الصابري.. منطقة تبعث من مقبرة الإرهاب لتنهض من جديد

ألغام وعبوات ناسفة وضعتها قوى الشر في طريق المدنيين الأبرياء بمنطقة الصابري قبل تحرير الجيش الوطني مدينة بنغازي شرق البلاد، ووسط حقول الألغام تجولت «الوسط» في كل شبر من المنطقة، لترصد الواقع كما بات عليه.. عودة بعض النازحين إلى المنطقة، تعاطيهم مع المستجدات على الأرض، الطرق الرئيسية والفرعية وما آلت إليه بعد كسر شأفة الإرهاب.

وفي لقاءات خاصة مع سكان المنطقة، وقفت «الوسط» على المشهد كاملاً، والمحاولات التي تبذلها الأجهزة المعنية لإعادة المنطقة إلى سابق عهدها، وجهود الجيش والشرطة لفرض الأمن والاستقرار، وإعادة تأهيل المرافق، لاسيما شبكات مياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء.. ومع السطور التالية ربما تتضح الصورة أكثر وأكثر.

لمطالعة العدد 91 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

الطريق إلى منطقة الصابري بات متاحاً للجميع، وفي الإمكان الدخول إلى المنطقة عبر منطقة اللثامة باتجاه طريق البحر أو عن طريق شارع بريد السلماني ومقبرة سيدي إعبيد.

ليس بالإمكان التجول بالمركبات عبر الشوارع الرئيسية، حيث إنها مقفلة بسواتر من الحاويات والقمامة والأتربة والأعشاب، فدخول المكان يجري عبر الشوارع الفرعية رغم أن أغلبها ضيقة، بينما تصل بين الفينة والأخرى تحذيرات وإرشادات بتتبع آثار عجلات المركبات والآليات (جرت السيارت)، وهي الطريقة الوحيدة الآمنة لتجنب السقوط في فخ ألغام، راح ضحيتها عددٌ من منتسبي القوات المسلحة والمدنيين.ذات صباح غير بعيد وفي تمام التاسعة، كانت الشوارع شبه خالية، وعبر البوابة المنصوبة بعد مفترق طريق مقبرة سيدي إعبيد، التي كانت شبه خالية أيضاً، تمكنت «الوسط» من شق طريقها نحو مفترق مقابل لمحطة البنزين، التي تقع في واجهة مقبرة سيدي إعبيد القديمة بمنطقة الزريريعية، ومن هناك تتمدد الطريق الرئيسية المؤدية إلى محلات قطع غيار السيارات بنادي التحدي الرياضي، وعيادة الصابري المجمعة، ومحطة الصرف الصحي، ومبنى الشركة العامة للمياه والصرف الصحي، وعمارة غرفة الصناعة والتجارة، وصولاً إلى شارع الخطوط، الذي يعد أحد أهم الشوارع التجارية بمنطقة الصابري.

سواتر الحاويات والقمامة
لم يكن بالإمكان السير بالمركبة في كامل هذا الشارع في ظل سواتر الحاويات والأعشاب والقمامة والسيارات المتهالكة، وكان على سكان المنطقة العائدين من رحلة النزوح أن يسلكوا طريقهم نحو أحيائهم وبيوتهم عبر الشوارع الجانبية.

في شارع زيدان، المتفرع من مربع بوخشيم، عكف عبدو إبراهيم الأوجلي على حراسة وتنظيف منزله من بقايا الأغراض التي قرر الاستغناء عنها، وأشار في حديثه لـ«الوسط» إلى أن دخوله الصابري جرى عن طريق البحر، وبعد إعلان تحرير المنطقة بثلاثة أيام، معبراً عن استيائه من التصرفات السلبية من أبناء سكان المنطقة، التي منها إطلاق الرصاص في الليل دون أي سبب، فضلاً عن عمليات السرقة التي يقوم بها عددٌ من شباب المنطقة.

دخول المنطقة متاح عبر «اللثامة» أو عن طريق شارع بريد السلماني ومقبرة سيدي إعبيد

وقال الأوجلي: «إن سبب عزوف سكان المنطقة عن العودة سريعاً إلى بيوتهم، هو انقطاع الكهرباء والمياه، وعدم وجود ضمانات لخلو المنطقة كلياً من المفخخات والألغام».

وتسلم مركز شرطة الصابري بلاغات من السكان عن أشخاص انتهازيين يسرقون المنازل منذ إعلان تحرير المنطقة.

من جانبه قال رئيس شرطة الصابري، النقيب طارق نجم، لـ«الوسط» إن أسماء المتهمين بسرقة منازل في المنطقة مسجلة لديهم، مؤكداً ضبطهم والمسروقات قريباً، والتحقيق معهم وإحالتهم إلى جهات الاختصاص.

