رحلة إلى المستقبل: التجربة الإستونية والأزمة الليبية

تصنف دولة إستونيا، من قبل البنك الدولي، كأحد دول الاقتصاد المرتفع من حيث الدخل، وقد صنفت البلاد كذلك في المرتبة الأولى في المؤشر العالمي لحرية الإنترنت من مؤسسة بيت الحرية، وفي المرتبة الأولى في ريادة الأعمال من منتدى الاقتصاد العالمي. الدولة التي تقودها الرئيسة، كيرستي كاليولايد، تصنف الأولى في الاقتصاد الرقمي وتوفير الخدمات العامة في أوروبا. انضمت إستونيا في 1 مايو 2004 إلى الاتحاد الأوروبي وأصبحت ضمن 27 دولة عضو في منطقة اليورو.

وبما أن أهم ما تعلمت على الصعيد الشخصي من رحلتي لإستونيا هو أهمية نقل ومشاركة المعرفة، سأسرد هنا بعض تفاصيل الرحلة التي قد تساهم في تشكيل المرحلة المقبلة من المفاوضات على خارطة الطريق الليبية.

البداية: الإبحار نحو نظم اقتصادية جديدة
ابتدأ البرنامج بمناظرة حول الحاجة لنظام اقتصادي جديد، وشارك في المناظرة البروفيسور ستيف هانكي أحد منظري النيوليبرالية المخضرمين، والذي كان مستشارًا للبيت الأبيض في عهد الرئيس رونالد ريغان، وهي الفترة التي ازدهرت فيها النيوليبرالية في العالم من خلال النموذج الأميركي والبريطاني بقيادة مارغريت تاتشر. أما من الجانب التقدمي فكان المفكر الشاب جيسون هيكل حاضرًا، وهو الذي يقود مع آخرين الحراك التقدمي في أوروبا.

في جو من المهنية تم النقاش حول الحاجة لتغيير مؤسسي كبير في العالم، والحاجة الماسة لدمقرطة مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. تم عرض إحصائيات حول زيادة الفقر والبطالة وانخفاض النمو في اقتصاديات العالم لإثبات فشل الأنظمة الاقتصادية. وتمسك الجانب المدافع عن الليبرالية بنجاح التجربة الإستونية وأوعز فشلها في دول مثل زيمبابوي وجنوب أفريقيا للفساد المنتشر وانعدام الثقافة المؤسسية.

تصنف دولة إستونيا، من قبل البنك الدولي، كأحد دول الاقتصاد المرتفع من حيث الدخل، وقد صنفت البلاد كذلك في المرتبة الأولى في المؤشر العالمي لحرية الإنترنت

ودار النقاش حول المدارس الفكرية المختلفة، وحول أهمية تجديد هذه النظريات لعدم مواكبتها للتطور التكنولوجي والعولمة والتغييرات الحديثة في العالم. بهذا العصف الذهني ابتدأت رحلتنا نحو عالم مختلف وبعيد كليًا عن واقعنا اليومي، عالم يناقش رؤى بعيدة المدى ويضع على طاولة الحوار مستقبل البشرية، وهو مغاير للواقع اليومي في منطقتنا والذي يستحضر خلافات وكيانات من الماضي البعيد على طاولات التخطيط للمستقبل.

غرفة إستونيا الإلكترونية
تحت شعار «استطعنا بناء مجتمع إلكتروني».. ويمكنكم كذلك تم استقبالنا في غرفة إستونيا الإلكترونية، وهي المسؤولة عن برنامج الحكومة الإلكترونية ومشروع الإقامة الإلكترونية للتجارة.

تم إنشاء مشروع حكومة إستونيا الإلكترونية العام 1997، وخلال عقدين من الزمن تم تطوير المشروع ليشمل 99% من الخدمات الحكومية، وهكذا نجحت في إنهاء البيروقراطية وتم تشجيع الشعب على المشاركة في الانتخابات وتقديم الضرائب والمشاركة في النشاط الاقتصادي لسهولة وشفافية الإجراءات. وتوجت إستونيا هذا ببطاقة التعريف الإلكترونية، والتي تتيح للمواطن الإستوني التمتع بكافة الخدمات وحماية هويته الإلكترونية.

واليوم الإجراءات الوحيدة التي لا تتم عن طريق الخدمات الإلكترونية هي الزواج والطلاق ومعاملات بيع العقارات لاحتياجها لوجود موثق قانوني. يمكنكم زيارة موقعهم الرسمي للمزيد من الإلهام والمعلومات «https://eestonia.com».

