جثث الأبيار.. حضرت الإدانات وغابت الحقيقة

في حلقة جديدة من مسلسل جرائم القتل خارج القانون التي يعرضها المشهد الليبي، فوجئ الليبيون، الجمعة الماضي، بفاجعة العثور على 36 جثة بطريق مصنع الإسمنت بين بلدة الأبيار وبنغازي، تم نقلها إلى مركز بنغازي الطبي لعرضها على الطبيب الشرعي، وما أن ذاع الخبر، حتى سارع الجميع، داخل ليبيا وخارجها، إلى توزيع عبارات الإدانة والتنديد، من دون أن يغير ذلك شيئًا من حقيقة أن القاتل ما زال طليقًا، ويخشى الليبيون «مجهولاً».

للاطلاع على العدد «102» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

الحكومة الموقتة: هذه الجريمة تعد انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان ومنافيًا لتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف

إدانة ووعيد
سيل البيانات بدأ من المجلس الرئاسي إلى حكومة الوفاق الوطني، الذي تعهد باعتقال مرتكبي الجريمة وتقديمهم للعدالة، في بيان له الأحد، معلنًا بدء التحقيق العاجل بالتنسيق مع النيابة العامة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن كل الجرائم لن تمرَّ دون عقاب رادع وقصاص مستحق، طال الزمن أم قصر.

محاولة للمساس بالجيش
في المقابل، اعتبرت الحكومة الموقتة أن واقعة العثور على 36 جثة في طريق مصنع الإسمنت بين بلدة الأبيار ومدينة بنغازي، «محاولة للمساس بسمعة المؤسسة العسكرية»، ودانت في بيان لها الواقعة، قائلة: «إن ارتكاب الجريمة البشعة يعد محاولة يائسة للمساس بسمعة المؤسسة العسكرية والأمنية التي تعمل على قيام دولة المؤسسات والقانون».

ولفتت الحكومة إلى أن «هذه الجريمة تعد انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان ومنافيًا لتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف»، مشيرة إلى أنها بدأت منذ اليوم الأول للحادثة في عمليات التحقيق لكشف الجناة الذي نفذوا الجريمة، وتابعت الحكومة الموقتة أن «وكيل وزارة العدل المكلف بتسيير الوزارة يعمل مع أجهزة الأمن ووزارة الداخلية منذ اليوم الأول لهذه الحادثة، وعلى رأس التحقيقات المتخذة في هذا الشأن حتى يقدم مرتكبو هذه الفعلة للعدالة لينالوا جزاءهم».

واختتم البيان إن «مثل هذه العمليات فردية ولا تمثل المؤسسة العسكرية والأمنية، كما شددت على ضرورة إخضاع السجناء إلى محاكمات عادلة».وفي السياق نفسه، كلف القائد العام للقوات المسلحة الليبية المشير خليفة حفتر، المدعي العام العسكري بالتحقيق في الواقعة، وجاء في بيان نشرته صفحة القيادة العامة للقوات المسلحة عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، «أن التحقيق سيجري بناء على البلاغات الواردة إلينا من الأجهزة الأمنية»، ودعا بيان القائد العام إلى ضرورة أن يسعى التحقيق لمعرفة العناصر التي ارتكبت هذه الجريمة وتحديد هويتهم والقبض عليهم لمحاكمتهم واستدعاء كل من له علاقة بالواقعة، وأشار البيان إلى أن القيادة العامة سبق لها أن «وجهت بلاغات متتالية تشدد فيها على عدم القبض والعقاب خارج إطار القانون أو فتح سجون سرية خارج الشرعية».

وبالمثل، دان تحالف القوى الوطنية، السبت، الواقعة، واستنكر في بيان له «صمت الجهات التي تتنازع الشرعية في ليبيا اليوم إزاء هذه الجريمة البشعة وتجاهلهم المريب لها»، لافتا إلى أن «ما حدث هو عمل مروع بكل المقاييس لا ينبغي السكوت عنه ولا يمكن تبريره مطلقا»، ودعا التحالف الجهات المسؤولة كافة للبدء في «تحقيق فوري لكشف ملابسات هذه الجريمة وإظهار نتائج التحقيق كاملة أمام الشعب الليبي أيا كان مرتكب هذه الجريمة، إنفاذا للقانون وإنهاء لثقافة الإفلات من العقاب»، وطالب بضرورة تسليط الضوء على الواقعة التي وصفها بـ«الشنيعة»، والتوعية بمخاطر القتل خارج القانون والانتقام واستيفاء الحقوق بالذات.

