«ذا غارديان»: المهاجر علي من نيجيريا إلى «أبو سليم» مأساة لم تنته في أوروبا

روت جريدة «ذا غارديان» البريطانية، في تقرير اليوم الاثنين، قصة المهاجرين غير الشرعيين المقيمين في مركز احتجاز بمدينة أبو سليم بجنوب طرابلس، وقالت إنه رغم كونه المركز الأفضل من حيث الأوضاع الإنسانية فإنه يعد الأسوأ فيما يتعلق بحلم اللاجئين للوصول إلى أوروبا.

ونقلت الجريدة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قولها إنه يوجد نحو 30 مركز احتجاز تديرها الحكومة في ليبيا، لكن ذلك لا يشمل المنشآت السرية التي يديرها المهربون والجماعات المسلحة، مضيفة أنه يُعتقد أن هناك نحو مئة ألف مهاجر غير شرعي.

وقالت الجريدة إنه رغم الانتهاكات التي ترتكب بحق المهاجرين واللاجئين في ليبيا، فإن الوضع يختلف كثيرًا في مركز الاحتجاز الموجود بمدينة أبو سليم.

مركز احتجاز المهاجرين في أبو سليم الأفضل إنسانيًا لكنه نقطة النهاية والعودة إلى المنبع

وأضافت أن مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا المكتظة بآلاف الأشخاص الذين ألقي القبض عليهم على طرق التهريب التي تتقاطع مع ليبيا، أصبحت معروفة بانتشار السخرة والضرب والتعذيب والاغتصاب بها، مشيرة إلى أنه في مركز أبو سليم يحظى اللاجئون بشيء أقرب إلى فترة نقاهة لأولئك الذين كانوا يترحلون لأسابيع أن لم تكن أشهرًا.

وتابعت أن مركز احتجاز المهاجرين في المدينة الذي تديره وزارة الداخلية، هو أحد المراكز القليلة في ليبيا التي يمكن للصحفيين زيارتها بأمان، كما يوجد به عيادة صحية ومطبخ ومهاجع نوم مشتركة وأسَّرة ومساحات للصلاة.

وقالت: «هناك بعض الأمل، فالمهاجرون الـ150 العالقون هنا خاضوا رحلات محفوفة بالمخاطر من مالي والنيجر وكوت ديفوار وبوركينا فاسو وغامبيا وغينيا والسنغال، لكن أبو سليم هي نهاية الطريق، فمن الأرجح أنها أقرب إلى أوروبا سيصلون إليها، وستكون المرحلة التالية والنهائية من رحلتهم هي رحلة العودة إلى الوطن».

وأشارت إلى أنه منذ تكثيف الاتحاد الأوروبي جهوده أوائل العام الجاري لمنع المهاجرين الأفارقة من السفر بالآلاف شمالًا إلى ليبيا التي كانت يومًا ما ممرًا إلى أوروبا، وتحولت الآن إلى طريق مسدود»، موضحة أن السلطات اقتنعت من خلال سلسلة من الصفقات الدبلوماسية بتكثيف جهودها، كما أن الكثير من جماعات التهريب اختيرت أيضًا للمشاركة في تلك الجهود.

رحلة علي من نيجيريا إلى أبو سليم
بقول «علي» وهو مهاجر من نيجيريا يبلغ من العمر 24 عامًا ، احتجز في مركز المهاجرين في أبو سليم لأسابيع: «كان هناك كثير من فرص العمل في موطني، لكننا كنا فقراء».

وأضاف علي الذي اضطر للموافقة على العودة لبلده: «توفيت والدتي وأردت أن أذهب إلى إيطاليا أو أوروبا لتوفير حياة أفضل لوالدي وأشقائي».

«مهاجر نيجيري: توفيت والدتي وأردت أن أذهب إلى إيطاليا أو أوروبا لتوفير حياة أفضل لوالدي وأشقائي»

وسافر علي وشقيقه مختار في بادئ الأمر إلى مدينة أغاديس في النيجر، وهي مركز لعمليات الهجرة السرية والاتجار بالبشر في غرب أفريقيا. ودفعا نحو 267 دولارًا لكل منهما لعبور الصحاري والجبال ضمن جماعات مختلفة.

وقالا إنه بعد بقائهما لفترة طويلة في مصراتة دفعا 267 دولارًا أخرى لحجز مكان لهما على زورق صيني الصنع كان من المفترض أن يغادر من مدينة القرة بوللي بشرق طرابلس.

إلا أن الرحلة البحرية لم تجر مطلقًا. فقبل صعودهم على متن القارب اعتقلتهم «ميليشيات» محلية وجلبتهم إلى أبو سليم. ويبقى المحتجزون عادة في المركز لفترة تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر قبل أن يجري إعادتهم إلى بلدهم الأصلي، وفقًا لـ«ذا غارديان».

ونقلت الجريدة عن ممثل مفوضية شؤون اللاجئين في ليبيا، روبرتو مينيوني قوله: «في العموم، الأوضاع سيئة حقًا في مراكز الاحتجاز تلك.. هناك انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان واعتداءات جنسية ترتكب هناك»، مضيفًا أن «الوضع الأمني معقد للغاية ومن المحبط العجز عن الوصول إلى كل من في حاجة (للمساعدة)، ليس لدينا رؤية شاملة عن مراكز الاحتجاز التي تديرها الميليشيات والمهربون».

