درنة تحت حصارين: «الوسط» على محاور خطوط المواجهة

في مغامرة محسوبة، اجتازت «الوسط» العديد من الخطوط الحمر، ووقفت على خط النار. واقتربت على مسافة 3 كيلو مترات مما يسمى بقوات «تنظيم مجلس شورى مجاهدي درنة»، وزارت مواقع قوات الجيش الليبي المتواجدة على تخوم مدينة درنة شرق البلاد للتعرف على أحوال الجنود وما تواجهه القوات.

لمطالعة العدد «95» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ولم تتوقف جولة «الوسط» على المواقع العسكرية، إذ التقت أيضاً سكان درنة لنتعرف على الصعوبات التي يواجهونها تحت الحصار وننقل صوتهم للجميع.

بدأت الرحلة من مدينة القبة الواقعة غرب مدينة درنة وشرق البيضاء بمنطقة الجبل الأخضر برفقة أحد عناصر الجيش الذي سهَّل تنقلنا من موقع لآخر يُدعى «عبدالسيد» خاصة أن المنطقة ذات تضاريس وعرة.

آمر السرية المقاتلة سوسة: دول ترسل قطعاً بحرية مع الجرافات وتشوش على الرادار الخاص بنا

مررنا في طريقنا إلى محور جنوب درنة المعروف بمحور الظهر الحمر على العديد من المواقع التي كان يسيطر عليها «مجلس شورى مجاهدي درنة» وفقدها خلال معاركه مع الجيش الليبي، حتى وصلنا إلى أقصى نقطة تتمركز بها قوات استطلاع الجيش، وشاهدنا أحد تمركزات مجاهدي درنة بين ثلاثة منازل.

وتنقلنا بين عدة مواقع، منها وادي بوضحاك والكسارة، ومحور عين مارة، والسابطة وأم قديح بعين مارة، ومستشفى عين مارة الميداني.

إحكام الحصار
تطوق قوات الجيش الليبي مدينة درنة على عدة محاور وهي محور مرتوبة شرقاً، وفي الجنوب الشرقي محور الحيلة، بينما في الجنوب وادي بوضحاك (الظهر الحمر)، والجنوب الغربي محور عين مارة، وأخيراً المحور الغربي المعروف بـالساحل.

آمر محور الجنوب: عناصر «شورى مجاهدي درنة» تمتلك دبابات ومعدات قتال ليلي ويتنقلون عبر الخنادق

ويرى كثير من العسكريين أن قوات «تنظيم شورى مجاهدي درنة» تضع تركيزها على محور الظهر الحمر باعتباره استراتيجياً ورئيسياً، وفي حال سيطرت قوات الجيش عليه بالكامل يمكنها النفاذ إلى عقر المجلس بداخل درنة.

ويقول آمر محور الجنوب العقيد رمضان الحوتي لـ«الوسط» إن قوات «مجلس شورى مجاهدي درنة» تمتلك دبابات، ولديها مهارة في التلغيم والتجهيز الهندسي وحفر الخنادق، ويتنقلون من موقع لآخر على المحور عبر الخنادق.

وأضاف قائلاً: «إنهم يعتمدون على التلغيم بدرجة أولى لعرقلة أي تقدم في المحور، كما أنهم يجيدون عمليات الالتفاف وذلك لمعرفتهم الكبيرة بطبيعة المنطقة ويمتلكون تقنيات حديثة في القتال الليلي».

وأوضح أن للتضاريس الوعرة التي تتميز بها المنطقة العديد من التجهيزات كالمنظار الليلي، والبندقية الشعاعية، وبعض الاحتياجات لمقاومة شدة برودة الطقس ليلاً.

وأشار إلى أن الجيش الليبي يتفوق عليهم بامتلاك سلاح الجو، وبالمحور العديد من الدبابات والأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى جانب القناصة.. وقال: «إن عناصر الجيش اكتسبت خبرات مهمة بعد خوضها حرب 2011 وبنغازي، مما يسهل عليها خوض أي حرب أخرى سواء في درنة أو غيرها».
السماح بدخول وخروج المواطنين
وفي طريقنا إلى محور الساحل برفقة آمر السرية الثانية التابعة للمنطقة العسكرية الجبل الأخضر العقيد حافظ المجدوب، مررنا بمنطقة رأس الهلال ولاثرون وكرسة، التي توجد بها قوات من الدعم المركزي وكتيبة سالم رحيل والشرطة العسكرية، إلى جانب مقر للقوات البحرية ومكافحة الإرهاب بدرنة الذي يعمل به عدد من عناصر جهاز الأمن الداخلي في مختلف بلديات الجبل الأخضر، ويحد الطريق سواتر ترابية أقامها الجيش بعد تعليمات بإغلاق الطريق من قبل آمر غرفة مجموعة عمليات عمر المختار العميد كمال الجبالي.

