«الوسط» تحاور أحد مهربي البشر.. هكذا تمضي قوافل الهجرة إلى ليبيا

عند كل حديث عن الهجرة غير الشرعية في ليبيا، يبرز اسم مدينة سبها، جنوب البلاد، كجملة ناقصة؛ لا تحمل معنى تامًا في ما يخص نشاط مهربي المهاجرين، الذي تزايد منذ العام 2011 وحتى الآن، بما حول البلاد إلى مركز جذب للراغبين في الهجرة من بلدانهم، خاصة الأفريقية منها، نحو أوروبا.

وتقول الرواية المتداولة، إن خط التهريب يبدأ من نقاط الحدود المشتركة بين ليبيا والنيجر وتشاد، ثم تحمل رواحل المهربين، بضاعتها من البشر، نحو سبها وضواحيها، قبل أن ينتقلوا إلى سرت وصولا إلى المدن الساحلية، ومنها إلى قوارب عبور مياه البحر المتوسط نحو «الفردوس الأوروبي» المأمول.

لمطالعة العدد «95» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

غير المعروف في الحكاية، بدأ يطرق أسماع أبناء المدينة مؤخرًا، بكلام عن أسواق للاتجار في البشر من المهاجرين الأفارقة تحت سماء مدينة سبها، خاصة بعد ما أثارته بعض الصحف العالمية بهذا الشأن، ما أثار عاصفة من الغضب في أوساط المسؤولين المحليين، لدى مناطق الجنوب الليبي.وفي سبيل البحث عن حقيقة ما أثير عن بيع وشراء الإنسان، في الألفية الثالثة من الميلاد، التقت «الوسط» أحد العاملين في تهريب المهاجرين غير الشرعيين، ولم يكن اللقاء ميسورا، فبعد بحث امتد لأسابيع، ولقاءات متعددة مع أشخاص يرتبطون بصلات مباشرة وغير مباشرة بالهجرة غير الشرعية، كان مراسل «الوسط» جالسا إلى جوار شاب يقود سيارة دفع رباعي، بزجاج معتم يحجب رؤية من بداخلها تماما عن عيون الناظرين.

مضت السيارة في طريقها نحو مكان لقاء «أ م ي» وهو شاب ثلاثيني، في ثياب مهندمة، ذو قامة متوسطة، يعمل في نقل المهاجرين غير الشرعيين من النيجر، وتحديدا من مدينة أجاديس إلى ليبيا عبر طرق برية مختلفة، تقودهم في النهاية إلى تخوم مدينة سبها.

عميد بلدية سبها: المهاجرون يسرقون كل شيء ويروجون للمخدرات والدعارة

حوار من وراء لثام
في بداية الحديث، ارتاب المهرب الشاب في هوية مراسل «الوسط»، وظنه واحدًا من عناصر جمع المعلومات لدى أحد الأجهزة الأمنية، وحين أخبره المراسل بعمله الصحفي، ودوره في نقل الصورة كاملة إلى الرأي العام، تخلى الشاب عن بعض تشككه، غير أنه أبقى اللثام حول وجهه، أثناء الكلام، ناظرًا، بين لحظة وأخرى، يمينًا ويسارًا، بعيون متحدية، كمن يستشرف أخطارًا تلاحقه بين الحين والآخر.

