«فورين أفيرز»: كيف تسببت فرنسا في تفاقم الأزمة الليبية؟

قال جلال حرشاوي، الباحث بجامعة «باريس 8»، المتخصص في الشأن الليبي، في مقال تحليلي نشره بمجلة «فورين أفيرز» الأميركية، اليوم الخميس، إن وساطة فرنسا للتقريب بين الأطراف الليبية جعلت الوضع أسوأ.

«فرنسا ساعدت ببضم حفتر واستبعاد الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي من قمة باريس في تحويله من قائد عسكري إلى طرف سياسي فاعل وشرعي»

وأشار حرشاوي إلى أن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، وقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، اتفقا شفهيًّا في الخامس والعشرين من شهر مايو الماضي خلال محادثات سلام في باريس، برعاية الرئيس الجديد إيمانويل ماكرون، على وقف إطلاق النار وإجراء انتخابات محلية «في أقرب وقت ممكن»، مضيفًا أن الاتفاق أثار ردود فعل إيجابية واُعتُـبر كإنجاز دبلوماسي مبكر للرئيس الفرنسي.

وتابع الباحث: «لكن فرنسا ساعدت بضمها لحفتر في المحادثات، بدلاً عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، في تحويله من قائد عسكري إلى طرف سياسي فاعل وشرعي، مشجعة بذلك خططه بالسيطرة على البلد ككل وحكمها»، معتبرًا أن لذلك السبب فمن غير المرجح أن تفضي قمة باريس إلى حل في المدى القريب للحرب الأهلية الدائرة في البلد منذ أكثر من ستة أعوام.

صعود صقور فرنسا
وقال الباحث: «إن مبادرة ماكرون الدبلوماسية، التي استحسنت نبرتها ونسقها حفتر، تتسق مع تحركات فرنسا السابقة في ليبيا على مدار السنوات الأخيرة»، موضحًا أن فرنسا ساعدت حفتر منذ العام 2015 عن طريق إرسال مستشارين ونشطاء سريين وقوات خاصة إلى شرق ليبيا، حيث تواجد القائد العسكري، بينما لم تقدم سوى القليل إلى حكومة الوفاق الوطني في الغرب.

ونقل الباحث، في مقاله، عن حفتر قوله لجريدة فرنسية في فبراير الماضي إن فرنسا تدعم حكومته «على الصعيدين الأخلاقي والأمني»، لافتًا إلى أن نصير حفتر الرئيسي في باريس هو وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان الذي كان له دورٌ فاعلٌ، خلال عمله كوزير للدفاع في الفترة بين 2012 و2017، في توطيد التحول الذي بدأ في عهد نيكولاس ساركوزي بعيدًا عن السياسة الخارجية المتحفظة للرئيس جاك شيراك (1995-2007) لموقف فرنسا الأكثر حزمًا وتدخلاً في السنوات الأخيرة.

نصير حفتر الرئيسي في باريس هو وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان الذي كان له دورٌ فاعلٌ في التحول في موقف فرنسا 

وذكر أنه عندما يتعلق الأمر بأفريقيا والشرق الأوسط فق قطعت باريس شوطًا طويلاً منذ رفضها المشاركة في الحرب على العراق في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وقال إن صقور فرنسا الصاعدة حديثًا منقسمون إلى معسكرين متنازعين، حيث يدعو الأول، الممثَّـل في ساركوزي، وفي السنوات الأولى من رئاسة أولاند، إلى تعزيز الديمقراطية الليبرالية ويميل نحو تغيير النظام.

وتابع أن أولاند على سبيل المثال لم يشكك علنًا في قرار ساركوزي بإسقاط القذافي في العام 2011، مشيرًا إلى أن المعسكر الثاني أكثر تشككًا وعملية، ويفضل الاستقرار في أفريقيا والشرق الأوسط، ويؤيد السعي إلى تحقيق المصالح الوطنية الفرنسية، ومواجهة الجهادية عسكريًّا، وشن حملة أيديولوجية ضد الإسلام السياسي في الخارج.