هدية إستونيا للعالم
هكذا يعرف الإستونيون مشروع الإقامة الإلكترونية، بوابة التجارة الرقمية، والتي جاءت استجابة للتغييرات الجديدة في أوروبا وتأثيرها على المعاملات التجارية للعديد من الأشخاص والشركات، وخاصة في بريطانيا بعد قرار خروجها من الاتحاد الأوروبي. وكذلك لصعوبة العمل بسهولة لسكان دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا العمل في نطاق الاتحاد الأوروبي نظرًا لصعوبة الإجراءات مع التطورات السياسية الأخيرة في المنطقة. وصممت هذه البوابة كحل لاحتواء رواد الأعمال والتجار وتمكينهم من القيام بأعمالهم دون تمييز أو إقصاء أو معاناة بسبب جنسياتهم أو مواطنهم.

تصنف إستونيا الأولى في الاقتصاد الرقمي وتوفير الخدمات العامة في أوروبا. انضمت إستونيا في 1 مايو 2004 إلى الاتحاد الأوروبي وأصبحت ضمن 27 دولة عضو في منطقة اليورو

تقوم فكرة هذا المشروع على تقديم هوية رقمية لأي شخص، في أي مكان ومن أي جنسية دون شرط أو قيد، و بهذا يتمكن أصحاب الأعمال من الوصول الكامل إلى كافة الخدمات الإلكترونية التجارية في إستونيا. وكذلك تتيح لهم القيام بالمعاملات التجارية في الاتحاد الأوروبي، مصحوبة بكافة الأدوات اللازمة لتسهيل إدارة الأعمال، مثل الخدمات القانونية والمالية والمحاسبية واللوجستية وغيرها.

وما يميز هذا المشروع هو قيامه بتنفيذ مبدأ الشراكة بين القطاع العام والخاص. فالدولة تمتلك المشروع وإدارته، وكل الخدمات المصاحبة اللازمة لإدارة المشروع تقوم على تشجيع الشركات الخاصة والمشاريع الريادية. وبهذا تضمن الدولة نمو هذه المشاريع وتوفيرها لفرص عمل. للتسجيل يمكنكم زيارة الرابط: «https://apply.gov.ee/».

 

الغذاء المستدام
تمت دعوتنا إلى حفل عشاء خاص على شرف رئيس وزارء دولة إستونيا،يوري راتاز، عند حضور الرئيس شد انتباهنا حضوره بموكب مؤلف من سيارة واحدة تحمل حارسًا شخصيًا واحدًا تكاد لا تلحظه العين، على الرغم من أن العشاء مقام في صالة متحف عام في قلب مدينة تالين.

قام رئيس الوزراء الشاب يوري راتاز بالترحيب بالحضور، وأشار إلى أهمية العمل نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة بقوله: «يمكننا المساهمة في الحفاظ على عالمنا من خلال أنشطتنا اليومية».

وقام رئيس الوزراء الشاب يوري راتاز بالترحيب بالحضور، وأشار إلى أهمية العمل نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة بقوله: «يمكننا المساهمة في الحفاظ على عالمنا من خلال أنشطتنا اليومية». وأضاف: «الاهتمام بالبيئة وبالأغذية المستدامة هي أحد الطرق المثالية لتحقيق هذا». وشدد على أهمية دور المفكرين والنشطاء ورواد الأعمال في نشر التوعية حول أهمية العمل نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وقدم الطباخ الرسمي للرئيس محاضرة حول مبادئ الغذاء المستدام، وشرح أن كل مكونات العشاء ستقدم من بقايا الأكل التي نقوم بالعادة برميها أو عدم استخدامها. وتم تقديمها بالفعل بشكل مميز ولا عجب في ذلك، فنحن في تالين موطن الابتكار والاختراعات.

ميركتوري: حاضنة التكنولوجيا
ميركتوري هي جزء من جامعة تالين للتكنولوجيا، وتهدف الحاضنة لأن تكون تجمعًا للعلماء والمفكرين والطلاب ورجال الأعمال لحل المشاكل وتطوير وابتكار المنتجات والتطبيقات الجديدة. وكما تعمل على أن تكون حاضنة لتوليد الأفكار الجديدة وتطويرها من مجرد أفكار أو دراسات نظرية إلى الجانب العملي والتطبيقي. الربط بين الجانب النظري والأكاديمي والجانب العملي التطبيقي هو أحد أهم عوامل نجاح إستونيا في مجال التكنولوجيا والابتكار.

والجدير بالذكر أن الحاضنة ليست فقط معملاً للاختراعات والابتكارات، ولكن عن طريق سياسة خاصة يتم خلق جيل ريادي من خلال تنمية ثقافة الابتكار والريادة لدى النشء، وذلك بإشراك الأطفال في المدارس عن طريق برامج عديدة وزيارات للحاضنة، حيث يتم شرح مفاهيم الهندسة والتكنولوجيا والعلوم. للاطلاع:«https://www.ttu.ee/mektory-».

