استمرار الاقتتال في صبراتة و«داعش» يضرب في مصراتة

فيما ينتظر عودة لجنة الحوار المشتركة للاجتماع في تونس لصياغة التعديلات المقترحة على اتفاق الصخيرات، كخطوة أولى لتنفيذ خطة سلامة من أجل حل الأزمة الليبية، فوجئ الليبيون ومدينة مصراتة أولاً بالهجوم الانتحاري الذي نفذه تنظيم «داعش»، مستهدفًا بشكل مباشر مجمع المحاكم بوسط المدينة مما أدى إلى سقوط أربعة قتلى و41 جريحًا، في وقت لم يتوقف فيه الاقتتال في مدينة صبراتة للأسبوع الثالث بين الكتائب المسلحة في المدينة، موقعًا مزيد الضحايا ومجبرًا آلاف العائلات على مغادرة بيوتها والنزوح بعيدًا عن مرمى الرصاص والاقتتال، ليسرق هذا التصعيد الاهتمام الإعلامي الذي كان منشغلاً قبل أيام بمتابعة تنفيذ «خطة سلامة».

للاطلاع على العدد «98» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ودانت الأوساط الليبية والإقليمية والدولية الهجوم الإرهابي على مجمع المحاكم في مصراتة، بينما لم يستبعد المفتي السابق الصادق الغرياني أن يكون ما جرى «انتقامًا من الله بسبب تجاهل مكتب النائب العام الآلاف من القضايا ابتداء من قضية الشيخ نادر العمراني»، مشيرًا إلى أن «عددًا من الثوار والعلماء يقبعون في سجون معيتيقة».

ولأول مرة تتوحد البلاد أمام هذه الحادثة، إذ دان الهجوم الذي نفذه ثلاثة عناصر من تنظيم داعش مجلس النواب والمجلس الرئاسي والحكومة الموقتة، وهو ما يؤكد أن الخلافات التي تحركها المصالح القبلية والجهوية والحزبية والأيديولوجية تنتهي أمام مخاطر الإرهاب الذي يستهدف الجميع.قد يكون هجوم التنظيم الإرهابي على مجمع المحاكم انتقامًا لهزيمته في سرت، ومحاولة لإثبات وجوده، وأنه قادر على نقل الحرب إلى عقر ديار محاربيه بتوجيه ضربات نوعية مفاجئة عن طريق من يسميهم بـ«الانغماسيين»، وحتى الآن لم تتضح الصورة كاملة ولا تزال التحقيقات لم تكتمل، لتبين ما إذا كان منفذو هجوم مصراتة جاؤوا من خارج المدينة أم كانوا ضمن خلايا التنظيم النائمة بها..ويبدو أيضًا أن انتظار داعش كل هذا الوقت لينتقم من هزيمته يؤكد أنه تأخر في إعادة بناء صفوفه بعد أن هربت فلوله من سرت باتجاه الأودية الجنوبية، لكنه بهذا الهجوم أبلغ رسالته بأن التنظيم أصبح مستعدًا لتنفيذ عمليات نوعية في أكثر الأماكن أمنًا في البلاد.

ومن حسن الحظ جرى ضبط وتفكيك السيارة التي ترجل منها المهاجمون الثلاثة وكانت تحمل 154 كلغم من المتفجرات، وفق مصدر أمني رفيع في مصراتة الذي صرح لـ«الوسط» بأن المتفجرات تتكون من قذائف مضادات للدروع مزودة بمادة (TNT) شديدة الانفجار، وملابس نسائية للتستر والدخول إلى مجمع المحاكم، بالإضافة إلى جهاز تحكم صغير للتفجير، موضحًا أن السيارة تم اعتراضها وترجل منها المهاجمون ولم يتمكنوا من تفجيرها.

من حسن الحظ ضبط وتفكيك السيارة التي ترجل منها المهاجمون الثلاثة، فكانت تحمل 154 كيلو غرامًا من المتفجرات

ونفى عميد بلدية مصراتة محمد اشتيوي أن تكون هناك أي جلسات لمحاكمة أفراد من تنظيم «داعش» بمجمع المحاكم في المدينة حين جرى الهجوم على المجمع أمس الأربعاء، وأن العمل هناك كان يسير بشكل عادي داخل المجمع».

