السراج: الاتفاق السياسي هو أساس تسوية الخلافات وبناء مؤسسات الدولة

شدد رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، على أن الاتفاق السياسي «هو الأساس وحجر الزاوية الذي يمكن التأسيس عليه لتسوية الخلافات السياسية، وبناء مؤسسات الدولة وهياكلها الحكومية»، مبينًا أنه جاء «بعد مسيرة تفاوض استمرت قرابة العامين» بين الفرقاء الليبيين برعاية الأمم المتحدة.

جاء ذلك خلال كلمة السراج أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ونشرها المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني عبر صفحته على موقع «فيسبوك» اليوم الخميس.

وأشار السراج إلى أن حجم التحديات التي تواجه ليبيا منذ فبراير العام 2011، «كبيرة ولا يمكن التغلب عليها إلا بالعمل معًا داخل (ليبيا) ومع الدول الصديقة، وفي نطاق الأمم المتحدة؛ لنحقق ما يطمح إليه شعبنا من بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية، دولة القانون والمؤسسات»، مثنيًّا على «جميع الجهود الساعية إلى إيجاد تسوية سياسية للأزمة الليبية».

الوضع السياسي
وقدَّم السراج في كلمته «الشكر الجزيل لعديد الدول والمنظمات والمؤسسات الإقليمية والدولية على ما قدمته من دعم ومساعدة لتحقيق الاستقرار» في ليبيا، وخص بالذكر دول الجوار والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والدول الصديقة كافة، مرحبًا بدور المبعوث الأممي الجديد لدى ليبيا غسان سلامة، متمنيًّا له التوفيق في مهمته، للخروج بحلول عملية وسريعة للأزمة الراهنة.

واعتبر السراج أن الاتفاق السياسي «هو صيغة موقتة للتعايش وطي صفحة الماضي، وتهيئة الظروف للانتقال السلمي إلى مرحلة الاستقرار»، موضحًا أن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني «جاء نتيجة لهذا الاتفاق ليقود هذه المرحلة» ونبه إلى أن المجلس الرئاسي «ليس طرفًا في الصراع، وإنما هو الرافد لتحقيق التوافق والمصالحة الوطنية الشاملة ووضع أسس الدولة المنشودة التي تضم كل الليبيين دون تمييز أو إقصاء».

وأشار رئيس المجلس الرئاسي إلى أنه عزم منذ البداية على أن نواجه الأزمات التي تعصف بالبلاد والتغلب على المصاعب مهما بلغت حدتها» وأنه استطاع «حلحلة كثير من المشاكل القائمة والمستجدة»، مؤكدًا أن هذه الجهود وما بذله الشباب من تضحيات أثمرت «في إنهاء مظاهر العنف في العاصمة طرابلس وجل المدن الليبية وبدأت أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية تظهر وتؤدي مهامها».

وأضاف أن عددًا من السفارات الأجنبية عادت «لتعمل من العاصمة وتستعد البقية، ومعها بعثة الأمم المتحدة لعودة قريبة، كما بدأ نازحو بعض المدن في العودة إلى ديارهم، موضحًا أن عودة آخرين ستكون بعد «الانتهاء من أعمال التهيئة وتوصيل الخدمات التي تضررت خلال المواجهات المسلحة»، مؤكدًا أن «العمل متواصلٌ لترسيخ الأمن وتأمين المدن وغلق المنافذ أمام مثيري القلاقل».

الوضع الاقتصادي
وعلى الصعيد الاقتصادي قال السراج: «عملنا بكل مسؤولية لإخراج النفط من دائرة الصراع السياسي، ونجحنا في رفع الإنتاج من مئة وخمسين ألف برميل في اليوم لدى وصولنا للعاصمة طرابلس في مارس 2016 إلى نحو المليون برميل حاليًّا» منوهًا إلى أنه يسعى «لتحريك عجلة الاقتصاد والإنفاق على القطاعات العامة للدولة لتحسين مستوى الخدمات ورفع المعاناة عن شعبنا والبدء في مرحلة التنمية والإنماء».

وأوضح السراج أنه يأمل بعودة الشركات والمؤسسات الأجنبية للمساهمة في مرحلة البناء «مع استتباب الأمن وتوفر العوائد المالية»، مجددًا دعوته «لرفع الحظر المفروض على إدارة الأصول الليبية المجمدة»، التي قال إن «بسببها تخسر ليبيا سنويًّا قرابة المليار دولار»، وأضاف: «نحن لم نطالب برفع التجميد عن هذه الأصول الآن حتى تستقر البلاد وتتوحد المؤسسات».

المصالحة الوطنية
وعلى صعيد المصالحة الوطنية، أشار السراج إلى اجتماعاته مع مختلف الأطراف «لإنهاء حالة الانقسام وتوحيد الصف»، وإلى انطلاق الحوار المجتمعي «لتوسيع قاعدة المشارَكة والتوافق»، لافتًا إلى أنه طرح خارطة طريق للخروج من الأزمة في ظل استمرار «حالة الجمود السياسي وانسداد أفق الحل، وبالذات نتيجة لاستئثار رئاسة مجلس النواب منفردة بالقرار، وعدم قدرة الأغلبية الداعمة للاتفاق السياسي والوفاق على تأدية دورها رغم محاولاتهم العديدة».

