دعوات أوروبية لـ«إسكات البنادق» و«إعلاء الحوار»

تصاعد اهتمام أوروبي خلال الأسبوع الجاري بشأن الملف الليبي، وذلك بعد أيام من انخراط محلي في تنفيذ أولى بنود خارطة طريق طرحها المبعوث الأممي غسان سلامة، حيث استقبلت العاصمة الإيطالية (روما)، في أسبوع واحد، القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس الأركان المكلف بحكومة الوفاق العميد عبد الرحمن الطويل، تحت عنوان عريض بغرض التعاون العسكري المشترك، تزامن مع دعوات متكررة لأطراف الأزمة الليبية، للاحتكام إلى الحوار، وعدم اللجوء إلى السلاح في مواجهة الخصوم.

للإطلاع على العدد (97) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وبعدما أنهى زيارته إلى روما يحل حفتر، اليوم الخميس، ضيفاً على العاصمة الفرنسية (باريس)، بغية لقاء عدد من كبار المسؤولين الفرنسيين، لمراجعة الملف الليبي، بعد شهرين من لقاء جمعه برئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فائز السراج، في الخامس والعشرين من يوليو الماضي بالعاصمة نفسها، اتفقا فيه على وقف إطلاق النار في ليبيا، برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وفي مطلع الأسبوع اجتمع رئيس أركان حكومة الوفاق بنظيره في الجيش الإيطالي الجنرال كلاوديو غرازيانو، وفق وكالة الأنباء الإيطالية (انسا)، حيث دار دارت محادثات الطرفين حول «التعاون بين القوات المسلحة الإيطالية والليبية والإرادة المشتركة لتعزيزه بهدف زيادة ودعم القدرات التشغيلية للقوات الليبية ووضعها في القدرة الذاتية الكاملة، لتصل إلى القدرة على المساهمة الفعلية في تحقيق الاستقرار في الدولة، ومكافحة عمل المنظمات الإجرامية، والشبكات الإرهابية، والاتجار بالبشر».

الحكومة الإيطالية طالبت حفتر بمواجهة خصومه سياسيًا والتخلي عن التحركات العسكرية ضد «الوفاق»

استعداد إيطالي للدعم
وقالت الوكالة إن رئيس الأركان الإيطالي غرازيانو أكد أن «القوات المسلحة الإيطالية مستعدة لدعم الليبيين عندما تطلب السلطات الليبية الرسمية، بعد موافقة الحكومة والبرلمان في روما».

وبحلول الاثنين الماضي، كانت طائرة تابعة لسلاح الجو، تحط رحالها تحت سماء روما، حاملة القائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر، «تجاوبًا مع دعوة من رئيس الوزراء الإيطالي، باولو جنتيلوني سلمت له عبر وزير الداخلية الإيطالي، ماركو مينيتي، عقب زيارة الأخير لمقر القيادة العامة بالرجمة» شرق بنغازي، حسبما ذكر مصدر مقرب من حفتر، لوكالة «آكي» الإيطالية.

جدول متخم بالأعمال، ومراسم استقبال عسكرية رسمية، كانت في انتظار حفتر فور وصوله، حيث التقى مساء الثلاثاء، وزيرة الدفاع الإيطالية روبرتا بينوتي، بمقر الوزارة في العاصمة روما، ومن قبلها كان اللقاء برئيس هيئة الأركان العامة، الجنرال كلاوديو غرازيانو، وفق ما نقلته «آكي».وقالت الوكالة إنه «لم يصدر بيان رسمي من السلطات الإيطالية عن أجندة اللقاء مع الوزيرة بينوتي، الذي تجاوز ساعة من الزمن، وخرج بعدها الجنرال حفتر الذي كان يرتدي زيًا مدنيًا، من مقر وزارة الدفاع دون الحديث مع الصحفيين».

ونقلت الوكالة أن مصدرًا مقربًا من حفتر أفاد في وقت سابق أن الزيارة تأتي «من باب التعاون بين الدولتين في عدد من الملفات الأمنية، أبرزها الهجرة غير النظامية والاستماع إلى الخطة المقترحة لمكافحتها، والتي تقدر تكلفتها بـ20 مليار يورو تنفذ على مدى سنوات».