ووصلنا إلى السد الترابي، ثم انتقلنا شرقاً إلى مرتفعات الجبال القريبة جداً من وادي الناقة، حيث وصلت المسافة بيننا وبين وقوات «تنظيم مجلس شورى مجاهدي درنة» حوالي كيلو متر واحد، دون وقوع أي تبادل لإطلاق النار بين الطرفين.

وقال آمر السرية الثانية العقيد حافظ المجدوب: «إن عدم تعامل عناصر المجلس مع أي تحرك من طرفنا يأتي نتيجة عدم رغبتهم في أي رد قوي من قبل قوات الجيش، حيث إن أي مناوشات تحدث ستؤدي إلى دخول القوات إلى درنة مباشرة التي نقف على مشارف مدخلها الغربي».

«مطالب بدعم عودة المدينة إلى نسيج الدولة بإقرار انتخابات المجلس البلدي واستكمال انتخابات النواب»

ولفت إلى أن قوات الجيش الليبي لا تستهدف أي مواقع للمجلس لعدم صدور أي تعليمات حتى الآن من قبل القيادة العامة للجيش بأي تقدم نحو داخل المدينة.

وأشار إلى أن دخول وخروج المواطنين يتم عبر جهاز مكافحة الإرهاب والاستخبارات، الذي يسمح للمواطنين بالدخول والخروج لامتلاكهم المعلومات الأمنية حول المطلوبين، لافتاً إلى أن الطريق مغلقة حالياً تنفيذاً للتعليمات الصادرة.

وأوضح أن الجيش يقوم خلال هذه الفترة بحشد قواته كافة من منطقة لاثرون إلى منطقة كرسة غرب درنة، للتقدم في الوقت المناسب عند صدور تعليمات من القيادة العامة باقتحام المدينة.

من جهة أخرى أشار آمر السرية المُقاتلة سوسة التابعة لغرفة عمليات «عُمر المختار» خلال زيارة «الوسط» موقع السرية بميناء رأس الهلال غرب درنة إلى أن السرية تمتلك زوارق بحرية وقوارب مطاطية لأداء المهام الموكلة إليها، والأهداف البحرية التي يتم رصدها قد تكون تجارية أو صيد أو إرهابية.

وأشار إلى أن السرية ترصد الأهداف عبر الرادار الملاحي، حيث يتم الاتصال بالسفن التي تدخل المنطقة العسكرية الممتدة من رأس التين شرق درنة إلى سوسة غرباً وتطلب منها مغادرة المنطقة، وفي حال عدم الاستجابة لطلبنا، نقوم بمطاردتها وجرها إلى ميناء رأس الهلال ولو بالقوة.

وذكر أن منع الجرافات التي تحمل السلاح من دخول درنة يعد أمراً صعباً جداً لعدم امتلاك السرية أجهزة حديثة لرصدها.

«تجاوزات من المحسوبين على الجيش تتضمن سوء معاملة وإطلاق رصاص بطريقه متهورة على البوابات»

وقال: «غالبية الجرافات التي استهدفت يتم رصدها بصرياً أو عبر الرادار إذا لم يتم التشويش عليه من قبل بعض القطع البحرية المتواجدة في المياه الإقليمية الليبية، فللأسف هناك دول ترسل قطعاً بحرية مع الجرافات التي تدخل درنة للتشويش على الرادار الخاص بنا وتسهل دخولها». وأكّد المجدوب أن السرية ستشارك في عملية تطهير درنة من الجماعات المتطرفة، وستقوم بعدة عمليات نوعية فور انطلاق العملية العسكرية.

درنة بين الحوار والحصار
ووسط حشد الجيش قواته وعتاده العسكري بمحاور درنة الخمسة، يستمر مسار الحوار بين الأطراف في درنة رغم توقفه في الآونة الأخيرة عقب استشهاد أحد الطيارين في المدينة.

ورفض عميد بلدية درنة المهندس حمد الشلوي، وعضوة مجلس النواب عن مدينة درنة، انتصار شنيب الرد على أسئلة «الوسط» بشأن آخر تطورات الحوار والموقف من حصار المدينة.

وكانت شنيب قالت في تصريحات سابقة إن مجلس شورى مجاهدي درنة يرغب في حل التنظيم، والانضمام إلى الجيش، مشيرة إلى أنه يجب استغلال الفرصة التي جاءت على طبق من ذهب لتجنيب مدينة درنة وأهلها ويلات الحرب.

أزمة وقود تشل الحركة في المدينة ومخزون الدواء يكفي حتى نهاية سبتمبر

كما كشفت أن القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر سيلتقي كافة مكونات بلدية درنة قريباً بمَن فيهم ممثل عن المجلس، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن.

