باحث أوروبي: أزمة مسودة الدستور قد تدفع «سلامة» لتقديم خارطة طريق جديدة

يرى الباحث بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ماتيا توالدو، أن من شأن خريطة طريق جديدة للأزمة في ليبيا «مستندة إلى دستور قابل للتعديل» أن تمثل «ترياقًا للأمراض الليبية»، متوقعًا أن يسعى مبعوث الأمم المتحدة ورئيس بعثتها للدعم في ليبيا غسان سلامة إلى إعداد خطة أو خريطة طريق «قد تشتمل على دعم الأمم المتحدة» لمشروع الدستور الذي أقرته الهيئة التأسيسية في 29 يوليو الماضي، والانتخابات اللاحقة التي دعت لها قوى إقليمية ودولية توسطت بين أطراف الأزمة في البلاد.

وشدد توالدو في مقال نشره موقع «صدى» التابع لمؤسسة كارنيغي، اليوم الثلاثاء، على ضرورة «أن تكون مسوّدة الدستور التي وضعتها الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الخطوة الأولى نحو الاستقرار». غير أنه نبه إلى أن مشروع الدستور الذي قال إنه «يشكّل جزءًا مهمًا» من خطة المبعوث الأممي «يعاني من الشوائب في مجالات عدة»، إلا أنه «سيكون على الليبيين أن يقرّروا قريبًا إذا كان بإمكانه معالجة أزمة الشرعية المستفحِلة التي يتخبّط فيها معظم المؤسسات الليبية».

وكانت الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور أقرت مشروع الدستور بموافقة 34 عضوًا من 44 عضوًا حضروا جلستها العامة في 29 يوليو الماضي بمقرها في مدينة البيضاء شرق البلاد، وسط أجواء سادها التوتر، وذلك بعد أربعة أيام من لقاء باريس الذي جمع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج والقائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أعلن خلال مؤتمر صحفي جمعه إلى جانب السراج وحفتر عن اتفاق الطرفين على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بـ«أسرع وقت ممكن».

الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور أقرت مشروع الدستور بموافقة 34 عضوًا من 44 عضوًا حضروا جلستها العامة في 29 يوليو الماضي

وقال الباحث الأوروبي في مقاله إن الموافقة على مشروع الدستور «تمت من دون استشارات واسعة النطاق أو نقاش عام»، وإن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور «انتُخِبت قبل ثلاث سنوات ونصف السنة بنسبة اقتراع متدنّية جدًا – أقل من خمسين في المئة من الناخبين المسجّلين الذين كانوا بدورهم يشكّلون سدس الليبيين فقط»، مشيرًا إلى أنه «ومنذ ذلك الوقت، لم تُجرِ استشارات تُذكَر مع المجتمع المدني والفرقاء السياسيين».

وأشار أيضًا إلى أن «نسبة تمثيل الأقليات الثلاث الأبرز (التبو والطوارق والأمازيغ) ضئيلة في الهيئة» معتبرًا أن «هذه الأقليات» قد «جُرِّد بعضها من الجنسية في عهد القذافي»، وأن مشروع الدستور «قد يتسبّب بتعميق مشاعر التهميش، ولا سيما أنه يفرض تعليق التجنيس لمدّة عشر سنوات».

وفيما يتعلق بمؤسسات الدولة الليبية رأى توالدو أن «منظومة الضوابط والتوازنات ضعيفة»، وأشار إلى تشتت المؤسسات، حيث بيَّن أنه «سوف تتخذ غرفتان تشريعيتان منتخَبتان بصورة مباشرة، وهما مجلس الشيوخ ومجلس النواب، من بنغازي مقرًا لهما؛ وسوف تتألف السلطة التنفيذية، ومقرها طرابلس، من رئيس البلاد ورئيس وزرائه الذي يتولى منصبه عن طريق التعيين، وحكومته؛ وسوف تتخذ المحكمة الدستورية من مدينة سبها مقرًا لها».

ولفت إلى أن مشروع الدستور المقدم من الهيئة نص على «أنه يجوز للرئيس إجراء استفتاء لحل مجلس الشورى (المادة 109)؛ وإعلان حال الطوارئ على أن يُقرّها مجلس الشورى بالأكثرية البسيطة (المادة 187)، والتي يستطيع بموجبها فرض قيود على (الحقوق والحريات الأساسية... بالقدر الضروري للمحافظة على الأمن العام والسلامة العامة للبلاد) (المادة 189)». كما لفت إلى أن المشروع «لا يحدّد آلية انتخاب المجلس الأعلى للقضاء، أي الهيئة التي تشرف على استقلال السلطة القضائية، وينص في هذا الإطار على أن مجلس الشورى سيضع مشروع قانون للبتّ في هذه التفاصيل، مع الاكتفاء بأكثرية عادية لإقراره (المادة 126)».