تحدث المهرب الشاب فقال: «البعض يريد استغلال الحديث عن الهجرة غير الشرعية في مدينة سبها كشماعة لأخطائهم، لا أقول لك إنه لا توجد هجرة غير شرعية، بل أؤكد وجودها، لكن علينا تصنيف هؤلاء المهاجرين؛ فهناك أعداد كبيرة تصل سبها من مختلف الدول الأفريقية، في سيارات تنطلق من النيجر، ولكنهم يظلون في سبها أو طرابلس أو إجدابيا، أو مناطق أخرى داخل ليبيا، يعملون في المزارع والرعي والورش وغيرها، وبإمكان أي شخص أن يجدهم في شوارع وميادين سبها أو طرابلس بكل سهولة».وردًا على ما أثير بشأن الاتجار في المهاجرين، أضاف: «هذا الكلام غير صحيح، فلا توجد أسواق للبشر واذهبوا إن شئتم إلى أي ميدان في سبها ستجدوا أفارقة من مختلف الجنسيات يبحثون عن العمل دون أي وسيط وستجدوا كثيرًا منهم في أكثر من مدينة ليبية يعملون في المخابز والورش والبناء وغير ذلك من الأعمال البسيطة وأكثرهم لا يحملون أية أوراق ثبوتية، وبعضهم يبقى في البلاد لمدة تزيد على سنة وعندما يتوفر لديهم المال يعودون إلى بلادهم عبر مكاتب نقل بمدينة سبها تحت إشراف نقابة النقل العام وهناك مقرات رسمية للنقابة معروفة».

وواصل الحديث عن عملية نقل المهاجرين غير الشرعيين قائلا: «تكلفة نقل الفرد الواحد من النيجر إلى ليبيا تبلغ 500 دينار ليبي والسيارة الواحدة تحمل بين عشرين إلى ثلاثين مهاجرا حسب نوع السيارة، وهناك سيارات سريعة مثل تويوتا هليوكس كما يسميها الليبيون».

أصحاب المهن البسيطة والحالمون بالفردوس الأوروبي أبرز زبائن المهربين

سوق اتجار بالبشر
وانتقل المهرب الشاب إلى فئة أخرى من المهاجرين في حديثه: «هناك أشخاص لا يملكون أجرة النقل من بلادهم إلى ليبيا وهنا بيت القصيد، حيث يتم نقلهم من أجاديس إلى سبها ثم يتم التواصل مع شخص من المهاجرين المقيمين في سبها ممن يستأجرون بيتًا كبيرًا أو سياجًا يضم عددًا كبيرًا من المهاجرين، حيث يتم التفاهم مع المهاجر الذي لم يدفع مقابل النقل بحيث يدفع له المهاجر المقيم التكلفة كأن يدفع مثلاً 700 دينار، يقوم المهاجر الجديد بردها إلى المهاجر المقيم مضاعفة كأن يتفق معه على ردها 1500 دينار على أن يعمل المهاجر الوافد عن طريق المهاجر الذي سدد أجرة نقله لحين سداد الأجرة إليه، ثم يذهب إلى حال سبيله وهذا ما يعتقده البعض سوقًا للبشر أو إتجارًا فيهم».

نوع ثالث من المهاجرين غير الشرعيين يذهب به طموحه أبعد من التراب الليبي، ومن سواحل مدنه المترامية ترنو أبصارهم نحو الضفة الأخرى من مياه البحر المتوسط، حيث الدول الأوروبية بما تثيره في مخيلة الباحثين عن فرصة لحياة أفضل؛ من فرص عمل واعدة ونمط عيش مترف رغيد.يحكي المهرب الشاب عن هذا النوع من المهاجرين فيقول: «هؤلاء وجهتهم أوروبا ، خاصة أولئك القادمين من نيجيريا وغانا والصومال وإثيوبيا والسنغال ينتقلون من دولهم إلى النيجر ومنها إلى ليبيا وقد يسلكون طريق الجفرة إلى إجدابيا أو إلى سبها، وبالنسبة لهؤلاء فسبها ليست أكثر من نقطة عبور إلى المناطق الساحلية، ويكون مسار رحلتهم من نيجيريا أو غانا أو السنغال إلى أجاديس ومنها إلى دركو بالنيجر أيضا وصولا إلى سبها ومنها إلى بني وليد ثم ترهونة إلى صبراتة أو الزاوية ثم إلى أي مكان يحملهم إلى البحر، وهناك يرمون أجسادهم فوق قوارب تتجه بهم فوق المياه إلى إيطاليا».