ويرجح مسؤولون عسكريون أن الهدف من الحصار عدم تكرار تجربة بنغازي والدمار الذي لحق بها بسبب الحرب، حيث أشاروا إلى أن الحصار سيضمن بقاء السكان في منازلهم، وعند بدء العمليات العسكرية لا تصبح المنازل خالية مما يساعد قوات الجيش على السيطرة على الأحياء بسهولة نتيجة دفاع السكان غير المناصرين الجماعات المتطرفة عن منازلهم، إلا أن البعض يرى أن ذلك يتسبب في معاناة إنسانية وصحية للسكان.

أزمة الوقود والدواء
وعن الأوضاع داخل درنة أكد مصدر طبي بمستشفى وحدة درنة لـ«الوسط» أن المستشفى يعاني من نقص شديد في الأدوية والمستلزمات الطبية، ويفتقر لأدوية النساء والأطفال.

وأضاف: «أن المستشفى يحتاج إلى مواد طبية ومعدات بشكل عاجل، حيث أن المخزون الاستراتيجي يكفي فقط إلى نهاية الشهر الجاري». وأشار إلى أن الحصار تسبب في انقطاع الوقود مما أدى إلى شل حركة المدينة، وهذا الأمر أثر كثيراً على معظم الأطباء والممرضين والممرضات والعناصر الطبية المساعدة سواء أجانب أو ليبيين، ومع ذلك فإن المستشفى لم يقفل أبوابه أمام المواطنين.

أوضاع إنسانية كارثية
يقول المواطن كامل عبدالسلام من درنة إن منع مرور المواطنين وتشكيل معابر جعل الحياة أمراً صعباً، بالإضافة إلى أن سيطرة مجموعات قبلية مسلحة باسم الجيش وضربها حصاراً خانقاً على المدينة تحت غطاء من النعرات القبلية مما خلق شعوراً من عدم الثقة.

كامل عبدالسلام: مجموعات قبلية مسلحة تضرب حصاراً خانقاً على المدينة باسم الجيش

وأضاف: «اندلاع الحرب سيضع المدينة في موقف حرج ونعود لنقطة التساؤل عمن هم حول المدينة وهل هم نظاميون ويتبعون قوات الجيش أم مجموعات مناصرة تحت مسمى أولياء دم؟! تسعى للانتقام وليس إقرار العدل».

ويرى عبدالسلام أن الحل يكمن في «دعم عودة المدينة إلى نسيج الدولة بإقرار انتخابات المجلس البلدي واستكمال انتخابات النواب ودعم المجتمع المدني وتقوية حضوره، وأخيراً تشكيل قوة حماية للمدينة من عسكريين من أهلها لخلق نوع من الاطمئنان».

السيناريو الأسوأ
ويقول المواطن محمد عبدالعاطي: «إن السيطرة المتواصلة للمجموعات المتطرفة على درنة من مجلس شباب الإسلام إلى داعش وأخيراً مجلس الشورى لها جذور قديمة في المدينة لم تتم معالجتها بشكل فعلي. فمدينة درنة بها طاقات شبابية أكبر من حجمها الجغرافي، وهذه الطاقة إن لم تجد مجالاً إبداعياً علمياً أو رياضياً أو ثقافياً إلخ، تنفجر في مجالات التطرف بشتى أشكاله».

وقال إن الحصار المفروض على المدينة تسبب في أوضاع إنسانية سيئة للغاية، لافتاً إلى أن مساعي النائبة انتصار شنيب ليس لها أي تأثير وكذلك مبادرات الأعيان وشيوخ القبائل. وتابع: «وفي حال دخول مجموعات مسلحة مساندة وليست قوات جيش نظامية يثق بها أهل درنه فإن أهل درنة سيتصدون للقادم وستحدث حرب أهلية بكل تأكيد وهو أسوأ سيناريو، أما الحل المناسب لتجنيب المدينة سيناريو الحرب وعودتها إلى الدولة الليبية يكون بتدخل أممي، وفي حال تم توحيد البلاد ووجدت سلطة سياسية شرعية واحدة فإن الحل سيكون أسهل بكثير».

حصار الداخل
ويقول المواطن سالم محمد: «إن ما يحدث في درنة هو فرض مبدأ قوة السلاح والإرهاب بالقتل والتهديد والخطف والتعذيب، فداخل المدينة نعاني الأمرين من الجماعات الإرهابية التي تحاصرنا ومن الخارج هناك طوق الحصار الذي تفرضه قوات الجيش وأولياء الدم في المناطق المجاورة، والحصار لم يؤثر على هذه الجماعات الإرهابية لكنه أثر على المواطن البسيط في كل جوانب حياته».