وبيَّـن السراج أن مبادرته «تم تأكيدها ودعمها من خلال لقاء سان كلو في باريس شهر .. الماضي»، مقدمًا الشكر للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على رعايته هذا الإعلان المشترك وما نتج عنه، مطالبًا الجميع بمساعدة ليبيا «لإنجاح هذه التفاهمات والرؤى، ورفع المعاناة عن الليبيين في حوارات ولقاءات ومبادرات تأخذنا في حلقات مفرغة، بعيدة كل البعد عن حل حقيقي وفاعل ونهائي».

الحرب على الإرهاب
وحول محاربة الإرهاب، أكد السراج أن ليبيا ترفضه بشكل قاطع، واستطاعت تحرير سرت من تنظيم «داعش» «رغم قلة الإمكانات، وبعزيمة وشجاعة أبنائها» كما انتصرت «في مواجهته في بنغازي ومدن أخرى»، إلا أنه نبه بالقول: «ولا زالت التحديات الأمنية موجودة لمتابعة فلول هذا التنظيم وغيره من المجموعات الإرهابية».

وحيا رئيس المجلس الرئاسي في كلمته «كل أبطالنا وشهدائنا الأبرار من أفراد القوات المسلحة والرجال الشرفاء الذين ضحوا بأرواحهم فداء للوطن، في مواجهة هذه التنظيمات في كل مدن ليبيا دون استثناء»، مؤكدًا التزامه «بالشراكة الإستراتيجية» التي تجمع ليبيا «مع الدول الصديقة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية»، معبرًا عن تقديره لما قدمته ولازالت تقدمه من دعم للقضاء على هذه التنظيمات الإرهابية.

وشدد السراج على ضرورة أن «يعي الجميع أن المعركة ضد الإرهاب لم تنتهِ بعد وبدأت تظهر بؤرٌ جديدة له بعد فرار فلوله من دول أخرى كالعراق وسورية»، معربًا عن تطلعه «إلى العمل الجاد لتوحيد المؤسسة العسكرية في كامل البلاد لبناء جيش وطني ليبي قادر على حماية الوطن والقضاء على الإرهاب».

ملف الهجرة غير الشرعية
وعن الهجرة غير الشرعية والمهاجرين غير القانونيين، قال السراج إنها تمثل «تحديًّا كبيرًا آخر» يواجه ليبيا التي باتت «ضحية، مثلها مثل الدول الأوروبية، وتتحمل في مواجهتها أعباء كبيرة استقطاعًا من ميزانياتها المحدودة لمواجهة هذه الظاهرة والحد من تأثيرها أمنيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا»، منبهًا إلى «أن حرس السواحل وحرس الحدود لازالا يفتقران إلى الإمكانات القادرة على مواجهة شبكات التهريب المسلحة تسليحًا جيدًا بسبب الحظر على التسلح».

وقدَّم السراج في كلمته الشكر لدول الاتحاد الأوربي على اهتمامها وما قدمه بعضها من مساعدات، مشيدًا بجهود إيطاليا في تدريب جهاز حرس السواحل خلال الآونة الأخير وتزويده بمعدات وأجهزة، ودعم التنمية المكانية في عدد من البلديات. كما رحَّـب بما أبدته كل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا من استعداد لدعم جهود مراقبة الحدود الجنوبية لليبيا، التي أكد أنها المصدر الرئيسي لتدفق المهاجرين.

ولفت أيضًا في هذا الصدد إلى «بطء وقلة الدعم» المقدم لليبيا، مبينًا أن حجم المساعدات التي تتلقاها البلاد في هذا الشأن «لا تتناسب وحجم هذا التحدي الكبير»، مشيرًا إلى أن مشكلة المهاجرين العالقين في ليبيا تتطلب ضرورة توفير برامج للمساعدة الإنسانية وأن يتم ترحيلهم إلى بلدانهم.

وقال السراج إن حكومة الوفاق الوطني تقدِّم الدعم الإنساني لهم بحسب الإمكانات المتاحة، معلنًا التزام ليبيا «بالواجبات الأخلاقية تجاه المهاجرين وترحيلهم وفق المتطلبات الإنسانية»، كما رحب بكل دعم تقدمه المؤسسات الإنسانية لمراكز الإيواء الحالية، معربًا عن تطلعه إلى مساعدتها في إعادة هؤلاء المهاجرين إلى بلادهم، «وليس إلى توطينهم بأي شكل كان».

فلسطين وسوريا واليمن وإصلاح الأمم المتحدة
وأكد السراج في كلمته أن ليبيا تدعم الجهود الدولية المبذولة في سبيل تحقيق التنمية المستدامة منذ انطلاقها في العام 1992 في ريو دي جانيرو، مؤكدًا ضرورة السعي بجد لتحقيق تلك الأهداف والطموحات وتحويلها إلى واقع ملموس. كما أعلن ترحيبه بإعلان إصلاح الأمم المتحدة الذي تم منذ يومين، متمنيًا أن يساهم هذا في تحديث وتطوير منظومة عمل المنظمة، والاعتراف بحق أفريقيا في عضوية دائمة بمجلس الأمن.

وعن القضية الفلسطينية قال السراج: «إن قضية السلام في الشرق الأوسط تعد من القضايا الجوهرية المهمة جدًّا»، مؤكدًا حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس، مطالبًا المجتمع الدولي، خاصة الدول الكبرى بالوقوف إمام مسؤولياتها تجاه هذه القضية.

كما دعا السراج إلى مضاعفة الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية سلمية في كل من سورية واليمن الشقيقين تبعد عنهما مخاطر التفكك والانقسام نتيجة الصراع المدمر، وتحقق طموحات شعوبهما في العيش الكريم، في ظل نظام ديمقراطي يحترم القانون، ويصون حقوق الإنسان.

المزيد من بوابة الوسط