500 دينار تكلفة نقل المهاجر الواحد.. و«تويوتا» هي السيارة المفضلة لإتمام الرحلة

وبالنسبة للمهاجرين الباحثين عن الفردوس الأوروبي المأمول «يدفع كل واحد منهم تكلفة نقله من بلده إلى سبها قبل أن تتحرك السيارة إلى ليبيا ولا يقطعون الرحلة في سيارة واحدة وإنما تمضي كل سيارة في خط سير محدد ينتهي بسيارة أخرى، والأجرة هنا بالدولار حسب كل مسافة بين ألف دولار إلى ثلاثة آلاف دولار، وحال وصول المهاجر إلى سبها قد يمكث فيها المهاجر للعمل لفترة حتى يوفر مبلغا من المال يعينه على مواصلة رحلة الهجرة إلى أوروبا عبر الطرق غير الشرعية وقد يتورط في أعمال إجرامية كالسرقة وسرقة النحاس وترويج المخدرات بل وحتى الدعارة» وفق ما يروي المهرب الشاب.

رحلة المتاعب
ووفق الرواية ذاتها «هناك طريق آخر رسمي يمر بمنطقة حدودية بين ليبيا والنيجر، حيث تتواجد قاعدة عسكرية فرنسية وتسلكه قوافل الإبل إلى ليبيا وسيارات النقل وغيرها».

ولا تخلو رحلة المهاجرين من المتاعب التي قد تصل إلى قطع بعض أعضاء أجسادهم، كما يروي المهرب الشاب: «يتعرض بعض المهاجرين للسلب والسرقة خصوصا فى الطريق بين سبها والساحل، وفي بعض الأحيان يتم نقل بعضهم إلى منطقة بني وليد حيث يوجد مكان لتجميع المهاجرين وفي الغالب يتعرضون للابتزاز من أجل دفع فدية وقد يقطع الخاطفون أذن أحدهم أو يسلخون جسده بسكين ثم يرسلون مقطعا مصورا بذلك إلى أهله وأصدقائه في ليبيا من أجل الحصول على المال مقابل الإفراج عنه، كما تقع انتهاكات كبيرة للمهاجرين العابرين في الأراضي الليبية بل وحتى المهاجرين من المقيمين، حيث يتعرضون للسرقة والاغتصاب وهناك العديد من حالات الإنجاب التي تقع لفتيات مهاجرات».«بعض المهاجرين يعملون في ليبيا لجمع المال من أجل الهجرة إلى أوروبا، وهناك من يتجه إلى الجزائر وموريتانيا ولكن ذلك كان يجري قبل العام 2011 حيث كانوا يذهبون إلى البلدين عبر البحر بسبب تكلفة النقل الزهيدة، ولكن الآن تشدد الحكومات من رقابتها على الشواطئ».

لمطالعة العدد «95» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ويعود المهرب الشاب لنفي فكرة بيع المهاجرين الأفارقة فيقول: «هناك أفارقة يقيمون في ليبيا ويخدمون في البيوت، خاصة في سبها وذلك ليس خافيًا على أحد لكن ليس معنى ذلك أنهم بيعوا إلى من يعملون عندهم. اسأل أي مواطن إن كان قد اشترى أيًا منهم من سوق للبشر أم وجده في ميدان القرضة أو حديقة الهلال الأحمر سيجيبك بأنه وجده في أحد تلك الأماكن».

«لم تعد حركة نقل المهاجرين غير الشرعيين كما كانت في السابق»، يضيف المهرب الشاب قبل أن يوضح: «قليلة جدًا أعداد المهاجرين هذا العام بنسبة كبيرة عما مضي، حيث يتم التشديد على ضبط الحدود مع النيجر ونيجيريا، ومصادرة أي سيارة تنقل مهاجرين، حيث وصل عدد السيارات الليبية المصادرة من حكومة النيجر العام الجاري إلى 70 سيارة فى أجاديس مع كثرة مراقبة الشواطئ الليبية إلى جانب الانتهاكات التي تحدث للمهاجرين فى ليبيا وإلقاء القبض على كثيرين منهم وإعادتهم إلى بلدانهم من قبل الحكومة الليبية، وهناك من يعود طواعية عبر بعض المنظمات الدولية».

المزيد من بوابة الوسط