وحتى الآن لا تزال عديد الأسئلة دون إجابة، وأهمها كيف استطاع المهاجمون دخول المدينة؟ ومن أين جاؤوا؟ وهل لا تزال هناك عناصر تنتمي للتنظيم مختبئة داخل المدينة؟

وفي ظل الظروف التي تعيشها البلاد فإنه من المنتظر أن نرى السلاح الجوي الأميركي يشن بين حين وآخر غارة هنا أو هناك ضد تجمعات لعناصر «داعش» الفارة من سرت، أو القادمة من جهات أخرى، وستكون الهجمات الجوية الخيار الأفضل لاستئصال التنظيم من الأودية التي تتحصن بها.

أما في مدينة صبراتة فدخل الاقتتال بين الكتائب المسلحة للسيطرة على المدينة أسبوعه الثالث، فيما يعلن كل من أطراف الاقتتال تبعيته لحكومة الوفاق الوطني، لكن ما يحدث ألقى بظلاله على ملف الهجرة غير الشرعية وهو ما عكسته تصريحات دولية عبرت عن خيبة أمل بشأن الجهود الأوروبية التي بذلت خلال الفترة الماضية، أو تلك التي ينتوي الأوروبيون الدفع بها لوقف تدفق الهجرة عبر بوابة ليبيا إلى بلاده، والتي تعتبر مدينة صبراتة ومحيطها أحد أهم مراكز تجمع وانطلاق المهاجرين فيما يعرف بالاتجار بالبشر.ميدانيا لا تزال الأطراف المختلفة متمسكة بالتصعيد العسكري في المدينة، ففي حين تعتبر كتيبة الدباشي المكنى بـ«العمو» أنها تنفذ مهاماً تتعلق بمواجهة الهجرة غير الشرعية باتفاق مع حكومة الوفاق، فإن «غرفة مكافحة تنظيم الدولة» التي تعتبر نفسها تابعة للجيش (حكومة الوفاق) تؤكد أنها تقاتل من تعتبرهم «إرهابيين ومهربي بشر».

من جانبه وصف القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر الاشتباكات في صبراتة بـ«الحرب الشرعية بين ضباط من الجيش الوطني (غرفة عمليات صبراتة) من جهة، وجماعات تمتهن الإرهاب وتجارة البشر»، لافتا إلى أن الحرب «لن تتوقف قبل تسليم هذه المجموعات لسلاحها، وإطلاق أهالي المدينة المعتقلين لغرض الابتزاز وتسليم العناصر الأجنبية التي تقاتل معها».

للاطلاع على العدد «98» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفسر بأنه محاولة من المشير للدخول على خط الأحداث في صبراتة، إلا أن آمر «غرفة مكافحة تنظيم الدولة» قال في تصريح إلى «الوسط»، أول من أمس الثلاثاء: «إن الغرفة كجسم شرعي يتبع المجلس الرئاسي وقد امتثلت لأوامر القائد الأعلى بوقف إطلاق النار»، مشيرا بذلك إلى الأوامر التي صدرت عن رئيس الأركان العامة التابع لحكومة الوفاق، بوقف إطلاق النار والإبلاغ الفوري عن أية خروقات»، محذرا من أنه «في حال عدم الامتثال للأوامر ستصبح هذه القوات خارجة عن نطاق الشرعية»، ورغم ذلك لم يتوقف إطلاق النار ويبدو أنه وفق المعطيات القائمة ميدانيا لن يتوقف قبل أن يعلن أحد الأطراف القضاء على خصمه وسيطرته على المدينة.

ويبقى السؤال هنا: هل ستنتهي الحرب في صبراتة وتطوى صفحتها كحدث عارض أم ستكون لتلك الحرب انعكاساتها على المنطقة الغربية من البلاد، وسط تشبكات عناصر الصراع التي تحركها الثروة والسلطة والأيديولوجيا، شأنه شأن ما يحدث في البلاد عموما؟

المزيد من بوابة الوسط