الصراع من أجل مستقبل ليبيا ما بعد القذافي الحلقة «13»

كان النفط وسيظل عنصراً أساسياً في التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ليبيا. لقد لاحظ عالم الاجتماع الليبي، مصطفى التير، أن تحديث وترشيد الاقتصاد الليبي لم يكن سببه النفط، وإنما الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة التي تم اختيارها وترسيخها «لعله يقصد قبل اكتشاف النفط».

لقد حاول نظام القذافي تقييد التحولات المتعلقة بالنفط، واحتواءها من أجل التقليل من تأثيرها على المجتمع ككل إلى أدنى حد ممكن. ولقد نفذت هذه العمليات بشكل مختلف عما كان عليه في الخليج، حيث أدت الثروة النفطية إلى قيام دولة متحضرة ومرفهة بدرجة كبيرة، مع وضوح التأثيرات الثقافية الأجنبية مزعزعة للاستقرار «المتعارف اجتماعياً عليه» بتحديث اقتصادي نال قبولاً على نطاق واسع.

سياسة القذافي وضعت العوائق أمام تمدن وتحضر المجتمع الليبي ومؤسساته

أما في ليبيا، فحرص نظام القذافي على عكس ذلك، إذ كان حريصاً بإصرار واضح على تحديث القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية. بل ظل يسعى أيضاً، إلى الحفاظ على الإطار التقليدي للمجتمع الليبي من التأثيرات «التخريبية» أو المفسدة من تأثيرات التكنولوجية والأجنبية.

ولقد نتج عن هذه السياسة وضع العوائق في طريق تمدن وتحضر المجتمع الليبي ومؤسساته. «مختلف محاولات القذافي غير الناجحة لإعادة هيكلة الاقتصاد الليبي وتحفيز التنافس، والتنويع، وخلق فرص العمل»، سوف يناقشه رونالد بروس سانت جون في الفصل «3».

العقد الاجتماعي
لقد شكلت وفرة الثروات الطبيعية القوة الرئيسية التي مولت مغامرات القذافي الداخلية والخارجية، وكان أخطرها تداعيات وإيرادات الثروة النفطية، فهي التي وفرت للنظام القوة المالية اللازمة لتحقيق نهايتين متناقضتين في آن واحد. الأولى وفرت للدولة الظروف المواتية لاختراق المجتمع والسيطرة عليه وخلق نظام من عملاء محليين- وكذلك خارجيين- ينفذون ما يريده النظام. إن وفرة عوائد النفط مكنت الدولة من ممارسة الاستعباد بجميع أشكاله دون الحاجة إلى فرض الضرائب على المواطنين. فالنفط تكفَّل بالتمويل وتحررت الحكومة من حاجتها إلى الشعب.

الأدب الأكاديمي الحالي يشير إلى أنه في دول الخليج، على سبيل المثال، ثمة علاقة ما بين منح الدولة لشعوبها، وقبولهم بشرعيتها. وعلى الرغم من أن ذلك ليس الشكل الذي توخاه روسو، ولكنه بالتأكيد شكل من أشكال العقد الاجتماعي. وبما أن الحكومة الليبية لديها وسائل مادية طائلة من الثروة الهيدروكربونية المتاحة لها، تكون التنازلات الديمقراطية لم تكن جزءاً من هذا «التعاقد الاجتماعي».

القبيلة والنفط هما المؤثر على شكل الدولة الليبية في المستقبل

ولا يخفى أن النفط - الليبي - لعب دوراً حاسماً في تحديد استراتيجيات دولية، وأيضاً في العلاقة مع القوى العالمية تجاه ليبيا؛ ولقد اتضح تماماً تأثير هذه القوى المتمثلة في موارد الطاقة في ليبيا في المناقشات لإقرار العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على ليبيا من العام 1992 إلى العام 1999 بسبب قضية لوكيربي.

إذ استغرقت المناقشات فترة طويلة بين الجهات الفاعلة الدولية - ولا سيما ألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة - من أجل التوصل إلى اتفاق على فرض تلك العقوبات. والواقع أن العديد من البلدان الأوروبية تعتمد بشكل كبير على إمدادات النفط الليبيى، في حين أن الولايات المتحدة لا تعتمد كثيراً عليه، وهذا ما جعل التوافق في الآراء صعباً.

وعلى الرغم من أن أميركا كانت تبذل جهداً بارزاً لإعادة تأهيل القذافي وإخراجه من العزلة، متطلعة إلى أن تصبح ليبيا جزءاً من المجتمع الدولي، وبالتالي قد تقوما بأعمال تجارية مشتركة.