ووصف نجم، تلك التصرفات بـ«الشائنة»، التي تسيء إلى قوات الجيش وشباب المناطق المساندين الذين بذلوا الغالي والنفيس لتحرير مدينة بنغازي من العناصر الإرهابية.

غير عازم على البقاء
أما محمد الشريف الذي عاد إلى بيته بعد نزوح قارب الثلاثة أعوام، وانتقل إلى السكن في منطقة سيدي خليفة شرق بنغازي، ليجمع ما يحتاج إليه لأنه غير عازم على البقاء إلى حين عودة الكهرباء والمياه للمنطقة، فيرى أن أوضاع منطقة الصابري أفضل كثيراً من منطقة الزريريعية، التي قدِّرت نسبة الدمار فيها بـ 80%، لافتاً إلى أن منطقة الصابري لن تعود إليها الحياة في ظل غياب أبسط الخدمات من مياه وكهرباء وتنظيف الشوارع، خاصة الرئيسية، وصيانة خطوط مياه الصرف الصحي.وفي 21 من يوليو الماضي شكلت في منطقة الصابري الشرقي لجنة تسييرية، ضمت عشرة أشخاص برئاسة أحمد الدريك، وأوضح عضو اللجنة التسييرية فتحي فنوش أن اللجنة يتركز عملها في توفير الخدمات الأساسية للمنطقة بالتواصل مع الجهات ذات الاختصاص.

وقال فنوش إن اللجنة التسييرية في الصابري الشرقي التقت رئيس أركان القوات البحرية العميد فرج المهدوي، ووعد خلال اللقاء بتجهيز فريق من الهندسة العسكرية وآلية «بلدوزر» لتنظيف شوارع الصابري. كما قامت اللجنة بزيارة محطة الكهرباء بالميناء، وهي المحطة التي تغذي منطقة الصابري.

وبحسب فنوش، فقد كلف آمر صنف الهندسة العسكرية، العميد يوسف اللواطي، مجموعة من ضابط الصف يكون برفقتهم فريق خاص بمنطقة الصابري، وحدد مقراً لهم في إحدى مدارس المنطقة، وتكفل فاعل خير بتوفير وجبات الفطور والغذاء والوقود لفريق الهندسة العسكرية، ليباشر تمشيط المباني الحيوية مثل محطة الكهرباء ومحطات المياه والمدارس والمصارف، لتعود إليها الحياة قريباً.

وأكد فنوش أن صنف الهندسة العسكرية التابع للقوات البحرية بدأ العمل الفعلي في محطة الكهرباء.

التنسيق مع مدير أمن بنغازي
وتواصلت اللجنة التسييرية ضمن المهام الموكلة إليها مع مؤسسة «لا للألغام ومخلفات الحرب» ومنظمة «من أحياها لنزع الألغام» للمساعدة في تفكيك الألغام والمفخخات في شوارع وأحياء المنطقة والمنازل، كما تم التنسيق مع مكتب الرخص في بنغازي لمنح خمسة مخابز في الصابري حصصها من الدقيق بمجرد وصول الكهرباء إليها، وكذلك التنسيق مع مدير أمن بنغازي على تكليف 15 دورية من الدعم والبحث الجنائي وتوزيعها في منطقة الصابري.

وقال فنوش إنه جارٍ العمل في صيانة محطة الكهرباء ازواوة، كما جرت إزالة المولدات المحروقة لاستبدالها بأخرى جديدة بعد إتمام الصيانة التي تكفلت بها رابطة «محلات نادي التحدي» لبيع قطع غيار السيارات.

من جانبها تواصل الشركة العامة لخدمات النظافة في بنغازي أعمالها في مساعدة شركة المياه والصرف الصحي لإصلاح الأعطال في شبكات المياه والصرف الصحي المتضررة جراء الاشتباكات، وطمأنت سكان الصابري بأن خط 400 الرئيسي الذي يمر خلف عيادة الصابري «سليم ولا توجد به أضرار»، بحسب ما نشرته الشركة عبر صفحتها على موقع «فيسبوك». ونوهت الشركة إلى أن الضرر الحاصل في الخط 400 وقع فقط «في توصيلة فرعية» وليست بالخط الرئيس.

وتمكنت مصلحة الأحوال المدنية من نقل الملفات في مقرها بالصابري إلى مكان آمن بالتعاون مع رئيس مكتب إصدار السجل المدني الصابري، رافع الدرسي، وذلك للمحافظة عليها، كما تم العثور على مكتب قسم الوفيات سليماً ولم يتعرض للسرقة أو الإتلاف.

