درنة.. من الحصار إلى الدم

لا يزال القصف الخامس على مدينة درنة، الذي يروح ضحيته دائما مدنيون، يبحث عن منفذ مجهول، وسط إدانات من الجميع وتبرؤ من الجيش وتحقيقات جارية، في ظل مطالبات مستمرة من عدة أطراف برفع الحصار عن المدينة المحررة من تنظيم «داعش» قبل عامين.

وشنت مقاتلات مجهولة عشر غارات جوية، مساء الاثنين، استهدفت أماكن حيوية بمرتفعات منطقة «الفتايح» في درنة، أسفرت عن مقتل 17 شخصا، معظمهم من النساء والأطفال، لم تعلن أية جهة مسؤوليتها عن الحادث، في وقت يعتقد شهود العيان بأنه طيران أجنبي، حيث لا يمتلك الطيران الليبي القدرة على توجيه ضربات جوية ليلية.

للاطلاع على العدد «102» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وكان «مجلس شورى مجاهدي درنة» تمكن من طرد تنظيم «داعش» من المدينة بعد معارك شرسة العام 2015، لكن قوات الجيش الوطني الليبي تفرض حصارا على المدينة منذ فترة، غير أنها أعلنت تبرؤها من الغارات، إذ نفى الناطق باسم الجيش العميد أحمد المسماري، الثلاثاء، صلة سلاح الجو الليبي بالغارة الجوية، مرجحا أن يكون ما حدث «نتيجة عمل إرهابي نفذه الإرهابيون في ضواحي درنة الشرقية»، مؤكدا فتح تحقيق فني حول الحادثة.

هابيل: عدد ضحايا القصف وصل إلى 16 قتيلاً و25 جريحًا معظمهم من الأطفال والنساء

من جانبه، قال عضو «مجلس شورى مجاهدي درنة» سعد هابيل، إن القصف الجوي على درنة مساء الاثنين، استهدف عدة «أماكن حيوية بالمدينة وضواحيها»، من خلال «خمس طائرات نفذت أكثر من عشر غارات على المدينة وضواحيها، مما أدى إلى خسائر بشرية ومادية فادحة».

وأشار هابيل في تصريح إلى «الوسط» إلى أن «عدد ضحايا القصف وصل إلى 16 قتيلاً و25 جريحًا معظمهم من الأطفال والنساء»، فضلا عن خسائر مادية تقدر بالملايين بسبب قصف مقرات حيوية بالمدينة.

وأضاف أن الغارات الجوية استهدفت كذلك منزلين بمنطقة «الفتايح» شرق المدينة، مما أدى إلى مقتل الأطفال والنساء «بسبب وجود مناسبة اجتماعية للنساء بالمنزلين» لافتا إلى أن غارة أخرى استهدفت تجمع الأهالي لإنقاذ ضحايا الغارة الأولى، مما أدى إلى ارتفاع عدد الضحايا.

وذكر عضو «مجلس شورى مجاهدي درنة» أن منزلا آخر استهدف بغارة جوية بمنطقة أم الأردام جنوب غرب المدينة أدت إلى «وفاة رجل واثنين من أبنائه وهم من عائلة زيدان» كما استهدفت غارة أخرى منزلا لعائلة الشلوي بمنطقة الظهر الحمر دون أن تسفر عن خسائر بشرية.

وأضاف أيضًا أن الغارات طالت كذلك مقر الشركة التركية للبنية التحتية ومصنع الدقيق ومركز البحوث الاجتماعية، ونتج عنها «خسائر مادية بالملايين، خاصة بعد تدمير المعدات والآليات بالأماكن المذكورة».في هذه الأثناء، وجه مستشفى الهريش في درنة مناشدة عاجلة للمواطنين للتبرع بالدم؛ بسبب ارتفاع عدد الإصابات، وعجز غرفة العناية عن استقبال حالات أخرى، واستمر صدى الأحداث حتى الثلاثاء، قبل أن تبدأ الأطراف جميعًا في إدانة الحادثة، كما تحولت جنازة ضحايا القصف إلى مظاهرة استنكار.

وأفاد وقتها الناشط الحقوقي عبيدة بورحيلة، من مدينة درنة، بخروج آلاف المواطنين في مظاهرة عقب صلاة جنازة وتشييع ضحايا القصف الجوي على المدينة، وذلك تنديدا بالجريمة.

وبينما تصاعدت الإدانات والمطالبات بوقف الجريمة التي ترتكب بحق أبناء المدينة، أصدر القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، الثلاثاء، قرارًا يقضي بمنع استيراد سيارات الدفع الرباعي «لأي جهة عامة أو خاصة أو أفراد إلا بعد أخذ الموافقة من القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية بحيث يتم معرفة الجهة الموردة والغرض الذى وردت من أجله هذه الآليات».

في هذا الإطار، أعلن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الحداد العام في جميع أرجاء البلاد لمدة ثلاثة أيام تنتهي اليوم الخميس تنكست فيها الراية الرسمية للدولة إلى منتصف السارية، بكل مقار ومراكز الجهات الرسمية، وتوشحت الصحف الرسمية بالسواد.