غير أنهم يشيرون إلى مواقفهم في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، من التهميش الأميركي والبريطاني للقذافي وإبعاده من الساحة العالمية، ومع بداية ثورات العام 2011، ظلت ألمانيا وتركيا وإيطاليا مترددة تماماً في الانضمام إلى التحالف ضد القذافي. كان لهذه الدول مصالح وطنية واضحة في الحفاظ على إمدادات النفط والغاز من ليبيا، وإن احتمال القيام بعمل عسكري مبكر يضع مصالحهما في خطر. «سوف يناقش هذا الشأن في الفصل 4».

وما أن تحرر الجزء الشرقي من البلاد، حتى تدفقت على بنغازي الشركات الغربية، ومسؤولو حكوماتهم، حريصين على تقديم الدعم للثورة، وإن كانوا، أيضاً، حريصين على تأمين صفقات النفط القائمة أو الجديدة.

في ضوء ذلك كله ، لم يكن من الممكن لأي محلل تجاهل موارد الطاقة في ليبيا كعامل مهم لمستقبل البلاد. تاريخ ليبيا المعاصر والتطورات منذ فبراير 2011، متزامنة مع موقف القوى الكبرى ضد القذافي، التي لم يحرك استراتيجيتها إلا دور النفط. أما في ما يتعلق بتأثير القبيلة والنفط، المتداخل في الماضي والحاضر والمستقبل في ليبيا يجب ألا يغفل بسبب أهميته. فهو المؤثر تماماً، هو الشكل الذي ستتخذه الدولة الليبية، كأن تكون موحدة أو اتحادية أو لامركزية أو غيرها.

في العام 2007، وصف مفكر ليبي مُتمكن- يقصد الأستاذ سالم العوكلي- الأثر السلبي للامركزية على الواقع الليبي كما كان يمارس خلال النظام الملكي، ومن بعده نظام القذافي، يقول ما معناه: «لقد أدى تفكك المركز إلى الحد من إمكانية إنشاء المركزية المدنية كقوة تقدمية ضمن رؤية استراتيجية موحدة، بل وفرت بدلاً من ذلك مجالاً للمنافسة بين المناطق المشتتة والصراع على الموارد».

تجارب اللامركزية تنتهي دائماً بتشويه الديمقراطية
اللامركزية تقوي الرجعية المحلية وتضعف الوعي السياسي العام، ومن زاوية أخرى، فرضت البنية القبلية تشكيل المجتمع الليبي، من خلال اللامركزية، ثقافتها التقليدية على أدوات تنفيذ التنمية والتحديث لمشاريع في مجتمع هو في حاجة ماسة إلى استخدام أكبر قدر من العلم والمؤهلات والقدرات الفنية. «راجع مجلة عراجين، بتاريخ 6/1/2007 عنوان الموضوع نقاش الديمقراطية في ليبيا».

وفرة عوائد النفط مكنت الدولة من ممارسة الاستعباد بجميع أشكاله دون الحاجة إلى فرض الضرائب

ولقد اتصلت بالكاتب سالم العوكلي مستفسراً فبعث بما كتبه وأرى أن أورده مثلما وصلني لأهميته : «رغم مطالبة الناس منذ بداية الانتفاضة باللامركزية فإني أرى أن المركزية في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة مهمة من أجل لم شمل الكيان الليبي الذي بدا على حافة التقسيم تحت رهاب المركزية ومخاوف التهميش. وأعني المركزية الإدارية المتعلقة بصناعة القرار وليست المركزية المكانية، وأهميتها تتمثل في إمكانية التحكم تدريجياً في إعادة السيادة للدولة بعد أن تحولت أرضها ملعباً لقوى العالم الذكية والغبية، وإمكانية متابعة القرارات الصادرة ومراقبة تنفيذها، وفي تحجيم مساحة الفساد أفقياً، وفي خلق مناخ مناسب للسياسة الخارجية المهمة في هذه المرحلة»، هذا ما ذكرته في المقالة المشار إليها وأيضاً في مقالة: «رسالة إلى السراج».