برنامج معالجة المياه الراكدة
إلى ذلك أصدر عميد بلدية بنغازي، المستشار عبد الرحمن العبار، تعليماته بشأن تشكيل فريق عمل بوحدة الإصحاح البيئي بالبلدية؛ لتنفيذ برنامج معالجة المياه الراكدة بعد أن تم توفير المادة المعالجة (هيبوكلوريت الكالسيوم) من قبل بلدية بنغازي، حيث توجه أعضاء مكتب الإصحاح البيئي إلى منطقة الصابري، ووسط المدينة لمعالجة ما تبقى من البرك والمستنقعات بهذه المنطقة، وصولاً إلى الأماكن المستهدفة للمعالجة بمادة (هيبوكلوريت الكالسيوم)، التي تم طرحها إلى المستنقعات والبرك المتواجدة بالمواقع الآتية: محلات نادي التحدي، عمارات السبخة (1015) المنطقة بالكامل، موقع فندق أفريقيا والأماكن المجاورة له، نادي الهلال وسوق الحديقة والمنطقة المجاورة له، شارع عمر بن العاص، والشارع الرئيسي لعيادة الصابرى ومقابلها.وأوضح مساعد مدير إدارة توزيع سهل بنغازي بالشركة العامة للكهرباء بنغازي، المهندس خالد العقوري، أن ما يعرقل استمرار العمل في المناطق المحررة أخيراً هو انتشار الألغام وهو ما يستلزم تأمين المحطات بتلك المناطق من قبل الهندسة العسكرية، مؤكداً جاهزية الشركة للقيام بمهامها داخل تلك المناطق.

ونعت الشركة العامة للكهرباء في بنغازي، المهندس خالد حسن الخفيفي، الذي توفي متأثراً بجراحه التي أُصيب بها جراء انفجار لغم أرضي في منطقة وسط البلاد، في السادس عشر من يوليو الماضي، وقال عضو المكتب الإعلامي بالشركة العامة للكهرباء في بنغازي، محمد الزوي، إن المهندس خالد حسين الخفيفي أُصيب جراء انفجار لغم أثناء تأديته عمله في شارع الشويخات بمنطقة وسط البلاد. ونقل على الفور إلى المستشفى لتلقي العلاج حيث كان يعاني جراحاً بالغة.

وأشار الزوي لـ«الوسط» إلى أن الشركة العامة للكهرباء تبذل جهوداً لإعادة التيار الكهربائي إلى المناطق المتضررة جراء الحرب في مدينة بنغازي، إلا أن مسلسل الألغام «لا يزال متكرراً نتيجة وجود ألغام ومخلفات حرب تركتها الجماعات الإرهابية، بالإضافة إلى ضعف الإمكانات المتوفرة للمتخصصين في كشف الألغام والمفرقعات».

الشوارع الرئيسية مقفلة بسواتر الحاويات.. و«مسار السيارات» الدليل الآمن لعدم الوقوع في فخ الألغام

وفي 24 أكتوبر 2014 خاضت قوات الجيش الوطني مواجهات عنيفة بحي الصابري في بنغازي مع عناصر مسلحة تابعة للدروع، سقط إثرها ضحايا من الطرفين.

فرار «بوكا» قائد الدرع
وتقدمت قوات الجيش الليبي عبر محور الساحل من منطقة توكرة وبرسس، معززة بآليات ثقيلة، وهاجمت في طريقها تجمعات لمتشددين في منطقة دريانة، وقتل إثر هذه العمليات القيادي في تنظيم «أنصار الشريعة» أنور الخفيفي، قبل أن يتقدم إلى منطقة سيدي خليفة، ويسيطر على مقرات لـ«درع ليبيا 2»، وفرار قائد الدرع محمد العريبي الشهير بـ«بوكا» من المنطقة.

ووصلت طلائع الجيش إلى منطقة حي السلام، حيث اُستقبلت بترحاب من الأهالي، بعد أن فقدت ستة من جنودها قتلوا غدراً داخل معسكر بودزيرة التابع لـ«درع ليبيا1».

فيما أعلن مدير مكتب إعلام القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، خليفة العبيدي في الخامس من يوليو الماضي، سيطرة القوات المسلحة الليبية على منطقة الصابري بالكامل، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الليبية في البيضاء.

وقالت الوكالة إن العبيدي أكد «بدء القوات المسلحة وأفراد صنف الهندسة العسكرية في عملية تمشيط منطقة الصابري من بقايا فلول الجماعات الإرهابية والألغام والمفخخات التي قامت بزرعها».وطالبت مؤسسة «لا للألغام» المواطنين من سكان الصابري ووسط البلاد بمدينة بنغازي بعدم الإسراع في دخول منازلهم، وإلى تأمينها من الألغام ومخلفات الحرب تماماً حفاظاً على سلامتهم.