حزب «العدالة والبناء» طالب المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق باتخاذ إجراءات عاجلة لفتح تحقيقات رسمية في الواقعة

دعوات إلى تحقيق دولي
من جهته، طالب حزب «العدالة والبناء» - الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا- المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق باتخاذ إجراءات عاجلة لفتح تحقيقات رسمية في الواقعة، وقال بيان أوردته صفحة الحزب على «فيسبوك»، إن «العدالة والبناء يتابع بقلق بالغ زيادة معدلات الجرائم في مدينة بنغازي، والتي تعكس مدى حالة الفوضى الصادمة التي تعيشها المدينة»، مطالبا بتفعيل ودعم وزارة الداخلية في مدينة بنغازي لضبط الأمن وضمان عدم تكرار «هذه الانتهاكات»، كما أبدى الحزب استغرابا من «صمت المجتمع الدولي عن هذه الجرائم المتكررة»، ودعا المنظمات الحقوقية الدولية إلى إجراء تحقيقات مستقلة يشارك فيها خبراء دوليون والأمم المتحدة من أجل الوصول إلى معرفة هوية أصحاب تلك الجثث وتوضيح جميع ملابسات مقتلهم وملاحقة ومحاكمة مرتكبيها وقادتها، على حد وصف البيان.

نداء إلى مجلس الأمن
كما طالب المجلس الأعلى للدولة في طرابلس، الأحد، مجلس الأمن الدولي بعقد جلسة لمناقشة جريمة الأبيار التي وصفها بالجريمة «المنكرة»، داعيا مجلس الأمن إلى ضرورة وضع قراراته «موضع التنفيذ خاصة المعنية بحماية المدنيين».

وطالب المجلس مكتب المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية بفتح تحقيق في هذه الجريمة «البشعة»، واتخاذ الإجراءات القانونية لمحاكمة مرتكبيها والآمرين بها والمتسترين عليها».

كما حمل المجلس «المسؤولية للجهات المحلية والإقليمية الداعمة لها»، وقال «إن مثل هذه الممارسات والأساليب البشعة للقتل والتنكيل بالنفس البشرية إن هي إلا استمرار للجرائم والممارسات التي باتت ترتكب في تلك المناطق بشكل شبه يومي؛ بغية إرهاب وترويع المواطنين مما يعني بأنها رسالة من مرتكبيها لبث الرعب في نفوس الناس».

ونبه المجلس الأعلى للدولة إلى أن «التستر على الفاعلين أصبح دافعًا للإفلات من العقاب وتشجيعًا على تكرار مثل هذه الجرائم المنافية لكل الأعراف».

وأكد البيان تكليف اللجنة القانونية بالمجلس الأعلى للدولة «للتواصل مع الحقوقيين ومنظمات حقوق الإنسان في ليبيا للتشاور، ووضع الخطوات القانونية العملية التي ستتخذ في هذا الصدد بما يكفل كشف مرتكبي هذه الجرائم أمام الشعب الليبي، والتأكيد على أن التحقيق في مثل هذه الجرائم التي استهدفت مدنيين هو اختصاص أصيل للنيابة العامة دون سواها».

وقال المجلس: «إن هذه الجريمة النكراء تؤكد خطورة استمرار الانقسام السياسي والعجز الواضح لحكومة الوفاق الوطني عن أداء واجبها، وعلى رأسها بسط سيطرتها على جميع أنحاء البلاد وتأمين حياة المواطن الليبي في كافة المدن والمناطق دون استثناء»، لافتًا إلى أن ذلك يتطلب «اتخاذ موقف حاسم انطلاقًا من مسؤوليتنا الوطنية تجاه الشعب الكريم».إدانة أممية
وبدوره، استنكر مبعوث الأمم المتحدة رئيس بعثتها للدعم في ليبيا، غسان سلامة، «بشدة مقتل 36 رجلاً تم العثور على جثثهم في منطقة الأبيار» شرق مدينة بنغازي، داعيا السلطات الليبية إلى إجراء «تحقيقات فورية ونزيهة» في الحادث.

