باحثة أميركية: تدخل أوروبا يقوض الجهود الأممية في ليبيا

قالت الباحثة الأميركية إلسا ميلر إن الأمم المتحدة تستعد لإطلاق مبادرة دبلوماسية جديدة للتوفيق بين الأطراف المتنافسة في ليبيا، لافتة إلى أن الأوضاع داخل ليبيا ستكون من المواضيع الرئيسة التي ستتم مناقشتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال سبتمبر الجاري، ومن المتوقع أن يعقد الأمين العام، أنطونيو غوتيريس، اجتماعًا رفيع المستوى سيقدم خلاله خطة عمل جديدة في ليبيا.

«تحركات بعض الدول الأوروبية التي تركز على مصالح ضيقة قوضت دبلوماسية الأمم المتحدة في ليبيا»

لكن الباحثة في مركز رفيق الحريري للدراسات التابع للمركز الأطلسي، رأت أن المبادرة الأممية الجديدة «مهددة من بدايتها»، وقالت إن تحركات بعض الدول الأوروبية التي تركز على مصالح وطنية ضيقة، قوضت دبلوماسية الأمم المتحدة في ليبيا.

وأوضحت في مقال، نشرته مدونة «لوفير» التابعة لمعهد «لوفير» الأميركي المعني بدراسات الأمن القومي، أن خطة عمل الأمم المتحدة تأتي في الوقت الذي أنهى فيه المبعوث غسان سلامة محادثاته مع الفصائل الليبية المتنافسة، في محاولة لإعادة إطلاق مفاوضات الأمم المتحدة المعطلة.

مصالح ضيقة
وقالت ميلر: «جهود البعثة الأممية تحت قيادة برناردينو ليون ومارتن كوبلر أنتجت الاتفاق السياسي الليبي في العام 2015، لكن لم يدخل الاتفاق حيز التنفيذ حتى الآن»، وأضافت أن ذلك «أضعف نفوذ الأمم المتحدة ومصداقيتها داخل ليبيا، ولهذا يسعى سلامة لاستعادة دور أقوى للمنظمة الدولية».

وتابعت أن مصالح وأفعال اللاعبين الأوروبيين يمكن أن تعرقل جهود البعثة الأممية إلى ليبيا وبالنهاية تفاقم الفوضى على الأرض، وخصت الباحثة بالذكر التحركات الفرنسية والبريطانية خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي أظهرت بوضوح أن «مجموعة فرعية من الدول تسعى لتحقيق مصالح ضيقة الأفق في ليبيا، على حساب جهود دولية موحدة تقودها الأمم المتحدة».

وتحدث المقال عن زيارة وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون إلى ليبيا، حيث زار مسؤولين من الشرق والغرب، وهي زيارة أبرزت التهديد الذي يمثله عدم الاستقرار في ليبيا بالنسبة إلى أوروبا. وقالت الكاتبة: «للوهلة الأولى بدت الزيارة واعدة، خاصة التزام الوزير البريطاني بالاتفاق السياسي الليبي وتركيزه المتكرر على الجهود البريطانية لإرساء الاستقرار في ليبيا».
لكنها استدركت قائلة: إن «هناك جانبًا مقلقًا في زيارة جونسون وهو لقاؤه قائد الجيش المشير خليفة حفتر، الذي يرفض حتى الآن الاعتراف بالمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني»، وقالت إن «الكثيرين في ليبيا وخارجها يقرون بضرورة تعديل الاتفاق السياسي، وأن يكون لحفتر دور في مستقبل البلاد، وذلك رغم عدم وضوح نوايا حفتر».

وقالت ميلر إن «جونسون هو المسؤول الغربي الأول الذي يلتقي حفتر، واللقاء يزيد من شرعية المشير»، إذ أكد جونسون عقب اللقاء أن «خليفة حفتر له دور يلعبه في العملية السياسية».

«يبدو أن لندن وباريس مستعدتان لدعم رجل قوي مثل حفتر، وهذا ليس مفاجئًا مع وجود قوات خاصة من البلدين لمساعدته في بنغازي»

وأشارت ميلر إلى جانب مقلق آخر، وهو «التقارب الزمني بين لقاء حفتر وتصريحات جونسون التي أكد فيها أن ليبيا على خط المواجهة ضد التهديدات الإرهابية والهجرة غير الشرعية التي تواجه بريطانيا»، وقالت إن «ذلك يبرز الرسالة الأكبر والأهم من الزيارة، وهي أن المصلحة الذاتية تستمر في دفع التعامل الأوروبي مع ليبيا».