مشروع الدستور «قد يتسبّب بتعميق مشاعر التهميش، ولا سيما أنه يفرض تعليق التجنيس لمدّة عشر سنوات».

وقال توالدو إنه «بعد سنوات من الانقسامات المؤسسية بين التحالفَين المتناحرين (عملية الكرامة وفجر ليبيا) ... تنص الخطة الجديدة على الموافقة على المراجعة الدستورية وإجراء الانتخابات من أجل استبدال الاتفاق السياسي الليبي الذي جرى التوصل إليه بوساطة من الأمم المتحدة وبقيادة فائز السراج».

ونوه إلى أنه «بحسب القراءة السائدة في القاهرة وأبوظبي وشرق ليبيا» فإن العمل بالاتفاق السياسي الليبي «ينتهي بعد سنتَين من تاريخ توقيعه في 17 ديسمبر 2015» معتبرًا أن هذا الاتفاق «وجد صعوبة في كسب الدعم والشرعية»، لكنه حذر من أن ذلك «يجعل البلاد من دون قواعد أساسية متَّفقًا عليها»، مشيرًا إلى أن انتخابات 2014 في ليبيا أظهرت «أنه في غياب هذا الإطار المؤسسي الذي من شأنه دفع المعنيين إلى التوصل إلى حلول توافقية، يمكن أن تتسبّب الانتخابات بتأجيج العنف بدلاً عن بسط الاستقرار في البلاد».

واعتبر توالدو أن العمل بالدستور بعد الموافقة عليه في استفتاء عام وإقرار القوانين المنظمة للانتخابات «خريطة طريق» من شأنها «تمنح ليبيا، في غضون عام واحد، دستورًا جديدًا، ورئيسًا منتخَبًا، وغرفتَين في مجلس الشورى، مما يضع على الأرجح حدًا لأزمة الشرعية التي تعاني منها المؤسسات راهنًا».

وقال إن «الرجل الذي يحمل مفتاح هذه العملية هو رئيس مجلس النواب عقيلة صالح»، ونبه إلى ضرورة موافقة مجلس النواب «أولاً على قانون الاستفتاء، الأمر الذي يتيح بدوره للمصرف المركزي صرف الأموال الضرورية لتنظيم الاستفتاء على الدستور». ونقل عن أستاذ القانون الليبي عزة مغور، أنه «ليست لمجلس النواب صفة قانونية تُخوّله الاعتراض على هذا القانون، لكن واقع الحال هو أن عقيلة صالح قد يعمد إلى تأجيل هذا التصويت لأسابيع إن لم يكن لأشهر».

من شأن التسريع في إجراء الانتخابات أن يُتيح لحفتر استثمار الانتصارات العسكرية والسياسية الكبيرة التي حققها أخيرًا

وأشار توالدو في مقاله إلى أن عقيلة صالح «يعارض الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور»، وأنه «حاول مرارًا وتكرارًا حلّها، خشية أن تتسبّب خريطة الطريق الدستورية والانتخابات بتهميشه». مبينًا أن الحكم الصادر من محكمة استئناف البيضاء بوقف إحالة مشروع الدستور إلى مجلس النواب الصادر في 17 أغسطس الجاري، «يصب في مصلحة رئيس مجلس النواب».

في المقابل قال الباحث الأوروبي إن رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج «يرى في خريطة الطريق الدستورية فرصة للبقاء في السلطة سنة إضافية على الأقل، بانتظار إجراء انتخابات برلمانية جديدة». بينما المشير حفتر «قد لا يروقه أن الدستور الجديد يفرض بعض القيود على سلطات الرئيس»، لكنه رجح إمكانية «أن يدعمه ما دام يتيح له الترشّح لمنصب الرئاسة»، غير أنه نبه إلى أن حفتر «لهذه الغاية، سيكون عليه التخلي عن الجنسية الأميركية التي يمتلكها إلى جانب الجنسية الليبية».

كما اعتبر توالدو أن «من شأن التسريع في إجراء الانتخابات أن يُتيح لحفتر استثمار الانتصارات العسكرية والسياسية الكبيرة التي حققها أخيرًا: تحرير بنغازي؛ والاعتراف الدولي الذي حصل عليه في قمة باريس؛ والدعم الذي يحظى به في مختلف أنحاء البلاد، والذي يستمدّ الزخم من غياب الثقة بالسراج». إلا أنه لفت إلى أنه «في حال استغرق تنظيم الانتخابات وقتاً طويلاً، فقد يصطدم حفتر بخيبة الأمل الشعبية من أسلوبه في إدارة الأراضي التي سيطر عليها أخيرًا، مثل بنغازي التي سوف تتطلب عملية مكلفة لإعادة الإعمار. في غضون ذلك، قد تظهر انقسامات داخل معسكره على خلفية الاختيار بين ترسيخ السيطرة على برقة أو التقدّم نحو طرابلس».