أما النص التالي فمن مقالة «وصية الشهيد»: «اللامركزية آلية إدارية وليست ذريعة لتقسيم ليبيا التي لا تقبل القسمة إلا على نفسها، وسبق أن ذكرت ذلك، إني مع المركزية بشكل موقت لأنها في هذه الفترة العلاج الوحيد للفساد الذي تفشى بيننا طيلة العقود الماضية، ولأن نظام القذافي الجماهيري كان ضد المركزية، حيث وزع الدخل على الشعبيات، وبقدر ما كان يزيد عدد الشعبيات كان يزيد عدد اللصوص بالآلاف».. انتهى كلام سالم العوكلي.

تفاعل «الحركة الدائمة» والمظاهر السياسية
هذا الفصل أعد بتوسع ليبرز أن الحركة كانت موجودة مسبقاً، ولكنها برزت سياسياً واجتماعياً على حد سواء منذ بداية الثورة ضد القذافي.

أبرز مظاهرها تلك المجموعات المرتبطة بالإسلام، التي تتوقع دوراً سياسياً كبيراً لها في ليبيا الجديدة، وأن الجماعات غير الدينية يجب عليها أن تتوافق معها كشرط لتحافظ على بقائها سياسياً.

تتعاضد الحركات الإسلامية اليوم بهدف تحقيق دولة إسلامية. وهم يرون أنه بالإمكان تحقيق ذلك بحسب معطيات التاريخ الليبي.

لم ترفض أي من القوى السياسية البارزة علناً الديمقراطية، على الرغم من تشدد التيار السلفي وقناعته بتناقض الديمقراطية مع السلف الصالح، أي مع «السلفيين المتدينين». السلفيون يشددون ويؤكدون على السوابق التاريخية للشورى «التشاور» ودور أهل الحل والعقد «المخولون بالتوقيع على الاتفاقات وإلغائها».

ولعل الباحث يقصد إلى سلطة أولياء الأمر، ويعد «الإخوان المسلمين» أفضل الجماعات الإسلامية الأخرى تنظيماً، ولها تحفظات حول الديمقراطية، ولا سيما تلك التي عبر عنها علي الصلابي في كتابه عن الشورى، حيث يعتبر الشورى ملزمة قانونياً وبديلاً إسلامياً أصيلاً للديمقراطية التي ابتكرها الغرب.

بسبب مصالحها النفطية ترددت ألمانيا وتركيا وإيطاليا في الانضمام إلى التحالف ضد القذافي

وهم يرون أن الديمقراطية أداة، أو تقنية لاستخدامها في إنشاء آلية للحكم، ولكن يجب أن تكون هياكلها الأساسية وشرعيتها من داخل الإسلام.

إنهم يحاولون، على كل حال، ويثابرون على إبراز طابع حديث من خلال الإعراب عن عدم اعتراضهم على «الدولة المدنية» ما دام ذلك لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية بما يتلاءم مع صياغة المفكر الإخواني سيد قطب. ومع ذلك، لا يترددون في تشويه سمعة العلمانية، ويتنكرون من أي دعوة علمانية.

أما بالنسبة للتيارات الليبرالية والقومية واليسارية، فهذه لا تشكل كيانات منظمة بشكل واضح، على الرغم من مزاعم أنصارها بعكس ذلك، بل ويدعو المتحدثون باسم هذه الكيانات إلى إقامة دولة مدنية، ويحذرون في الوقت نفسه من أن الخطر على الديمقراطية ليس فقط لخلوها من أي محتوى اجتماعي أو اقتصادي، ولكن أيضاً في احتمال الهيمنة عليهم تحت مسمى إسلامي.

ولقد انتقدوا توظيف الدين للسيطرة على الجمهور واتهموا الإسلاميين بالتمويه وإخفاء نواياها الحقيقية من خلال استخدام واجهات ديمقراطية، حيث لا يتم العمل بالديمقراطية حين وصولهم إلى السلطة، إذ ينقلبون بمهارة على النظام الديمقراطي.

والواقع هذه التيارات «الليبرالية» تعاني نقص التنظيم الفعال على مستوى القاعدة الشعبية، ولم تول قياداتهم اهتماماً كافياً إلى المسائل الإعلامية التوضيحية والتنظيمية، وإن كان المحتوى يظهر أن رهان الليبراليين مؤسس على الاعتدال الديني التقليدي لليبيين.

حال الدولة بعد انتخابات المؤتمر الوطني العام
كان من السابق لأوانه، مع نهاية 2012، معرفة ما إذا كانت هذه المواقف «الليبرالية» وانتصارهم في انتخابات المجلس الوطني العام يوليو 2012 تخفف بشكل حاسم حماس الإسلاميين.

