كيف نمول قطاع النفط في ليبيا؟

قال الخبير الليبي في مجال النفط الدكتور محمد أحمد إن اللجوء إلى الاقتراض من المصارف المحلية بات الخيار الأفضل لتمويل القطاع النفطي في ليبيا لتطويره ودعم المؤسسة الوطنية للنفط، مقدمًا أسبابًا عدة لعدم ملاءمة الخيارين الآخرين المتمثلين في الشراكة، وطرح أسهم في البورصة مع الحالة الليبية. جاء ذلك في خضم الإجابة عن تساؤلات هامة بشأن: «من أين يستلهم القطاع استثماراته؟ وكيف يتم تمويله؟ أو خيارات الشراكات مع القطاع الخاص؟».

المخاطرة بالأموال السيادية الموضوعة أمانة سواء لدى المصرف المركزي أو مؤسسة الاستثمار هو اختراق للنظم والهياكل المالية

وأشار الدكتور محمد أحمد، في مقال نشره عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إلى أن تمويل القطاع النفطي في ليبيا يمثل أحد أهم التحديات أمام الحكومات المتعاقبة، بالنظر إلى أن الصناعة النفطية تتصف بأنها صناعة كثيفة الاستخدام لرأس المال، غير أنّه أشار إلى أن الاستثمارات المطلوبة في مراحل التطوير والنقل تبدو أقل مخاطرة من تلك المطلوبة في القطاع الأولي الاستكشاف فيما يطلق عليه احتمالات الحفر السوداء (black holes).

وعلى خلفية اجتماع ضم محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج في طرابلس، ورئيس المؤسسة الليبية للاستثمارعلي محمود حسن، أعرب الخبير النفطي عن استغرابه من غياب طرف أساسي عن الاجتماع الذي ناقش تطوير القطاع وهو المالية العامة، مبديًا خشيته أن يكون السبب وراء التغيب «أسباب جهوية أو مناطقية».

وأضاف أنّ الاجتماع الذي ناقش مشكلة أساسية ومعضلة مستديمة، وهي كيفية تمويل القطاع النفطي، وقع في خطأ هيكلي وقانوني وإداري، على خلفية «بحث سبل إسهام حكومة الوفاق ومصرف ليبيا المركزي ومؤسسة الاستثمار في دعم المؤسسة الوطنية للنفط».

الاتجاه لتمويل القطاع من نفس العائدات سينتج هدرًا كبيرًا وتضخمًا في تكاليف الإنتاج

الخبير النفطي ذهب إلى أن التصريحات التي أعقبت الاجتماع أسفرت عن افتراضات عدة من بينها، أن حكومة الوفاق بصدد تعيين مصرف ليبيا المركزي ومؤسسة الاستثمار لتمويل المؤسسة الوطنية للنفط، بالإضافة إلى أن هذا التمويل سيكون بوسيلة الدعم، وأن حكومة الوفاق ستكون الضامن المالي للمؤسسة الوطنية للنفط، كما أنّ منهجية القطاع العام مستمرة في عملية إدارة المال العام.

وأشار إلى أن «هذه الخيارات كانت على طاولة القرار طيلة الفترة التي أعقبت تأميم الثروة النفطية في ليبيا في بداية السبعينات وكان القرار الرشيد الذي اتخذ أن تنظيم قطاع النفط وقطاع استثمارات دخله لابد أن يكونان مفصولان عن بعضهما، وهذا اتجاه ليس ليبيًا فقط بل اتجاه عام في الدول النفطية بداية من النرويج والمكسيك وروسيا نهاية إلى دول أوبك».

وأضاف الخبير النفطي أن الاتجاه لتمويل القطاع من نفس العائدات سينتج هدرًا كبيرًا في إدارة القطاع وتضخمًا في تكاليف الإنتاج، بالإضافة إلى التركيز أكثر فأكثر على قطاع محدود مدر للسيولة وإهمال القطاعات أكثر أهمية حيوية في استمرارية القطاع كقطاع الاستكشاف مثلاً، وذلك بالنظر إلى بنسبة المخاطرة في القطاع النفطي والتي تحتاج إلى بحيرة استثمارات لتمويل القطاع أثناء تقلبات سعر النفط.

ثلاثة بدائل
وأوضح أنّ خيارات تمويل القطاع تنحصر في ثلاثة بدائل هي: الشراكة، وطرح أسهم في البورصة، والاقتراض من المصارف، لافتًا إلى أن هذه هي البدائل المعروفة عالميًا وخاضعة إلى خليط من قوانين الملكية العامة للثروة النفطية وعوامل قوى السوق والتنظيم الإداري السليم.

وتابع أنّه جرت تجارب متعددة سواء في الدول الرأسمالية أو الدول النفطية الأخرى على هذه الخيارات، حيث اعتمدت الولايات المتحدة وبريطانيا في خلال الثلاثين سنة الأخيرة على أنظمة السوق الحر في تمويل الإنتاج النفطي دون التدخل الحكومي إلا في عمليات جني الضرائب ولذا فقد كانت الأموال المحصلة من البورصات مصدراً أساسياً ومباشراً للشركات النفطية في توسيع إنتاجها النفطي وتطويره.

