سلامة يضع الاتفاق وأجسامه وراءه ويطرح خطة «الإنقاذ»

مثلما انطلقت دولة ليبيا إلى الاستقلال بقرار من الأمم المتحدة، ها هي تعود من جديد لتعيد بناء الدولة من نفس المقر الأممي في نيويورك، حيث عرض رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، غسان سلامة، خطته لإنقاذ ليبيا خلال سنة واحدة، ووفقا لسلامة فالخطة ليست خطته وإنما خطة الشعب الليبي التي تولى جمعها وصياغتها بعد زيارته لمعظم المدن والبلدات الليبية، والاستماع إلى شرائح واسعة من سكان البلاد كأساتذة الجامعات والأطباء والتجمعات النسائية وغيرها.

للإطلاع على العدد (96) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ترتكز خطة سلامة على تعديل الاتفاق السياسي الذي وقعت عليه الأطراف الليبية يوم 17 ديسمبر 2015 بالصخيرات المغربية، وتتضمن المرحلة الأولى من الخطة وفق ما عرضه أمام الاجتماع الدولي رفيع المستوى الذي عـقد بمقر الأمم المتحدة في نيويورك برئاسة الأمين العام أنطونيو غوتيريس أمس الأربعاء، «تعديل الاتفاق السياسي الليبي»، منوها إلى أنه «في الأسبوع المقبل، وفقا للمادة 12 من الاتفاق السياسي، سوف تعقد في مكاتب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لجنة لصياغة وضع هذه التعديلات».

وتشمل المرحلة الثانية من الخطة عقد «مؤتمر وطني تحت رعاية الأمين العام للأمم المتحدة، يهدف إلى فتح الباب أمام أولئك الذين تم استبعادهم، وأولئك الذين همشوا أنفسهم، وتلك الأطراف التي تحجم عن الانضمام إلى العملية السياسية»، و«يجمع أعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وغيرهم كثيرا ممن تمثيلهم ضعيف أو غير ممثلين على الإطلاق في هاتين الهيئتين»..وبالتالي سيكون للمجموعات المسلحة تمثيل في هذا المؤتمر، كما سيكون لأنصار النظام السابق ممثلون عنهم، حتى وإن لم يذكر سلامة ذلك، بالإضافة إلى الأقليات التي قاطعت هيئة صياغة الدستور.

وتشمل الخطة أيضا إصدار تشريعات تسمح بالاستفتاء على مشروع الدستور، وانتخابات رئاسية وبرلمانية العام القادم، حيث قال سلامة: «على مجلس النواب إيلاء الأولوية لإصدار تشريع لإجراء استفتاء دستوري وانتخابات برلمانية ورئاسية». كما نوه إلى أنه «ستكون الفرصة متاحة أمام هيئة صياغة مشروع الدستور لمراجعة وتنقيح عملها، مع الأخذ في الاعتبار الملاحظات والاقتراحات التي قدمت أثناء المؤتمر الوطني».

تشمل الخطة استعداد المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لهذه الأحداث الانتخابية، وإقامة حوار مع الجماعات المسلحة بهدف إدماج أفرادها في العملية السياسية والحياة المدنية

كما تشمل الخطة استعداد المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لهذه الأحداث الانتخابية، وإقامة حوار مع الجماعات المسلحة بهدف إدماج أفرادها في العملية السياسية والحياة المدنية، وأن تكون هناك مبادرة لتوحيد الجيش الوطني، واستمرار جهود المصالحة المحلية وتكثيفها، بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لمعالجة قضية النازحين داخليا.