لقد أبرزت المناقشات الساخنة التي استمرت في الفترة التي سبقت الانتخابات العداء الجوهري بين تيار الليبراليين والإسلاميين.

وكان ذلك واضحاً بجلاء في حوادث التشهير الشخصية المبلغ عنها، والاعتداءات السياسية اللفظية على قيادة تيارات سياسية أخرى.

في هذا الاتجاه، جاء بيان محمد صوان «زعيم حزب العدالة والتنمية في جماعة الإخوان المسلمين» في 13 يوليو 2012 الذي ادعى فيه أن «محمود جبريل شارك القذافي وجهات النظر حول الشريعة»، وبحلول نهاية العام 2012 بدا أن هناك القليل من الذرائع، من المرجح أن تسمح بتعاون محدود بين المجموعات المعادية مسبقاً.

العوكلي: «تفكك المركز حدَّ من إنشاء المركزية المدنية ووفر مجالاً للمنافسة والصراع على الموارد»

الإسلاميون المعتدلون والليبراليون لا يختلفون حول قضايا الوحدة الوطنية، وتطوير البنية التحتية على مستوى الدولة، والتكامل مع الاقتصاد العالمي. ومن ثم يواجه التياران منطقاً قوياً للتعاون في مواجهه القبلية والإقليميين والميليشيات المحلية والمتطرفين الذين يعارضون مثل هذه السياسات.

ويبدو أن هذا العداء ساد خلال المرحلة الانتقالية وبان جلياً في الجانب الإسلامي، في مقدمته جماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية للتغيير، التي يقودها عبد الحكيم بلحاج، أحد قادة الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة السابقين.

ولقد استقال بلحاج من منصبه كرئيس لمجلس طرابلس العسكري، وأكد علناً إيمانه بالديمقراطية والدولة المدنية، لقد صرح بذلك بقناة «BBC» في 25/5/2012. وبالفعل شكل حزباً سياسياً، أطلق عليه «حزب الوطن»، ودخل الانتخابات.

ولكن العديد ما زالوا يتساءلون عن نواياه الحقيقية، وروابطه الوثيقة مع قطر، ومؤشرات استعداداته للجوء إلى العنف من أجل تحقيق طموحاته.

قد يكون الفشل المدقع لحزب «الوطن» في الانتخابات لا يفسر ليس فقط رفض الليبيين جميع أشكال المواجهة، ولكنه أيضاً مؤشر قوي على عدم موافقتها من المشاركة الأجنبية في العملية الانتقالية.

ولعلنا إن قلنا، أيضاً، رفض الليبيون فرض الرأي بقوة السلاح، حتى وإن كانت دوافعه إسلامية أمر مرفوض، ولعل تسمية الجماعة بالمقاتلة والليبية أيضاً مرفوضة باعتبار أنها ستقاتل ليبيين. «الفصل 7 يتعمق في محاولات الإسلاميين - الإخوان المسلمين، والجماعة الليبية المقاتلة، والسلفيين - لتحويل أنفسهم إلى أحزاب سياسية قابلة للحياة لها جذور حقيقية في النظام الاجتماعي الليبي. ويظهر أن الإخوان فقط نجحوا في هذه العملية».

الخاصية المحلية
ما يلفت الانتباه أنه في أعقاب نتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام في7 يوليو 2012 بانت قوة مشاعر الانتماءات المحلية والإقليمية داخل المؤتمر. لقد أثارت الثورة ضد القذافي مشاعر الكثير فتجمع المتعصبون وتعاضدوا من أجل مصالحهم المحلية - خاصة في المناطق أو المدن مثل مصراتة وبنغازي والزنتان - التي كان لها أدوار بارزة في قيام ودفع الثورة. وهو ما اتضح في دعوة بنغازي إلى أن تكون العاصمة الجديدة أو منح مصراتة بشكل ما حصة كبيرة من المناصب الحكومية.

لقد تجسدت أيضاً حقيقة مفادها بأنه بعد الانتخابات مباشرة، لم تكشف كل من مصراتة أو الزنتان أي رغبة في إخطار الحكومة المركزية بمخابئ الأسلحة الضخمة التي كانت مخزنة بمعرفتهم، أو إظهار أية نية في تسليمها.

إن قضية الأطراف القوية التي يتعين أن تتنازل عن سلطتها إلى المركز الضعيف هي واحدة من الصعاب التي قد تستغرق سنوات كي تتحقق، ففي شرق ليبيا، حيث للنزعة القبلية والمحلية دور مؤثر، لا تتطابق بالضرورة الدعوة إلى الفيدرالية أو المطالبة بمعاملة متميزة لبنغازي بالضرورة مع مصالح قوة الإسلاميين السياسية.