وقال توالدو إن «من الخيارات المطروحة وضع العملية الدستورية جانبًا بانتظار تراجع حدّة النزاع، والتركيز على سلسلة محدودة من التعديلات للاتفاق السياسي الليبي المعمول به راهنًا، والذي هو عبارة فعليًا عن دستور مصغّر يعرض بالتفصيل آلية سير العمل في مؤسسات الدولة». ورأى أنه «بموجب هذا الاقتراح، يتم خفض عدد أعضاء المجلس الرئاسي الحالي من تسعة إلى ثلاثة فقط»، مشيرًا إلى أن أنصار حفتر يريدون أن يكون أحد أعضاء المجلس الرئاسي الجديد.

وأشار إلى أن تعديل الاتفاق السياسي الليبي «يعتبر الخيار المفضّل بالنسبة إلى عدد كبير من أتباع حفتر في شرق ليبيا». وبيَّن أن هذا التعديل «يحظى بالدعم من مصر» وأن «له بعض المؤيّدين في أوساط القوى الداعِمة للسراج». لكنه نبه إلى أن هذا التعديل «يتطلب وقتًا طويلاً» موضحًا أنه «في حين أن الجميع قد يوافقون على الأرجح على أن يكون المجلس الرئاسي مؤلفًا من ثلاثة أعضاء فقط، يمكن أن يستغرق اختيار هؤلاء الأعضاء في غياب الانتخابات وقتًا طويلاً – بحسب ما لمسته الأمم المتحدة ومصر».

من الوسائل الأخرى لتخطّي الاعتراض على خريطة الطريق قيام الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور بإبطال البند الذي يمنع إجراء أي تعديلات في نص الدستور في السنوات الخمس المقبلة

كما قال توالد إن «من الوسائل الأخرى لتخطّي الاعتراض على خريطة الطريق قيام الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور بإبطال البند الذي يمنع إجراء أي تعديلات في نص الدستور في السنوات الخمس المقبلة، وتركه مفتوحاً أمام المراجعات – على أن يُفرَض مثالياً الحصول على غالبية مطلقة من الثلثَين لإجراء تعديلات، وذلك حرصًا على التوافق». معتبرًا أنه من خلال ذلك يمكن أن «تصبح لليبيا قواعد أساسية تنظّم سير العمل في المؤسسات وإجراء الانتخابات»، وأن «تصبح لديها أيضًا منظومة لتغيير تلك القواعد وتحسينها».

وأشار إلى أنه «بحسب الاقتراح الذي تقدّمت به المنظمة غير الحكومية (محامون من أجل العدالة في ليبيا)، يجب أن يستوفى الاستفتاء على الدستور شرطَين اثنين كي تكون نتائجه نافذة: تسجيل حد أدنى من نسبة الاقتراع، وإجراء الاستفتاء بعد بضعة أشهر، ما يمنح الليبيين وقتًاً كافيًا لقراءة النص الجديد ومناقشته، على أن تُجرى الانتخابات في مرحلة لاحقة».

ووفق الباحث الأوروبي فإن ذلك «يتيح تلبية عدد من المعايير المهمة في الفترة الفاصلة»، والتي من بينها «تأمين الخدمات العامة للسكان؛ الاستعانة بمبادئ التوزيع العادل للموارد المنصوص عليها في مشروع الدستور الراهن لمعالجة الأزمة الاقتصادية وأزمة السيولة؛ إعادة إعمار بنغازي وتأمين عودة النازحين داخليًا في العاصمة وسواها من المناطق في ليبيا؛ العمل على سحب الأسلحة الثقيلة من المدن؛ والشروع في إجراء مفاوضات محلية حول الأمن. يمكن القيام بكل هذه الخطوات تحت إشراف الأمم المتحدة».

وقال توالدو في ختام مقالته إن «من شأن خريطة طريق مستندة إلى دستور قابل للتعديل أن تشكّل جزءاً مما يسعى سلامة إلى تأمين الدعم له خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، شرط أن تقترن باستراتيجية أوسع نطاقاً لنشر الاستقرار وتلبية الاحتياجات الملموسة للمواطنين»، منبها إلى أنه «في غياب مثل هذه الاستراتيجية، قد يؤدّي دستورٌ انبثق عن عملية تعاني من مثل هذه الشوائب، إلى إطلاق ممارسة شكلية لا تقدّم الكثير من أجل بسط الاستقرار في ليبيا».