وقالت: «يبدو أن لندن وباريس مستعدتان لمساعدة رجل قوي مثل حفتر، وهذا ليس مفاجئًا نظرًا لوجود قوات خاصة من البلدين داخل ليبيا لمساعدته في بنغازي. ووضعت باريس ولندن حفتر في موضع رئيس الدولة، مما يجعله غير راغب في المشاركة في الجهود الأممية».

وتابعت: «خلال قمة رعتها فرنسا، التقى خليفة حفتر مع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، حيث اتفقا على العمل معًا صوب اتفاق سياسي ووقف إطلاق النار وانتخابات رئاسية ونيابية. لكن هناك من يعتقد أن حفتر وقواته لن يلقوا أسلحتهم رغم اتفاق وقف إطلاق النار. واستبعد وقف إطلاق النار ضد (الإرهابيين)، وهو المصطلح نفسه الذي يستخدمه حفتر ضد معارضيه».

ورأت الباحثة أن جهود بريطانيا وفرنسا عززت خليفة حفتر في وقت حرج بالنسبة للبعثة الأممية، بعد أن تسلم غسان سلامة رسميًا مهامه بالبعثة يونيو الماضي.

وحدة الهدف
ولفت المقال إلى غياب «وحدة الهدف» وراء تعاطي أوروبا مع ملف الأزمة الليبية، وأوضح أن «باريس أدخلت نفسها في الأزمة الليبية ربما لتعزيز موقفها، أو لتقويض موقف روما، التي بدورها جاهدت من أجل التعامل مع تدفق المهاجرين من ليبيا. ولم تخبر فرنسا إيطاليا بلقاء حفتر والسراج مسبقًا».

ورأت ميلر أن التوفيق بين السراج وحفتر لن يحل الأزمة الليبية ببساطة، موضحة أن حل الأزمة يتطلب «مزيدًا من الجهد لدمج شرق ليبيا وغربها مرة أخرى. ومزيدًا من الصبر والنضج في التعامل مع الأزمة».

وتابعت أنه لا يوجد أي دلائل على «استعداد حفتر لتقديم تنازلات لحكومة الوفاق أو المجلس الرئاسي أو ترك الأسلحة. ويبدو أيضًا أن نسبة كبيرة من الليبيين سيرفضون نتائج أي انتخابات من شأنها تعزيز قوة حفتر».

حل الأزمة يتطلب مزيدًا من الصبر والنضج والجهد لدمج شرق ليبيا وغربها

ولهذا رأت ميلر أن «رهان بريطانيا وفرنسا على حفتر باعتباره ضمانة لتحقيق الاستقرار في ليبيا يعارض ويقوض جهود الأمم المتحدة للوصول إلى تسوية سياسية بموجب الاتفاق السياسي».

وكان غسان سلامة دعا في تصريحات صحفية، نهاية أغسطس الماضي، إلى توحيد العمل الدولي لحل الأزمة في ليبيا، محذرًا من أن «تعدد مبادرات الوساطة تؤدي إلى إرباك المشهد السياسي»، وذلك في الوقت الذي يسعى فيه لجمع الأطراف الليبية كافة للدخول في المفاوضات.

وتعليقًا على تصريحات سلامة، قالت الباحثة الأميركية إن «ذلك كان تحذيرًا ليس للمستقبل لكن يخص الحاضر أيضًا. ويحاول سلامة فصل جهود الأمم المتحدة عن مصالح الجهات الفاعلة في ليبيا، مع التركيز على مسؤولية الليبيين جميعًا لاستغلال الفرصة والتوصل إلى تسوية».

لكنها قالت أيضًا إنه من المستحيل إغفال «التأثير المثير للقلق لبريطانيا وفرنسا على الأرض»، وحذرت من أن «استمرار تحركات قادة أوروبا خارج إطار العملية السياسية للأمم المتحدة، يهدد نجاح أي خطة عمل جديدة تضعها المنظمة الدولية».

المزيد من بوابة الوسط