وأوضح الباحث أن لو دريان ضمن المعسكر الثاني، الذي بدا أنه عثر على نصير له في ماكرون، ندد بالدعوة إلى تعزيز الديمقراطية باعتبارها «أحد مبادئ المحافظين الجدد الواردة من الخارج»، مشيرًا إلى أن سلسلة من الهجمات الإرهابية المدمِّرة حدثت في فرنسا منذ يناير 2015 تسببت في صدمة للمواطنين، وخلقت بيئة قد تتجاهل فيها السياسة الفرنسية المخاوف بشأن حقوق الإنسان والمُـثل الديمقراطية دون أن تثير ضجة كبيرة في الداخل.

وقال الباحث: «إن هذا التحول بعيدًا عن سياسة التدخل المُـثلى لاءم لو دريان، الذي نجح منذ 2013 في دفع فرنسا لتعزيز دعمها لعدة حكومات قمعية، بما في ذلك حكومات إدريس ديبي في تشاد، ودينيس ساسو نغيسو بالكونغو».

باحث:ليبيا التي يحكمها حفتر أو أي شخص لديه أيديولوجية مماثلة هي هدف منطقي ويكاد يكون بديهيًّا لفرنسا

وأضاف: «إن ذلك سهَّـل على فرنسا تحقيق أهدافها التجارية قصيرة المدى، ممثلة في دعمها الوثيق للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي ابتاعت مصر خلال رئاسته 24 مقاتلة رافال، وحاملتي طائرات من طراز ميسترال وفرقاطة، وصواريخ بقيمة 5.2 مليون يورو من فرنسا».

ولفت إلى أن مبيعات الجيش الفرنسي ارتفعت إلى 18 مليار يورو في العام 2015، و14 مليارًا خلال العام الماضي وهو ثلاثة أضعاف المبيعات في عهد ساركوزي، مضيفًا أن لو دريان نأى بنفسه أكثر عن التغير في نهج النظام إزاء حقوق الإنسان بإعلانه أن الرئيس السوري بشار الأسد عدو السوريين فقط وليس المجتمع الدولي، وهي جملة استخدمها ماكرون بعد شهر من تنصيبه رئيسًا لفرنسا.

وذكر الباحث: «إن فرنسا عززت خلال السنوات الخمس الأخير علاقتها الأمنية مع بوركينا فاسو وتشاد ومصر والأردن ومالي وموريتانيا والنيجر، وتشارك في محاربة تنظيم (داعش) في سورية والعراق، كما أنها عززت علاقتها مع الإمارات»، وقال: «من المغرب إلى كوت ديفوار ومصر وما بعدها، ظهرت بشكل أولي منطقة واسعة من النفوذ الفرنسي في أفريقيا والشرق الأوسط».

وقال: «في ظل هذا الإطار الإقليمي، يبدو أن ليبيا التي يحكمها حفتر، أو أي شخص لديه أيديولوجية مماثلة، هي هدف منطقي ويكاد يكون بديهيًّا»، مضيفًا: «مع تبني ماكرون علانية نهج لو دريان، فإن الاتهامات الموجهة لحفتر، بارتكاب جرائم ترتقي لتكون جرائم حرب، وكذلك ميله إلى الحكم غير المدني، وغير الليبرالي، والعسكري من غير المرجح أن تكون مباعث قلق رئيسية لباريس».

رياح جيدة
ووفقًا للباحث فإن التغير في السياسة الداخلية لفرنسا يتزامن مع تحول في الرياح الدولية لصالح حفتر، مشيرًا إلى أن القائد العسكري وجيشه الوطني المدعوم من الإمارات ومصر والأردن وروسيا، يلائمان بشكل جيد النموذج الأمني الذي وضعته السعودية والولايات المتحدة الأميركية بقمة الرياض التي عُـقدت في مايو الماضي، وتشدد على مكافحة الإرهاب ومعارضة الإسلام السياسي على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

حفتر وجيشه الوطني يلائمان بشكل جيد النموذج الأمني الذي وضعته السعودية والولايات المتحدة الأميركية بقمة الرياض

ولفت إلى أنه قبيل انعقاد قمة باريس، صرَّح الرئيسان، الفرنسي ماكرون والأميركي دونالد ترامب، للصحفيين بأنهما «يتشاركان النوايا نفسها في ما يتعلق بليبيا»، ما يعني أن واشنطن أعطت باريس الضوء الأخضر لقيادة عملية السلام في البلد.

