولية

هذا علاوة على أن قرار مجلس الأمن 1970 قد أحال الحالة الليبية بالكامل للمحكمة الجنائية الدولية، وهذا يعني أن اختصاص المحكمة وفق هذا القرار يمتد ليشمل أي طرف ارتكب أيا من الجرائم المذكورة، كذلك هذا الاختصاص يستمر طالما أن القضاء الوطني عاجز عن القيام بمهامه، لأن فكرة القضاء الدولي أنه قضاء مكمل وليس أصيلاً».

وأضاف الخطابي: «من وجهة نظري، إن كان هناك توجه للاستعانة بالقضاء الدولي، يجب أن يكون في اتجاه تسريع وتيرة عمل المحكمة الجنائية الدولية، وسرعة النظر في القضايا المعروضة عليها، ولي ملاحظة أخيرة؛ أنه عندما تكون القضية محالة للمحكمة الجنائية الدولية من قبل مجلس الأمن فإنه لا يشترط أن تكون الدولة موقعة على نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة».

أما الهادي بوحمرة أستاذ القانون وعضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، فقال إن العالم «مر بتجربتين في الحالات المشابهة لليبيا؛ تجربة المحاكم الدولية الخاصة، وتجربة القضاء المختلط»، مقترحًا الأخذ بنظام القضاء المختلط، قائلاً إنه تم «وضع مقترح متكامل لها سنة 2013 لكن تمت عرقلة المسار من قبل المتنفذين الذين ظنوا أنهم مقصودين من وراء ذلك ونجحوا في تعطيله بالكامل داخل المؤتمر الوطني»، وواصل بوحمرة: «قبل ذلك كتبت بحثا في الموضوع نفسه نشر في مجلة القانون التي تصدر في كلية القانون جامعة طرابلس 2013، وتم إعداد هذا المقترح عندما كان الأستاذ صلاح وزيرا للعدل».

وردًا على القول بأن نظام المحكمة الجنائية الدولية يمنع إنشاء المحكمة الجنائية الخاصة بقرار من مجلس الأمن، قال بوحمرة إن ذلك «لا يمنع من إيجاد مثل هذه المحكمة، وربما تكون اختصاصاتها أوسع من اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية المنشأة بنظام روما».

الهادي بوحمرة: عمل الجنائية الدولية لا يمنع تشكيل محكمة خاصة.. والأخيرة قد تمتلك صلاحيات أوسع

وعن شبهة وجود ازدواجية في القضاء، في حالة إقامة محكمة جنائية خاصة بليبيا، قال بوحمرة: «أعتقد أن إنشاء محكمة جنائية خاصة على غرار محكمة سيراليون مثلا لا يثير أية إشكالية بشأن تداخل الاختصاص، فقرار الإنشاء سيكون هو أساس الاختصاص، ويكون نصا خاصا يحصر الولاية فيها ويلغي ضمنيا قرار مجلس الأمن السابق الخاص بالإحالة ويمكن أن يوسع في الاختصاص بحيث يمتد إلى أفعال أخرى جسيمة. إنشاء المحكمة أو البديل وهو فكرة القضاء المختلط والتي للأمم المتحدة تجارب ناجحة ومهمة بشأنه ربما تؤدي إلى كشف الحقائق من جهة قضائية دولية محايدة ويتم بها تحييد كافة المجرمين دون تمييز، وبالإضافة إلى العدالة الجنائية، تحقق المحكمة هدفًا آخر وهو حماية الحياة السياسية مستقبلاً لأن كل من تتم إدانته سوف يستبعد بقوة هذا الحكم القضائي من الحياة السياسية يعني كشف الجرائم وتنقية الحياة السياسية من المجرمين أيًا كانت اتجاهاتهم السياسية».

للاطلاع على العدد «103» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

الحقوقي الليبي، ونقيب محامي بنغازي السابق عبدالحفيظ غوقة، أبدى تأييده لمطلب تشكيل محكمة دولية خاصة بليبيا، قائلاً لـ«الوسط»: «لكنها لن تكون بطلب من الليبيين أو بإرادتهم، فمع استمرار ما يقع من جرائم، بمختلف أنواعها وهي مصنفة كجرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، فإن المجتمع الدولي سيتدخل، حتى لا يفلت الجناة من العقاب، كنا من الداعين إلى تفعيل القضاء، لكن لا أحد يحرص على تفعيل القضاء الآن، وتسود حاليًا ظاهرة الإفلات من العقاب».

عبدالحفيظ غوقة: المجتمع الدولي لن يقف مكتوف الأيدي أمام من يتلاعبون بمقدرات البلد

وعن تفسيره لعدم وجود رغبة حقيقية في الداخل الليبي في تفعيل القضاء، أجاب غوقة: «المفترض أن السلطة الحاكمة هي التي تحرص على تفعيل القضاء، وعدم وجود رغبة في ذلك يعني أن الجميع يشارك في هذه الانتهاكات وهذه الجرائم التي تقع، كل هذه السلطات الحاكمة شريكة في هذه الانتهاكات، وأول ما يناط بأي من يتحمل المسؤولية العامة في البلاد أن يرد الاعتبار إلى القضاء وسيادة القانون».

وواصل نقيب محامي بنغازي السابق، الحديث قائلاً: «من يرتكب هذه الانتهاكات لا يريد لسلطة القانون أن تكون. فلا أحد يعاقب فتستمر. لن يتم تشكيل مثل هذه المحكمة بطلب ليبي، والمجتمع الدولي لن ينتظر حتى نطالب بها، ومن تنتهك حقوقهم سيلجأون إلى المحاكم الدولية بلا شك، ومع استمرار ما يجري من تخبط وفوضى عارمة، فسيكون هناك تدخل دولي بشكل أو بآخر، من أجل مواجهة ما عجزت عنه القوى المحلية، المجتمع الدولي لن يقف متفرجا أو مكتوف الأيدي أمام من يتلاعبون بمقدرات البلد. التدخل الدولي في 2011 كان لمصلحة الليبيين، وسيتكرر إذا استمر العبث على ما هو عليه، وأهم شيء الآن أن تقتص العدالة الدولية للضحايا وأن تضع حدا للإفلات من العقاب، وأن تجرجر كل متهم إلى ساحات القضاء الدولي إن عجز المحلي عن محاكمته».

نور فرحات: آلية ناجزة لمواجهة الجرائم لأنها تحاكم الأشخاص لا الدول كما حوكم قادة صربيا عن جرائم كوسوفو

أستاذ فلسفة القانون بجامعة الزقازيق المصرية والفقيه الدستوري نور فرحات، قال لـ«الوسط» إنه وفقا لاتفاقية جينيف الرابعة، فإن جرائم القتل الجماعي، والتهجير الجماعي، وانتهاك حقوق الأسرى، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا، وجرائم الإبادة الجماعية، كلها تعد جرائم حرب، لكن إنشاء محكمة خاصة للجرائم التي تقع في ليبيا يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن، وهو ما تدخل فيه اعتبارات سياسية، على حد تعبيره.

وأوضح فرحات: «الاعتبارات السياسية تعني أن الدول التي تورط عسكريوها في ارتكاب هذه الجرائم، ستحول دون إقامة هذه المحكمة»، معربًا عن اعتقاده في أن تشكيل محكمة دولية خاصة لنظر الجرائم في ليبيا «آلية ناجزة لمواجهة الجرائم في ليبيا لأن الذي يحاكم فيها أشخاص وليست دولا، كما حوكم قادة صربيا عن الجرائم التي ارتكبت في كوسوفو».

للاطلاع على العدد «103» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط