جريدة «الوسط»: الأزمة تتمدد والحل السياسي في مهب الأسئلة

لا يزال الغموض يحيط بهوية الطائرات المقاتلة التي قصفت درنة، يوم الاثنين الماضي، مما أسفر عن سقوط 12 قتيلاً وعدد من الجرحى، خاصة بعد نفي القيادة العامة للجيش الليبي مسؤوليتها عن الغارات الجوية، وإدانة مصر في بيان لخارجيتها الحادث، ولم يرشح شيء من التحقيق الذي أمر بإجرائه المشير خليفة حفتر، فيما واجه التحقيق الذي أمر رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج بإجرائه، كثيرًا من العوائق اللوجستية، خاصة أن الحادث وقع في مدينة درنة المحاصرَة، التي ليس للمجلس الرئاسي أية سلطة عليها.

للاطلاع على العدد «102» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفي تصريح إلى «بوابة الوسط»، قال رئيس المجلس المحلي درنة عوض لعيرج، الثلاثاء، إن منطقة «الفتايح» التي تعرضت للقصف لا توجد بها أية تمركزات عسكرية لأنها منطقة زراعية، تضم 260 مزرعة، كل أربع مزارع لها طريق واحدة، وبعد ساعتين تم قصف منطقة الظهر الحمر «الأردام»، مما أدى إلى مقتل اثنين آخرين.

وطالب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني»، فائز السراج، الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالتدخل السريع للمساعدة في فتح ممرات آمنة للمنظمات الإنسانية، في مقدمتها «الهلال الأحمر» و«الصليب الأحمر»؛ لإدخال المساعدات الإنسانية والاحتياجات الضرورية لسكان درنة.

وقال المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي، أمس الأربعاء، إن السراج أجرى اتصالًا هاتفيًا بالممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، عبر خلاله عن «استيائه الشديد من بطء تجاوب المجتمع الدولي تجاه معاناة سكان درنة».

ونجحت الغارات الجوية على درنة في التغطية على مقتل 36 شخصًا اختفوا في بنغازي، وعثر على جثتهم في بلدة الأبيار، وهي الجريمة التي أمر أيضًا المشير حفتر بالتحقيق فيها، التي حظيت مثل مجزرة درنة بإدانات محلية ودولية، وفسر متابعون للشأن الليبي ما يحدث بأنه من تدبير«أطراف محلية وإقليمية، ربما لا ترغب في نجاح حوار تونس، واجتماعات لجنة التواصل العسكري بالقاهرة» وعبرت الجزائرعن توجس من «تشويش الاعتداءات مهما كان مصدرها» على جهود التسوية السياسية للأزمة الليبية، على غرار ما وقع من قصف على درنة، مؤكدة أنه «عقبة أمام الجهود الأممية المبذولة للتوصل إلى حل سلمي».

ويرى هؤلاء المتابعون إمكانية أن يستغل المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة الواقعتين كورقة للضغط على خصمهما المشير حفتر لتقديم تنازلات يرفضها حتى الآن، خاصة بعد طلب السراج من مجلس الأمن التدخل والتحقيق في القصف الجوي الذي تعرضت له درنة، وموقف رئيس المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن السويحلي الذي استنجد بدوره بالمجتمع الدولي، وحث بريطانيا على تكثيف جهودها على الصعيد الدولي من أجل عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، «لاتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين في ليبيا، ووضع حدٍّ لجرائم الحرب التي تكرر ارتكابها بشكل ممنهج ومروع في نطاق سيطرة قوات الجيش الوطني» في شرق ليبيا، التي كان «آخرها مجزرتا درنة والأبيار»، وذلك خلال لقائه سفير بريطانيا لدى ليبيا بيتر ميليت يوم الأربعاء.