وقال: «رغم أن الولايات المتحدة في ظل إدارة باراك أوباما كانت داعمًا قويًّا لحكومة الوفاق الوطني، فإن إدارة ترامب تراجعت عن تدخلها في ليبيا»، مستشهدًا بالتصريح الحديث لوزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، بأنه قد يلغي منصب مبعوث أميركا الخاص إلى ليبيا.

وأوضح الباحث أن الأولوية الحالية بالنسبة لواشنطن هي منع الجماعات الجهادية مثل «تنظيم داعش» من كسب موطئ قدم في البلد، وقال: «عدا تلك المهمة المحدودة فإن الولايات المتحدة مكتفية في الوقت الراهن بالسماح لحلفائها المقربين بإدارة أزمة ليبيا بالطريقة التي يرونها مناسبة».

واعتبر أن عزوف واشنطن عن دعمها حكومة الوفاق الوطني لتصبح أقل انخراطًا في ما يحدث في ليبيا بمثابة «هدية لحفتر»، مشيرًا إلى أن واشنطن التزمت الصمت إيزاء وقائع في ليبيا تعد انتهاكًا لحقوق الإنسان والقانون الدولي، في الوقت الذي دعمت فيه فرنسا ليبيا.

الوقيعة

ماكرون لم يقدم أي مطالب لحفتر في حين رحَّـب به كرجل دولة يتساوى مع السراج، واعترف بالشرعية العسكرية لتحركات

قال الباحث: «إن باريس تؤكد أنها ملتزمة بدعم الاتفاق السياسي المدعوم من الأمم المتحدة، بينما توصي بتعديله لجعله أكثر شمولاً»، موضحًا أن الاتفاق يستبعد الحل العسكري ويؤسس لوجود حكم مدني للقوات المسلحة، ويدعو لإجراء حوار سياسي يشمل أكبر عدد من الفصائل الليبية المتنافسة.

ورأى أن «الدعم الشفوي من قبل باريس لاتفاق الأمم المتحدة لا معنى له مقارنة بتحركاتها على أرض الواقع»، موضحًا أن فرنسا فشلت، على سبيل المثال، في تضمين العديد من الفصائل الليبية في محادثات السلام في يوليو، رغم محاولة لو دريان تدارك الأمر عن طريق لقائه شخصيات معتدلة في مدينة مصراتة.

وتابع بالقول: «علاوة على ذلك، لم يقدم ماكرون مطالب لحفتر، في حين رحَّـب به كرجل دولة يتساوى مع السراج، واعترف بـ (الشرعية العسكرية) لتحركاته».

تبني فرنسا الدبلوماسي لحفتر منحه قبولاً أكبر على الساحة الدولية وزاد من جرأة حملته العسكرية المستمرة منذ 40 شهرً

وقال: «إن تبني فرنسا الدبلوماسي لحفتر، الذي لا يمكن التراجع عنه بسهولة، منحه قبولاً أكبر على الساحة الدولية، وزاد من جرأة حملته العسكرية المستمرة منذ 40 شهرًا»، معتبرًا أن ذلك «تكرار لما فعله الإماراتيون عن استضافتهم لحفتر والسراج في مايو، حيث لم يلقوا اهتمامًا كبيرًا بالأمم المتحدة، وقدموا حفتر كرجل دولة، واستبعدوا العديد من خصومه السياسيين».

واختتم الباحث مقاله قائلاً: «إن أحد الأسباب التي جعلت الصراع في ليبيا يستمر لستة أعوام ونصف العام هو الطبيعة غير المترابطة والحزبية للتدخل الأجنبي»، مضيفًا أن «قوة عالمية ذات نفوذ هائل فقط يمكنها أن تساعد في استقرار التنافس الدولي على نتيجة الحرب الأهلية في ليبيا، وأن فرنسا لا تملك مثل هذه النفوذ أو القدرة على التحمل، وأنها لم تظهر أية رغبة في تجنب التحيز».

المزيد من بوابة الوسط