وذكرت الوكالة نقلاً عن مصادر بوزارة الدفاع: «أن المشير حفتر أعرب عن امتنانه لما تقدمه إيطاليا في قطاع الصحة، ورعاية الحالات الأكثر حساسية من الجرحى الليبيين، في المرافق والمستشفيات في إيطاليا».

من جانبها قالت وزيرة الدفاع الإيطالية روبرتا بينوتي: «إن إيطاليا تقدم الدعم للسياسة الشاملة لمبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة لإعطاء مزيد من الزخم للحوار السياسي الليبي»، ودعت بينوتي جميع الأطراف إلى «المساهمة بفعالية في هذه الاستراتيجية، مع استبعاد أي حل عسكري».

وقالت الوكالة إن المشير حفتر أشار إلى «معاناة الشعب الليبي بعد سبع سنوات من الحرب وضرورة التوصل إلى حل سريع لضمان استقرار ليبيا ووحدتها». كما دعت الحكومة الإيطالية، حفتر، أمس الأربعاء، لـ«اختيار المسار السياسي إذا كان ينوي تقديم نفسه لقيادة ليبيا».

مطالبة بالمواجهة السياسية
ونقلت وكالة «آكي» عن جريدة «لا ريبوبليكا»، قولها إن هذه الدعوة «غير القابلة للالتباس تمّ نقلها إلى حفتر خلال لقائه مساء الثلاثاء في روما كلاً من وزيرة الدفاع روبرتا بينوتي، ووزير الداخلية ماركو مينيتي»، مؤكدة أن الحكومة الإيطالية طالبته بـ«مواجهة خصومه سياسيًا والتخلي عن التحركات العسكرية ضد حكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج في طرابلس».

بينوتي: «نقدم الدعم للسياسة الشاملة لمبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة»

ونقلت الجريدة عن بينوتي قولها خلال اللقاء، إن «عملية التفاوض التي قادها مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة قد بدأت للتو، ونحن نؤيدها، ويجب على الجميع في ليبيا دعم المفاوضات السياسية، وعدم استخدام السلاح لغرض سياسي»، في إشارة إلى الجولة الأولى لتعديل الاتفاق السياسي في تونس بين لجنتي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.

وقد أصدرت وزارة الدفاع الإيطالية بيانًا مساء الثلاثاء تضمن شكر القائد العام للجيش الليبي حفتر لروما «اعترافًا بالروح التعاونية للجهد الإيطالي ابتغاءً للصلح في ليبيا».

ومن الملفات التي كانت محل نقاش خلال الزيارة، بحسب الوكالة نفسها: «مواضيع الهجرة، والأمن، ومكافحة الإرهاب، وحماية المصالح الاقتصادية الإيطالية، وتحقيق الاستقرار في ليبيا والوضع على حدودها الجنوبية، والدعم اللوجستي الإيطالي لإعادة بناء خفر السواحل الليبي».

وأوضحت «آكي» أن أجندة الزيارة «تنطوي على موضوع حماية المنشآت النفطية وغيرها من الهياكل الاقتصادية الإيطالية العاملة في ليبيا»، مشيرة إلى أن إيطاليا كانت منذ بضعة أشهر لاعبًا رئيسيًا في مجال إعادة إعداد قوات خفر السواحل الليبي، حيث وفرت المعدات والتدريب للكوادر، وقد أحدثت بعد بضعة أشهر من بدء الدوريات في المياه الإقليمية الليبية، «انخفاضًا تدريجيًا وكبيرًا في تدفقات المهاجرين على السواحل الإيطالية، التي تراجعت بنسبة 21.54% منذ بداية العام حتى الـ25 من سبتمبر الجاري، مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية»، بحسب «آكي».

وفي السياق نفسه، قالت وكالة الأنباء الأميركية «أسوشيتد برس» إن مسؤولين إيطاليين حثوا القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر على «الإسهام بشكل فعال» في جهود الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في ليبيا، واستبعاد أي حل عسكري لإنهاء الفوضى في البلاد.وقالت الوكالة الأميركية إن لقاء حفتر مع وزيرة الدفاع الإيطالية جاء «في إطار الجهود التي تبذلها إيطاليا لاستقرار مستعمرتها السابقة، ووقف تدفق المهاجرين إلى أوروبا».