كما دان المجلس بأشد عبارات الاستهجان والرفض والاستياء القصف الجوي الذي تعرضت له درنة، مؤكدا عدم تسامحه مع المتورطين، طالبا من مجلس الأمن الدولي التدخل والتحقيق في هذا الحادث الذي اعتبره «جريمة حرب بكل المعايير».

وطالب في الوقت نفسه برفع «الحصار الجائر» عن المدينة.

دانت كل من فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية الضربات الجوية

إقليميًا ودوليًا، دانت الخارجية المصرية بأشد العبارات القصف الذي تعرضت له درنة، وقدمت التعازي لأسر وأهالي الضحايا وللقيادات السياسية والشعبية الليبية.

وبعدما دانت القصف، دعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في بيان، إلى إيصال المساعدات الإنسانية بصورة فورية دون أية عوائق.

وفي بيان مشترك، دانت كل من فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية الضربات الجوية، داعية حكومة الوفاق والجيش إلى ضمان نشر نتائج التحقيقات في حادث الأبيار ومشاركتها مع المواطنين.

في هذه الأثناء، تدخل حزب «العدالة والبناء» -الذراع السياسية للإخوان المسلمين في ليبيا- متهمًا قوات الجيش بالوقوف وراء القصف الجوي على مدينة درنة، واصفًا ما حدث بالعمل الإرهابي.

وطالب الحزب «جميع الأطراف وفي مقدمتها المجلس الرئاسي بمتابعة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، للقيام بدوريهما في حماية المدنيين وفقا للقرارات الدولية بالخصوص.

كما قال رئيس المجلس المحلي درنة، عوض لعيرج، إن ما حدث يعد جريمة بغض النظر عن من ارتكبها، مطالبًا مجلس النواب والحكومة بضرورة إجراء تحقيق عاجل، وكشف من ورائها.

وتحدث رئيس المجلس المحلي درنة عن الحصار المفروض على المدينة منذ أشهر، مما أدى إلى وجود نقص حاد في المعدات والأدوية، بالإضافة إلى نقص في الوقود والماء.

ومن جانبه، طالب تحالف القوى الوطنية، الثلاثاء، مجلسي النواب والدولة والمجلس الرئاسي والقوات المسلحة بكشف ملابسات جريمة قصف درنة، وإماطة اللثام عمن ينتهك ويستبيح دماء المدنيين.كما اعتبرت الجزائر أن تلك الجريمة «عدوانا غير مقبول لأنه لا يعقد إلا الوضع المعقد أصلا، فضلا عن كونه عقبة أمام الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية سلمية للأزمة، التي تضمن سلامة ليبيا ووحدتها الترابية»، مذكرة بدعوتها إلى «الاستمرار في إجراء حوار شامل ورفض العنف، ودعم عملية الحوار الوطني تحت رعاية الأمم المتحدة».

وبعدما خاطب مجلس الأمن من أجل التدخل والتحقيق في القصف الجوي الذي تعرضت له مدينة درنة، عقد المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق اجتماعا في طرابلس؛ لبحث تداعيات القصف، والإجراءات التنفيذية المحلية والدولية التي يمكن اتخاذها، إذ أصدر السراج تعليماته لوزارة الخارجية بمتابعة الطلب الذي تقدمت به حكومة الوفاق الوطني إلى مجلس الأمن الدولي، ومناقشة ما يتوجب اتخاذه من تحقيق بشأنه وإجراءات أخرى تضمن عدم تكراره.

خاطب مجلس الأمن من أجل التدخل والتحقيق في القصف الجوي الذي تعرضت له مدينة درنة

كما كلف السراج وزير الداخلية المفوض ووزير العدل والنائب العام، اتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية، من بينها التحقيق وكشف ملابسات وخلفيات هذا القصف الدموي كافة، وكل ما يلزم اتخاذه على المستوى المحلي، وتقديم تقرير بهذا الشأن في أسرع وقت ممكن.

والتوجه نفسه أعلنه رئيس مجلس الدولة، عبدالرحمن السويحلي، الذي طالب مجلس الأمن بعقد جلسة طارئة لاتخاذ موقف حازم تجاه هذه المجازر المتكررة، وآخرها في درنة وجثث الأبيار.

للاطلاع على العدد «102» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وأكد السويحلي في بيان مقتضب نشره المكتب الإعلامي لمجلس الدولة، الاثنين، أن «مجزرة درنة محطة فاصلة تتطلب منا التجرد من الحسابات السياسية وإدانة ما يسمى بالقيادة العامة المسيطرة على المنطقة الشرقية وداعميها محليًا وإقليميًا».

وفي سياق متصل، كشفت عضوة مجلس النواب عن درنة، انتصار شنيب، أنها بحثت عملية القصف الجوي الذي تعرضت له مدينة درنة مع رئيس المجلس، المستشار عقيلة صالح من أجل تكليف لجنة الدفاع في المجلس بـ«فتح تحقيق العاجل»، مشيرةً إلى «أن ما حدث في درنة فاجعة ويعاقب عليها القانون الدولي».

المزيد من بوابة الوسط