الإستراتيجية الأوروبية لكبح المهاجرين
ومنذ إطاحة نظام معمر القذافي في 2011، كانت ليبيا بمثابة ممر وعامل جذب للمهاجرين اليائسين لبدء حياة جديدة في أوروبا.

إلا أنه بعد تسجيل الوافدين على إيطاليا في العام 2016، أرقامًا قياسية، وكذلك حدوث حالات وفاة في البحر المتوسط خلال العامين الماضيين لم يسبق لها مثيل، أبدى الاتحاد الأوروبي عزمًا جديدًا على توجيه المشكلة لتبقى بالقرب من مصدرها بإبرام سلسلة اتفاقات مع ليبيا في وقت سابق من العام الجاري.

وذكرت «ذا غارديان» أن جزءًا من الاستراتيجية استهدف جنوب ليبيا، حيث توفر أكثر من 2500 كلم من الحدود الصحراوية مع الجزائر وتشاد والنيجر والسودان ممرات متعددة لدخول ليبيا للتوجه شمالًا إلى الساحل، مشيرة إلى أن وزير الداخلية الإيطالي ماركو مينيتي عقد جلسات مع عمداء البلديات في جنوب ليبيا الذين يمثلون مختلف القبائل والجماعات المحلية.

وزير الداخلية الإيطالي ماركو مينيتي عقد جلسات مع عمداء البلديات في جنوب ليبيا الذين يمثلون مختلف القبائل والجماعات المحلية

وقالت الجريدة إن «الاتفاق حدد سبعة عناصر لإرضاء الفصائل المختلفة بداية من التبو وصولاً إلى أولاد سليمان، في سبيل التزام مشترك بوقف تهريب المهاجرين»، زاعمة أن «هذا المشروع حظي بتأييد كبير من أحمد معيتيق، نائب رئيس المجلس الرئاسي، كما رحب به في جنوب ليبيا عميد بلدية سبها حامد الخيالي».

بل ونقلت عن الخيالي قوله إن: «المشروع الذي نمضي فيه قدمًا مع إيطاليا حاليًا يتضمن تطوير ونمو جنوب ليبيا في إطار مكافحة الهجرة غير الشرعية».

وقالت الجريدة إنه كجزء من التعاون، تساعد إيطاليا في تأمين الحدود الليبية، وقدمت دعمًا للمدن في هيئة مشاريع بنية تحتية وكهرباء، وتعهدت بالمساعدة على تحسين آفاق العمالة للشباب، إضافة إلى ذلك، فهناك مخطط لتدريب وحدات عسكرية تابعة للجيش، والمختصة في تنفيذ مهمات في جنوب البلاد.

وأشارت إلى أنه «في الشمال تمثل الجزء الأكبر من الدعم في صورة مهمة إيطالية جديدة لدعم خفر السواحل الليبي في البحر المتوسط، وجزئيًا في صفقة «سرية» بين الإيطاليين والكيانات البارزة التي تسيطر في الساحل وعمليات التهريب التي تحدث هناك»، مضيفة أنه كنتيجة لذلك لم تعد القوارب تغادر الشاطئ، أما المهاجرون مثل علي ومختار فكانوا محتجزين.

نتائج سلبية
لكن الجريدة قالت «إن شيئًا لا يسير بشكل مستقيم في بلد يوجد به حكومتان متنافستان، والعديد من الإقطاعات والرجال أصحاب النفوذ، والقليل من الطرق المشروعة لكسب لقمة العيش ومجموعات التهريب التي لا تعد ولا تحصى تتصارع على المكانة والأراضي والأعمال التجارية».

الهجوم الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي نجح مؤقتًا في استرضاء مركز التهريب في صبراتة لكنه تسبب في اندلاع القتال بين الجماعات المختلفة

واعتبرت أن الهجوم الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي نجح بشكل موقت في استرضاء مركز التهريب في صبراتة بغرب ليبيا، لكنه تسبب في اندلاع القتال منذ بداية أكتوبر الجاري بين الجماعات المختلفة سعيًا لـ«السيطرة على المدينة»، وأرجعت الجريدة ذلك القتال إلى نقص التمويل الذي تواجه الجماعات التي لم تكن تلك جزءًا من الصفقة مع الاتحاد الأوروبي وإيطاليا.

وقال مينيوني: «شاهدنا قتالًا بين الجماعات المختلفة في صبراتة، أحرزت إحداها تقدمًا، قم لاحقًا اكتشفت السلطات أن آلاف الأشخاص كانوا محتجزين من قبل المهربين»، مضيفًا يحاولون في الوقت الراهن نقل أولئك الأشخاص إلى مراكز احتجاز تديرها الحكومة، لكنها بالفعل مكدسة بالمهاجرين.

واختتمت «ذا غارديان» تقريرها قائلة إنه في الوقت الذي لا يزال بعض المهاجرين في مركز أبو سليم يتحدثون عن محاولة الوصول إلى أوروبا مرة أخرى؛ إلا أن علي فقد الأمل في ذلك.

المزيد من بوابة الوسط