نجحت الغارات الجوية على درنة في التغطية على مقتل 36 شخصًا اختفوا في بنغازي وعثر على جثثهم في بلدة الأبيار

وإذا كانت المادة الثامنة من الاتفاق السياسي لا تزال العقبة الصلبة للوصول إلى توافق، فإن ما جرى في درنة والأبيار يشكل خطرًا على كل ما أنجزه المشير حفتر، وإذا لم يأخذ الأمر على نحو أكثر جدية وواقعية، فقد يجد نفسه مطلوبًا من محكمة القضاء الدولي قبل المحلي، على غرار ما حدث لقادة عسكريين وسياسيين في مناطق أخرى من العالم، لكن ثمة من يشكك في علم المشير حفتر المسبق بما جرى في درنة والأبيار، ويؤكد أنه لا يسيطر بقواته تمامًا على كل ما يحدث على الأرض في المناطق الواقعة تحت نفوذه، ويدلل على ذلك بما فعله آمر المحاور في بنغازي، النقيب محمود الورفلي، المطلوب من محكمة الجنايات الدولية، بعد أن تسربت أشرطة «فيديو» تبين مسؤوليته عن إعدامات جماعية خارج القانون في بنغازي، وبالرغم من أن المشير حفتر أمر بالتحقيق معه، إلا أن ما حدث في الأبيار يشير إلى بصمات الورفلي في الحادث، كل ما في الأمر أن الضحايا عثر على جثتهم في الأبيار وليس في بنغازي التي تبعد عنها 70 كلم.

ومحليًا دان معظم الليبيين المجزرتين باستثناء أقلية من أنصار المشير حفتر التي عمدت إلى المقارنة بين هاتين الجريمتين وتلك التي شهدتها المنطقة الغربية من البلاد، وطالبت بالتحقيق في مجزرة غرغور بطرابلس، وذهب عدد من النواب والناشطين إلى التقليل من بشاعة الجريمتين، بل إن الناطق باسم القيادة العامة للجيش العميد أحمد المسماري اتهم «الإرهابيين» بالمسؤولية عن مجزرة درنة، أما كتلة السيادة الوطنية بمجلس النواب، فقررت إقالة رئيسها ونائبه ومقرر الكتلة بحجة ظهورهم على القنوات التلفزية منتقدين المؤسسة العسكرية، ومع تشعب وتعقد تداعيات ما حدث، صار كثيرون يرون أن ما تشهده ليبيا بما فيها المسار السياسي يقترب من حوار الطرشان، وأن المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة تحولت إلى مؤسسات صورية تديرها زمرة للمحافظة على مصالحها الخاصة وليس المصلحة العليا للبلاد.

وفي مؤشر جديد على تدويل ما يحدث في ليبيا أصدرت أربع دول غربية بيانًا يوم الأربعاء، جاء فيه أن «فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة تراقب عن كثب الصراع المستمر في ليبيا»، وشددت الدول على أن «أولئك الذين يرتكبون أو يأمرون أو يفشلون في منع الإعدامات بإجراءات موجزة والتعذيب بحق جميع الأطراف يجب أن يكونوا محل تحقيق شامل».

وجددت الدول تأكيدها على بذلها كل الجهود على المستوى الدولي لاتخاذ الإجراءات المناسبة ضد كل من يتواطأ في انتهاك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

التفاصيل في العدد «102» من جريدة «الوسط»

في هذه الأثناء أصبح السؤال المطروح في سياق متابعة تطورات الأزمة الليبية هو: أين صارت خطة المبعوث الدولي غسان سلامة وسط هذه المستجدات المعقدة.. وهل في إمكان الأخير أن يتحكم في إيقاع مسار خطته وفق المراحل التي حددها، التي بدأت أولاها باجتماع لجنة ممثلي مجلسي النواب والدولة المشتركة لصياغة التعديلات المقترحة على اتفاق الصخيرات.. وهل سيضطر أمام هذه المستجدات إلى القفز نحو المرحلة الثانية من خطته؟، وهي عقد المؤتمر الوطني الجامع، الذي لازال يكتنفه الشك والغموض من قبل الكثيرين.