ونقلت عن وزارة الدفاع الإيطالية أن بينوتي «كررت دعم إيطاليا لعملية الحوار التي تقوم بها الأمم المتحدة للعمل على إجراء انتخابات» في ليبيا، وأعربت عن أملها في «أن تتمكن كافة الأطراف من المساهمة بشكل فعال في هذه الاستراتيجية مع استبعاد أي حل عسكري» للأزمة.

كما أكدت بينوتي للمشير خليفة حفتر أن «أي مبادرة تتخذها إيطاليا في ليبيا تتم في إطار الاحترام الكامل لسيادة ليبيا، والالتزام بالطلبات الليبية» بحسب «أسوشيتد برس».

تشكيل تحالف جديد
من جانبها، أرجعت جريدة «ذا غارديان» البريطانية تقرب القادة الأوربيين إلى حفتر، إلى رغبتهم في «تشكيل تحالف»، متهمة القائد العام للجيش الليبي بأنه «أعطى أوامر لجنوده بارتكاب جرائم حرب»، وذلك وفق أدلة جديدة حللها خبراء قانونيون، على حد قول الجريدة.

وأضافت الجريدة، في تقرير أعده ستيفاني كيرشجيسنر من روما ووروث ميشيلسون من القاهرة، أن «المزاعم حول ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان تأتي في الوقت الذي يستعد فيه خليفة حفتر لزيارة روما اليوم الثلاثاء، حيث سيتم استقباله من قبل مسؤولين إيطاليين».

ويأتي ذلك بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق آمر المحاور بالقوات الخاصة «الصاعقة» النقيب محمود الورفلي، الذي يواجه اتهامات بإعدام سجناء، وإعطاء أوامر بتنفيذ عمليات قتل غير قانونية، وهي ما اعتبرته منظمة العفو الدولية و«هيومان رايتس ووتش» جرائم حرب.

أشار كل من غودمان ووايتنغ إلى «مقطع مصور تم نشره على موقع (يوتيوب) في 10 أكتوبر العام 2015، يسجل خطابًا ألقاه حفتر أمام مقاتلي الجيش الليبي، في 18 سبتمبر، دعا جنوده إلى عدم أخذ أي أسرى، وقال (ميدان المعركة هو الميدان) إنها نهاية القصة».

ونشرت مدونة «Just Security» العسكرية أيضًا تقريرًا تحدث عن خطاب آخر ألقاه حفتر في أغسطس الماضي، عقب لقائه الوزير البريطاني، «يناقش فيه تضييق الحصار حول مدينة درنة».

وقال غودمان إن «وضع حفتر كمواطن أميركي تجعله عرضة للقوانين الفيدرالية التي تجرم انتهاكات قوانين الحرب. وأي قرار لدعمه سواء ماليًا أو بأي وسيلة أخرى من قبل الولايات المتحدة يجب أن يتم توضيحه عبر وزارة العدل لضمان قانونيته».

لكن دبلوماسيين غربيين يرون أنه جزء أساسي من مستقبل البلاد. ففي زيارة أخيرة له إلى ليبيا، قال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون إن «حفتر له دور يلعبه في العملية السياسية»، وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن «حفتر والسراج أبديا شجاعة تاريخية في الاتفاق على وقف إطلاق النار».

للإطلاع على العدد (97) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفي هذا الصدد، يعتقد مسؤول سابق بالإدارة الأميركية أن «هدف حفتر الأساسي هو حكم الدولة بموجب حكم عسكري»، لكنه قال إن «المساعي الأوروبية لضم حفتر مفهومة وعملية، لأن إقامة حكومة مستقرة لن يكون ممكنًا دون دعمه».

جولات لا تتوقف لسياسيين وعسكريين من هنا وهناك، واسم ليبيا بند متكرر في الأخبار القادمة من عواصم عدة معنية بالأزمة، ووحده المواطن الليبي المنكوب، ينتظر، في صبر مرير، خبرا سارا من قريب، أو من بعيد.

المزيد من بوابة الوسط