مقترح سابق أمام مؤسسة النفط لتطوير حقول هامشية يمكن أن ترفع الإنتاج بكلفة تقترب من المليار دولار

وأشار إلى أن دولاً أخرى اعتمدت خطًا أكثر تشدداً من ناحية الإصرار على الملكية العامة للثروة النفطية بدءًا من النرويج والتي تنتمي إلى العالم الرأسمالي، حيث اعتمدت عمليات التمويل على الاستقلالية المالية للشركة الوطنية (شتات أويل)، بالإضافة إلى تطوير نموذج متعدد لتقاسم الإنتاج كجاذب للاستثمارات، منوهًا بأنّ التجربة العملية أثبتت أن هذا النموذج اقتصاديًا أقل كلفة من النموذج الذي سبقه لصاحب ملكية المورد، والذي لا يضطر أن يمنح أي تنازلات من ناحية الملكية تحت نموذج المقاسمة.

وتطرق إلى النموذج الثالث، المتعلق باللجوء إلى القروض، وهو النموذج الأكثر كلفة، ويعرض المالك إلى رهن ثروته النفطية كضامن للتسديد، وقد لجأت إليه دول في بداية تطوير احتياطاتها، التي لم ترض الشركات الكبرى أن تتبع فيها نموذج تقاسم الإنتاج، إما لضعف الربحية مثل (تطوير مصدر الغاز الطبيعي في دولة قطر) أو (تطوير إنتاج النفط الخام في تشاد المحصورة برياً والمهددة بقلاقل سياسية قد يمنع تدفقه).

الشراكة وتقاسم الإنتاج
وفي ليبيا اعتمد نموذج الشراكة وتقاسم الإنتاج تاريخياً بصفته النموذج الأقل تكلفة والذي يحافظ على مبدأ الملكية العامة للثروة البترولية، لافتًا إلى أن من الناحية النظرية فإن هذا النموذج وفر تمويلاً كافياً لتطوير الإنتاج النفطي محافظاً عليه عند مستويات 1.5 مليون برميل يومياً وقد تم في محطات معينة تنظيم بحيرة استثمارية من مصارف محلية للمساهمة مع الشريك الأجنبي في استغلال الثروة من الغاز الطبيعي التي كانت آنذاك غير مبررة اقتصادياً من الاستثمار، بسبب ضعف الطلب على الغاز حينها مع قوة المنافسة من روسيا والذي تغير اليوم تماما.

بشأن الخيار المطروح حاليًا لتحقيق صيانة الإنتاج الليبي من النفط والغاز، فإن الخبير النفطي الدكتور محمد أحمد ذهب إلى أنه نظرياً يعتبر نموذج المشاركة هو الأفضل اقتصاديا إلا أن هذا يعتمد على قبول الشريك الاستمرار في هذه الخيار تحت الظروف الأمنية والسياسية التي تمر بها البلد.

وأشار إلى أنه، وفقاً للأرقام المتوفرة، فإن الشركاء الدولييين خصوصاً الكبار منهم لا يزالون يحققون عوائد إيجابية من استثمارهم في ليبيا، حتى بالمقارنة مع دول نفطية أخرى، إلا أن الحاجة الليبية الماسة للاستثمار مع انتشار عدم اليقين من ناحية سياسية يضع هذا النموذج المرغوب تحت ضغوط كبيرة، فإما أن تتنازل المؤسسة عن شروط ومزايا معينة اكتسبتها طوال الفترة الماضية وإما أن يستعمل الشريك الأجنبي وسائل الضغط للحصول على هذه التنازلات (ما حدث أخيرًا مع شركة وينترشل الألمانية يعتبر مثالا).

تمويل لا يخضع للابتزاز
إلى هذا أشار الخبير النفطي إلى مقترح قديم كان موضوعًا على الرف في المؤسسة الوطنية للنفط لتطوير حقول هامشية من الممكن أن تعطي ارتفاعات ملحوظة في الإنتاج بكلفة إجمالية تقترب من المليار دولار، لافتًا إلى أن «هذا الخيار يحتاج إلى تمويل لا يخضع للابتزاز سوى من الشركات الأجنبية أو البنوك العالمية».

وأوضح أنّ الخيار السابق طرح منذ سنة 2009، وكان وقتها المصدر المرشح هو المؤسسة الليبية للاستثمار أو الصندوق السيادي للاستثمار، لكنّه ذهب إلى أن «المشكلة كانت أمامه قانونية وهيكلية مع منطق اقتصادي»، معتبرًا أن الدخول في هذا يعتبر مخاطرة غير مقبولة بأصول مالية سيادية.

اللجوء إلى مصارف محلية
وبات خيار اللجوء إلى مصارف محلية، وفقًا للدكتور محمد أحمد، لكنّ «انتفاء حافز المخاطرة في هذا الاستثمار بعد وجود سعر للفائدة مشجع لا أرى معه طريقاً أن تكون المصارف المحلية جزءا من هذا التمويل».

وبشأن مقترح اللجوء إلى القطاع الخاص المحلي وفتح المجال أمامه في امتيازات نفطية صغيرة، أشار الخبير النفطي إلى أن هذا تحدي أمام الجانبين القطاع العام الساعي إلى فرض سيطرته إلى ما لا نهاية، والقطاع الخاص الذي يتجه إلى مجالات الاستيراد والوكالات التجارية عديمة النفع إنتاجياً. واختتم الدكتور محمد أحمد بأن «المخاطرة بالأموال السيادية الموضوعة أمانة سواء لدى مصرف ليبيا المركزي أو المؤسسة الليبية للاستثمار هو اختراق للنظم والهياكل المالية والقانونية».

المزيد من بوابة الوسط