وجاء في بيان وزعته البعثة الأممية، مساء الأحد، «يستنكر الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، بأشد العبارات مقتل 36 رجلا تم العثور على جثثهم في منطقة الأبيار. وأفيد بأن الجثث، التي عثر عليها مقيدة الأيدي، كانت تحمل آثار جروح جراء طلقات نارية وظهرت عليها إصابات ناجمة عن التعذيب».

وقال :«لقد روعتني هذه الجريمة الشنعاء. وأدعو إلى إجراء تحقيق فوري ونزيه وفعال لتقديم الجناة إلى العدالة»، مضيفا أنه «قد حدثت حالات كثيرة مماثلة خلال العامين الماضيين ولكن دون مساءلة».

السفارة الإيطالية في ليبيا أعربت عن صدمتها من صور الجثث التي عُـثر عليها في الأبيار

وذكر مبعوث الأمم المتحدة رئيس بعثتها للدعم في ليبيا، «الجميع بأن قتل الأسرى أو إصدار الأوامر بقتلهم أو السماح بقتلهم يعد جريمة بموجب القانون المحلي والدولي».

كما دان الاتحاد الأوروبي جريمة الأبيار، وقالت الناطقة باسم الاتحاد الأوروبي كاترين راي في تصريح إلى «الوسط» الاثنين، يتعين التحقيق في ذلك على وجه السرعة وبصورة دقيقة وبضرورة محاسبة الجناة. وتقديم المسئولين عن ذلك إلى العدالة وهو ما يمثل أيضا خطوة حاسمة نحو المصالحة.

كما أعربت السفارة الإيطالية في ليبيا عن صدمتها من صور الجثث التي عـثر عليها في الأبيار، مطالبة بمعاقبة الجناة، وقالت: «جريمة بشعة مثل هذه يجب ألا تفلت دون عقاب».

إبعاد الضباط المسيئين
ودعا رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، النائب طلال الميهوب، خلال حديثه إلى برنامج «سجال» المذاع على قناة «ليبيا» ليل الأحد - الاثنين، القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية إلى إبعاد الضباط المسيئين للجيش الوطني الليبي، مؤكدًا أنه «لن يستطيع أحد إخفاء حقائق واقعة الأبيار».

توريط الجيش
أما عضو مجلس النواب علي التكبالي، فقد اعتبر في حديث إلى برنامج «سجال» المذاع على قناة «ليبيا» ليل الأحد - الاثنين، أن «مرتكب جريمة الأبيار بيت سوء النية مسبقا لتوريط الجيش وتوجيه أصابع الاتهام له»، مشيرا إلى أن «الكثير من الجرائم أكبر من جريمة الأبيار ولم يتحدث أحد عنها كجريمة (داعش) في درنة وجرائم رمي الجثث دون رؤوس في بنغازي».

مكافحة الإفلات من العقاب
وعلى صعيد ردود الفعل الحقوقية، طالب مركز القاهرة لدرسات حقوق الإنسان ومنظمات ائتلاف المنصة، في بيان لهم الثلاثاء المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق الفوري في، كما طالب بـ«مكافحة الإفلات من العقاب عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من خلال آلية دولية».

للاطلاع على العدد «102» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ويتكون ائتلاف جمعيات المجتمع المدني الليبي «المنصة» من منظمات شباب من أجل تاورغاء والمستقلة لحقوق الإنسان والليبية للمساعدة القانونية ومدافعات عن حقوق المرأة ومركز مدافع لحقوق الإنسان، ومؤسسة بلادي لحقوق الإنسان والمركز الليبي للحقوق والحريات ومنبر المرأة الليبية من أجل السلام، ومركز ليبيا المستقبل للإعلام والثقافة.