الختام: مخاطر الذكاء الاصطناعي على البشرية.
واختتمت فعاليات المؤتمر بحديث عالم البرمجيات المفكر يان تالين، مؤسس برنامج سكايب وبرنامج كازا، والذي يعتبر أحد مؤسسي فكر الذكاء الاصطناعي. وقد أسس مؤخرًا مع آخرين مركز دراسات يهتم بالبحث والتوعية حول الخطر الوجودي الذي قد يشكله الذكاء الاصطناعي على البشرية.

إن العالم يشهد نهاية حقبة من التاريخ التي يعتبر فيها العقل البشري هو العامل المهم للتطور. بهذا استهل تالين الحديث عن الذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أن الاقتصاد القائم على البشر لن يصمد طويلاً، وأن مسؤوليتنا هي أن نكون مستعدين لذلك. ولعل أهم ما ذكر هو مخاطر التطور على صناعة الأسلحة والتي ستجعل إزهاق الأرواح عملية سريعة ومنخفضة التكلفة. وكما اختتم تالين الحديث بقوله إن على الحكومات والمفكرين والمطورين جميعًا مسؤولية طرح الأسئلة ونقاش مواضيع هامة تبدأ من الإجابة عن تساؤلات مثل من نحن؟ ماهو العالم؟ وما مدى صمودنا أمام الاقتصاد التصاعدي «Ascended economy».

دروس إلى ليبيا
تتشابه إستونيا مع ليبيا اليوم في أنها دولة خرجت من تحول سياسي كبير وتختلف الحالة الإستونية في عدم اندلاع حرب أهلية. وكذلك تتشابه في قلة الموارد أو محدوديتها. استطاعت إستونيا في عقدين من الزمن أن تتجاوز كل هذه التحديات وأن تقف في مصاف دول العالم المتقدم.

تتشابه إستونيا مع ليبيا اليوم في أنها دولة خرجت من تحول سياسي كبير وتختلف الحالة الإستونية في عدم اندلاع حرب أهلية.

قد تكون لدى ليبيا فرصة في استنساخ فكرة الحكومة الإلكترونية للقضاء على الفساد والبيروقراطية وعدم فاعلية الأجهزة الحكومية في توفير الخدمات العامة، أو استلهام طرق حديثة لتشجيع الريادة وتسهيل المعاملات التجارية، أو تشجيع الابتكار ببناء حاضنات للتكنولوجيا. ولكن من وجهة نظري فإن إستونيا تقدم ما هو أهم من كل هذا وهو ما يتوجب أن يضعه صناع القرار في هذه المرحلة نصب أعينهم للوصول بالبلاد لبر الأمان، ويمكن تلخيص هذا في ثلاث نقاط جوهرية:
أولاً: بناء الثقة. خلال عقدين من الزمن نجحت الحكومة في إستونيا في الانتقال من نظام اشتراكي تحت مظلة الاتحاد السوفييتي، إلى بناء نظام إلكتروني حديث لتيسير كل المعاملات الحكومة وإنهاء كل البيروقراطية والمعاملات الإدارية الطويلة. من خلال تقديم الخدمات العامة والحرص على التقدم والتطور، استطاعت الدولة بناء أواصر ثقة عميقة مع مواطنيها، الذين يقومون بطيب خاطر بتقديم كشوفات الضرائب والتسجيل في الانتخابات، بالإضافة لمساهتمهم في أعمال الريادة والابتكار بفعل ما أتاحت لهم بلدهم. بناء الثقة ليس مجرد تدابير تكتب في اتفاقيات خارج حدود الوطن، بل هو العمل والفعل والنتائج التي تجعل المواطن يدرك أن الدولة تعمل معه ولأجله لبناء الدولة.

ثانيًا: الفخر بالهوية الوطنية. لا يخجل الإستونيون من تاريخهم في فترة الاتحاد السوفييتي، ويرون في اختلاف أعراقهم قوة لا ضعفًا. فهم شعب خليط من الإستونيين والروس والفنلنديين، وتجد بصمات هذا في لغتهم، ولكنهم تمكنوا من بناء هوية موحدة. في خلال العروض كان الجميع يتكلم بفخر عن كونه من إستونيا البلد الصغير في الحجم والتعداد والموارد والتي استطاعت بناء نفسها عن طريق الابتكار والاختراع.

ثالثًا: النهوض بعد الانهيار. تقدم إستونيا ما هو أكثر من مشروع الإقامة الإلكترونية، فهي تقدم درسًا في التفاني في حب الوطن، والذي مكنهم من لملمة بقايا الاتحاد السوفييتي ودراسة أفضل السبل للنهوض بالدولة. وبفضل الإرادة السياسية لصناع القرار في إستونيا، استطاعت الدولة أن تنهض من الرماد وأن تكون دولة رائدة ونموذجًا يحتذى به العالم في مجال التكنولوجيا والبرمجيات.

المزيد من بوابة الوسط