سالم محمد: نعاني من الجماعات الإرهابية من الداخل وقوات الجيش و«أولياء الدم» من الخارج

وتابع: «أهالي درنة يطالبون بتواجد قوات الجيش والشرطة منذ العام 2012 ولكن يكون جيشاً نظامياً منضبطاً بأرقام عسكرية وليس أولياء دم وكتائب غير نظامية. نريد كتيبة مثل الصاعقة أو كتيبة الجويفي مثلاً أو أي كتيبة تحترم المواطن وتحافظ عليه وعلى ممتلكاته ليساندها الشعب من الداخل ويكون معها ضد الجماعات المتطرفة.

غياب مؤسسات الدولة
وأشار المواطن مفتاح عطية إلى أن استمرار سيطرة مجموعات متطرفة على درنة هو نتيجة طبيعة لغياب مؤسسات الدولة وخاصة العسكرية والأمنية وغياب قوة أمنية من داخل المدينة تتصدى لهذه الميليشيات.

أما الأوضاع الإنسانية فهي بين مطرقة الحصار من الخارج وسندان الميليشيات وجشع التجار من الداخل. وتوقع عطية أن حوار الأعيان وشيوخ القبائل لن يؤدي إلى حل سلمي، حيث إنه لا سيطرة للأعيان على أبنائهم المنتمين لهذه الميليشيات، ووصف مساعي النائبة انتصار شنيب بأنها بعيدة عن الواقع.

وتابع: «لا أرى أن شباب المدينة سوف يناصرون مجلس شورى درنة باعتبارهم من المدينة، فالناس سئموا من ممارسات هذه الجماعات، كما أن حوادث القتل المنتشرة في المدينة لن تعرف طريقها إلى القضاء والعدالة إلا بعد سيطرة الجيش وعودة مؤسسات الدولة كاملة، سيناريو درنة لن يختلف كثيراً عن سيناريو بنغازي وأجدابيا».

ورأى عطية أن الحل المناسب لتجنيب المدينة سيناريو الحرب وعودة المدينة إلى الدولة الليبية يكون عبر تسليم المتورطين في حوادث الاغتيالات إلى مؤسسات الدولة الشرعية، وتسليم السلاح إلى الشرطة والجيش.

مخطط قديم «لأفغنة» درنة
وقالت المواطنة سليمة عبدالسيد: «إن المدينة تعرضت لمؤامرات منذ عهد القذافي وفي 2008 تحديداً عندما خرج علينا حكيم الحصادي وسفيان بن قيمو بزي أفغاني وزوجات مختمرات، بينما كان القذافي يحارب كل من تلجأ للخمار أو يظهر بمظهر أفغاني».

سليمة عبدالسيد: المرضى وكبار السن واﻷطفال والمرأة الأكثر تضرراً بالمدينة

وأضافت: أنه بالرغم من ذلك منحت مخابرات القذافي التسهيلات للشباب الدرناوي للجهاد في العراق وفتحت الحدود لهم بل أصدروا لهم جوازات سفر مع توفير المال اللازم لسفرهم. وتابعت: «في أول خطاب للقذافي بعد الثورة أعلن عن وجود إمارة إسلامية في درنة، وهذا هو ما جهزه الدكتاتور لمعاقبة الشعب على الثورة».

وقالت سليمة إن أنصار «داعش» غير مقتصرين على درنة بل كانوا في القبة البيضاء بنغازي وسرت ووجودهم في درنة لاتفاق الفكر بينهم وبين «مجلس شورى درنة»، «وأخيراً أصبح صاحب السلطة من يمتلك السلاح والمال بدعم تركي وقطري»، حسب وصفها.

وأشارت إلى أن الظروف الإنسانية الني تمر بها المدينة عار في حق الإنسانية، فالمرضى وكبار السن واﻷطفال والمرأة الأكثر تضرراً. والمواد الغذائية لا تتوافر إلا بأسعار السوق السوداء.

وقالت: «الحوار الذي يقوم به اﻷعيان لن يجدي نفعاً لأن بوسليم وشورى المجاهدين هم من لديهم السلطة على اﻷعيان».. وتابعت: «هناك تجاوزات من المحسوبين على الجيش ممن يحاصرون درنة من سوء معاملة وإطلاق رصاص بطريقة متهورة على البوابات».

وذكرت سليمة أن ملف مدينة درنة هو ملف مؤجل كملف مصراتة وطرابلس وتاورغاء ولا حل قريباً يلوح في الأفق، وقالت: «شباب درنة لا يعتزم تسليم السلاح قبل وجود دستور يكفل حقوق الإنسان ودولة ذات سيادة حقيقية وحكومة موحدة.

المزيد من بوابة الوسط