والواقع أن العامل القبلي كان أكثر خطورة، جراء تداخله مع دعوات انفصالية إقليمية. ولقد عقد المنادون بالفيدرالية، أو الانفصالية في مدينة البيضاء «التجمع الوطني لسكان برقة» في أكتوبر 2011، هذا التجمع الذي كان في الأساس تجمعاً قبلياً.

الإسلاميون المعتدلون والليبراليون لا يختلفون حول قضايا الوحدة الوطنية والتكامل مع الاقتصاد العالمي

ومن خلال الإشارة إلى ظهور تدريجي من القوة - التي سبق أن وضحت في الفصل الأول- وهي قوة تجمع المحيطات المحيطة بالمركز، وعودة ظهور السياسات القبلية في شرق ليبيا، يمكن للمرء أن يفهم موقف قبيلة العبيدات القوية، التي تركزت على مدينة درنة.

والحقيقة أنا كقارئ ومترجم لهذا البحث ومتابع للأحداث والإرهاصات التي سبقت ثورة 17 فبراير بما في ذلك العهدان الملكي والجماهيري، لم أسمع عن أية دعوة انفصالية، وإن كان هناك من لا يفرق بين الفيدرالية كنظام سياسي وبين الانفصال.

ولقد أصدرت قبيلة العبيدات بياناً مشحوناً بالعاطفة يدعو إلى تحقيق اللامركزية بعد مقتل عضوها اللواء عبد الفتاح يونس العبيدي، في 28 يوليو 2011. كان اللواء عبد الفتاح انشق عن قوات القذافي في الأيام الأولى للانتفاضات وتولى قيادة جيش المجلس الوطني الانتقالي.

ولكن هذه الحالة اختلفت في منطقة مصراتة، حيث ظهرت علاقة بين المشاعر الإسلامية الحالية والمحلية. إن مصراتة تتمتع بمكانة قوية في ليبيا الجديدة، ولا تحتاج إلى دعوة للفيدرالية لضمان مصالحها، وهي تشاطر هذا المنظور مع الإسلاميين الذين يميلون أيضاً إلى معارضة الفيدرالية ويسعون للسيطرة على المركز الليبي.

هذا «التحالف» الضمني كان واضحاً على حد سواء بين الإسلاميين والمصراتيين، وأبديا امتعاضهما من بعض الشخصيات الرائدة في التيار التقدمي والليبرالي في الحكومة الموقتة. وإلى جانب هذا التطور، تعد مصراتة المنطقة الأكثر استقلالية في ليبيا، حيث قامت بمفردها بالإدارة والعلاقات الخارجية دون الرجوع إلى المجلس الانتقالي الوطني.

وفي الوقت ذاته، طرد قادة مصراتة سكان مدينة تاروغاء المجاورة ، فتشردوا نازحين داخل وخارج ليبيا، فيما ظل مسؤولو المجلس الوطني الانتقالي عاجزين عن إيجاد أي حل لهذه القضية.

هذا التطهير الإثني المستمر يشكل بوضوح سابقة محفوفة بالمخاطر. على الرغم من وجود إجماع شبه وطني حول ما قام به العديد من سكان تاورغاء للمصراتيين، بدءاً من القتل، والاغتصاب، والاعتداء، والتخريب، والسرقة، غير أن تشريد القرية بأكملها تجاوز جميع التوقعات والتناسب.

والحقيقة أن القول إن ما حدث في تاورغاء هو «تطهير أثني» ليس حقيقياً فلم يكن الدافع هو بسبب الشكل أو اللون، وإنما كان كرد فعل تجاه أخطاء أو تجاوزات تحدث في أية حروب، بعض سكان تاورغاء أجرموا في حق جيرانهم ويستحقون قصاصاً، ولكن من الخطأ أن نعاقب الكل بما فعلته قلة.

أما بالنسبة لمنطقة جبل نفوسة، فيبدو أن الوضع الذي يشكل انفصاماً عربياً - أمازيغياً، قد أدى إلى تكثيف التنافس بين صفوف رافضي القذافي، ضد محاولاته استقطابهم من أجل وقف الثورة ضده، لكن ذلك فشل، وسرعان ما انضم الجبل إلى الانتفاضات. وسنعرف تفاصيل ذلك في الحلقة القادمة.

المزيد من بوابة الوسط