وقال رئيس مجلس إدارة المؤسسة، لـ«الوسط»، «على سكان تلك المناطق الحذر من دخول منازلهم إلا بإذن من الجهات المسؤولة»، مضيفاً: «في حال وجدت مخلفات ألغام وذخائر على المواطنين الإبلاغ فوراً».

كما حذرت المؤسسة من العبث بأي جسم غريب أو لمسه أو أي أسلاك أو حرق أي شيء بالمنزل أو ما حوله ضماناً للسلامة.

3 سنوات من انطلاق «الكرامة»
وحينئذٍ خرج أهالي مدينة بنغازي إلى الشوارع للاحتفال بانتصار الجيش في منطقة الصابري وسوق الحوت ووسط البلاد، فور إعلان تحرير كامل المدينة من التنظيمات الإرهابية، بعد ثلاث سنوات من انطلاق «عملية الكرامة» في منتصف شهر مايو من العام 2014.

وشهدت خلالها بنغازي حرباً دامية بين الجيش والقوة المساندة له، والتنظيمات الإرهابية التي تمترست في عدد من أحياء المدينة، خاصة منطقتي الصابري وسوق الحوت، وفقد الجيش في هذه الحرب آلافاً من أبنائه بين قتلى وجرحى.

فيما نزح وهجر عشرات الآلاف من السكان، قبل أن يحقق الجيش انتصاره الكامل على تلك التنظيمات وتحرير المدينة منها، وشهدت مختلف أحياء وشوارع المدينة تظاهرات فرح عفوية شارك فيها أهالي المدينة من الرجال والنساء والأطفال؛ ابتهاجاً بإعلان تحرير مدينتهم.

وأعلن القائد العام للقوات المسلحة الليبية، المشير أركان حرب خليفة بالقاسم حفتر، تحرير مدينة بنغازي «بأكملها من كل الجماعات الإرهابية»، مثنياً على مجهودات «كل جنود القوات المسلحة والقوة المساندة».

وقال حفتر في كلمة نشرها مكتب إعلام القيادة العامة عبر قناته على موقع «يوتيوب»، وجهها إلى الشعب الليبي، «تزف إليك اليوم قواتك المسلحة بشرى تحرير مدينة بنغازي من الإرهاب، تحريراً كاملاً غير منقوص، وتعلن انتصار جيشك الوطني في معركة الكرامة ضد الإرهاب، نصراً مؤزراً من عند الله عز وجل، لتدخل بنغازي ابتداءً من اليوم عهداً جديداً من الأمن والسلام والتصالح والوئام والبناء والعمار والعودة إلى الديار، بعد أن كسرنا قيود القهر والذل وحواجز الخوف والرعب التي سعى الإرهاب إلى بنائها في نفوسنا، لتحل محلها مشاعر الطمأنينة والسرور والأمل والثقة بالنفس، ونرسم معاً بإرادتنا الحرة طريقنا نحو المستقبل».

مرارة الحرب وقسوتها
وأشار المشير حفتر خلال كلمته إلى «كفاح متواصل ضد الإرهاب وأعوانه، دام أكثر من ثلاث سنوات متتالية دون توقف، تحمل خلالها المواطن مرارة الحرب وقسوتها، وقدم فيها جيشك الوطني أرواحه ودماءه ليحيا الوطن حراً أبياً ويعيش المواطن كريماً في أرضه وسيداً عليها».

لمطالعة العدد 91 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وتقدم القائد العام للقوات المسلحة الليبية في ختام كلمته بالتهنئة إلى الشعب الليبي في كافة أرجاء البلاد، محيياً جنود الجيش الوطني «الأشاوس والقوة المساندة»، كما تقدم بخالص الشكر والتقدير للدول الشقيقة والصديقة على مساندتها ووقوفها إلى جانب الجيش الوطني الليبي.

وفي منتصف مايو 2014 أعلن اللواء خليفة حفتر الحرب على الميليشيات المتمثلة في ما عرف بـ«مجلس شورى ثوار بنغازي» المنضوي تحت تنظيم «أنصار الشريعة»، الذي صنف من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي كتنظيم إرهابي والمتحالف مع تنظيم «داعش»، وكذلك ما يسمى بـ«الدروع»، الكتائب المسلحة التي شاركت في أحداث «ثورة 17 فبراير2011»، بعد انتشار عمليات الخطف وسلسلة الاغتيالات التي طالت عناصر وضباط الأمن والجيش ورجال القانون والإعلام والنشطاء السياسيين على أيدي تلك الميليشيات المسلحة في ظل حالة من الانفلات الأمني.

المزيد من بوابة الوسط