تبدو الخطة مغايرة إلى حد كبير لخطط المبعوثين الأمميين السابقين، ربما لأن سلامة لم يستمع فقط للسياسيين المحترفين، وإنما استمع أيضا لأطياف واسعة من الشعب الليبي، ووفقا للمقابلة التي نشرتها جريدة الحياة يوم الخميس الماضي قال: «ما نشهده في ليبيا ليس انقسام البلاد إلى منطقتين أو ثلاث أو أربع، بل عملية تشظ إلى عشرات الشظايا المحلية، حيث هناك خلافات أو مساومات أو تفاهمات محلية. لذلك ما يغلب حاليا على السياسة والأمن في ليبيا هو الطابع المحلي، الذي يشي بأمر آخر هو انعدام الخطاب الوطني، فالهوية الوطنية شبه غائبة. مضيفا: لا أحد يتكلم باسم ليبيا تقريبا، فكل يتحدث باسم مدينته أو قبيلته أو منطقته. لذلك يسعى كل الفرقاء لنيل حصة من عائدات النفط، والمؤسسات السياسية، ولكن يصعب حاليا العثور بين السياسيين على من يفكر بالوطن الليبي الجامع. واستطرد سلامة قائلا: صحيح أن مساحة ليبيا كبيرة، وأكبر مفاجأة لشخص مثلي هي أن حجمها يبلغ ثلاث مرات مساحة فرنسا ومرة ونصف مساحة مصر، مع عدد سكان متواضع يبلغ نحو 6 ملايين ونصف المليون نسمة، لكنهم موزعون على شبه قارة، فبالتالي يهيمن الجانب المحلي. ويمكن أن يستنفد وسيط الأمم المتحدة كل قواه في معالجة الخلافات المحلية وينتهي بنسيان مهمته الأساسية، وهي المسألة الوطنية الليبية الجامعة.

للإطلاع على العدد (96) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ويؤدي هذا التفكك إلى تزايد التدخلات الخارجية، إما بهدف دعم فريق محلي أو بهدف القضاء على التنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة، أو بهدف وقف تدفق المهاجرين عبر ليبيا. وكل هذا يشير إلى ضرورة عودة الدولة لأن الحلول المطبقة حاليا من قبل الدول المتدخلة كلها قصيرة المدى كحبات الأسبرين. الحل الوحيد يكمن في إعادة قيام سلطة موحدة شرعية مقبولة من الجميع تقدم الخدمات لليبيين».

سلامة: «جوهر الخطة التي نتقدم بها هو إحياء المؤسسات، إذ إن هناك حاليا ثلاثة أنواع من المؤسسات في ليبيا، بعضها انقسم قسمين أو ثلاثة»

وتتضمن خطة سلامة أيضا إحياء المؤسسات قائلا إن «جوهر الخطة التي نتقدم بها هو إحياء المؤسسات، إذ أن هناك حاليا ثلاثة أنواع من المؤسسات في ليبيا، بعضها انقسم قسمين أو ثلاثة، ومؤسسات خطفها من تسلمها، وأخرى نائمة لا تقوم بدورها.

فهدف الخطة هو تحرير المؤسسات المخطوفة وتوحيد المؤسسات المنقسمة وإيقاظ المؤسسات النائمة. عمليا مفتاح ذلك هو تعديل اتفاق صخيرات السياسي وهو أمر يحظى بتوافق واسع في ليبيا، لا بديل عنه لغياب أي شبكة أمان خارج إطاره. فهو المرجع الوحيد المقبول، لكنه لم يعد يناسب تطور الأوضاع وثبتت في مناسبات عدة ضرورة تعديله.

كما أن هناك نوعا من الاتفاق الضمني بين الليبيين على ضرورة تعديله، لذلك دعوت وفق المادة 12 من الاتفاق السياسي وسبل تعديله، ممثلين عن مجلس النواب في طبرق ومجلس الدولة في طرابلس لإرسال وفدين للتفاوض على صياغة التعديلات وليس لإقامة حوار جديد، في 26 من الشهر الجاري، أي بعد أقل من أسبوع. هذه الخطوة الأولى، أما الخطوة الثانية فهي إقرار التعديلات في مجلس النواب وهو أمر يتطلب أن يضعه رئيس البرلمان عقيلة صالح على رأس جدول الأعمال».

القراءة الأولية لخطة سلامة تستنتج بشكل كبير أن الخطة تجاوزت كافة الأجسام السياسية القائمة الآن، وكرست قبضة الأمم المتحدة على ملف الأزمة الليبية، بدءا من الاجتماع الذي دعا إليه ممثلين عن مجلسي النواب والدولة لصياغة التعديلات المقترحة على اتفاق الصخيرات، بمقر البعثة بطرابلس، وتحت اشرافه، إلى المؤتمر الوطني الذي سيكون وفق الخطة تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة، يبقى السؤال هنا هو هل ستحظى خطة المبعوث الأممي بدعم مطلق من الأطراف الدولية المؤثرة، وهل ستلقى الدعم نفسه من قبل دول الجوار خاصة الأطراف اللصيقة بالأزمة مثل مصر والجزائر وتونس؟!

للإطلاع على العدد (96) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط