«فورين أفيرز» تقدم حلولًا لـ«معضلة ليبيا» المؤرقة لأوروبا

قالت مجلة «فورين أفيرز» الأميركية إن عدم استقرار ليبيا يمثل مشكلة لأوروبا، في ظل ارتفاع أعداد المهاجرين عبر البلد الواقعة في شمال أفريقيا، على القارة العجوز خلال العام الجاري.

وأضافت «فورين أفيرز»، في تقرير نشرته أمس الخميس، أنه «رغم إعلان قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر تحرير مدينة بنغازي من المقاتلين الجهاديين، إلا أن تلك الخطوة لا تفعل الكثير من أجل دفع المد الهائل للمهاجرين الذين يستخدمون ليبيا كبلد عبور أو منع الانتهاكات العديدة التي تُرتكب ضدهم».

«رغم إعلان المشير حفتر تحرير بنغازي إلا أن تلك الخطوة لا تفعل الكثير من أجل دفع المد الهائل للمهاجرين»

ووفقًا لمنظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة فقد وصل 111 ألفًا و148 مهاجرًا ولاجئًا إلى أوروبا منذ مطلع العام وحتى السادس عشر من يوليو الجاري، غالبيتهم من أفريقيا، حيث عبروا الصحراء الكبرى، وباشروا الهجرة من الساحل الليبي.

سياسة أوروبية غير مجدية
وذكرت «فورين أفيرز» أن الاتحاد الأوروبي كان يبحث عن طريقة لوقف تدفق المهاجرين، وللتعامل مع عشرات الآلاف الذين يصلون إيطاليا يوميًا، مضيفة أن «نهج سياسة الاتحاد الأوروبي الحالية يهدف إلى غلق طريق الهجرة عبر وسط البحر المتوسط، وتعزيز الدوريات الساحلية الليبية وقدرات الإنقاذ في البحر».

لكن المجلة قالت إنه من غير المرجح أن يكون ذلك النهج فعالًا أو إنسانيًا، نظرًا لحجم المهاجرين الهائل وعدد المجموعات التي تستفيد من الاتجار بهم، ناهيك عن ضعف البحرية الليبية وغيرها من الأجهزة الأمنية الرسمية.

وقالت: «قبل عام 2011، استغل معمر القذافي بذكاء قدرته على استخدام بلده كصمام للهجرة، وانتزع مئات الملايين من الدولارات وغيرها من الامتيازات (مثل الزيارات رفيعة المستوى وزيادة التجارة والتعاون) من قادة الاتحاد الأوروبي في مقابل ضبط الحدود الليبية بصورة أكثر صرامة».

واعتبرت أن «الاتفاق الأخير بين الاتحاد الأوروبي وحكومة الوفاق الوطني هو في الحقيقة إحياء لاتفاق بين ليبيا وإيطاليا عام 2008، صُمم للسيطرة على الهجرة غير الشرعية آنذاك».

وتابعت أن «تلك السياسة ساعدت على إبطاء تحرك الأفارقة إلى أوروبا عن طريق إبقاء المهاجرين المحتملين في ليبيا، حيث تعرضوا لظروف سيئة وسوء معاملة، كما أحبطت آمال آخرين بالقيام بالرحلة».

وقالت إن «سياسة الاتحاد الأوروبي أسندت بشكل أساسي مسؤولية تلك القضية على نظام القذافي القمعي، مغامرة بحقوق المهاجرين»، مشيرة إلى تقارير بشأن إطلاق خفر السواحل الليبي النار على زوارق المهاجرين، فضلا عن ممارسات قاسية تُرتكب بحق المهاجرين في مراكز الاحتجاز الليبية، وترك المهاجرين لإعالة أنفسهم في مناطق الحدود الصحراوية القاسية، إضافة إلى أن البحرية الإيطالية أعادت مهاجرين إلى ليبيا دون أن تفحصهم على النحو الملائم لطلب اللجوء».

الاتفاق الأوروبي الليبي

«الاتفاق الجديد بين الاتحاد الأوروبي وليبيا لم يذكر اتفاقات حقوق الإنسان أو يوصي بفرض رقابة دولية لضمان حسن معاملة المهاجرين في ليبيا»

وأضافت المجلة، أن «الاتفاق الجديد يشترك في كثير من خصائصه بسابقه، فيما يتعلق ببنود بتحويل مسؤولية المهاجرين إلى ليبيا»، لافتة إلى أنه وفقًا للاتفاق، سيدعم الاتحاد الأوروبي إقامة معسكرات لاجئين في ليبيا، إضافة إلى دعم العودة الطوعية للاجئين الذين يرغبون في العودة إلى بلدانهم الأصلية، كما ينص الاتفاق على توفير التدريب والمعدات لخفر السواحل الليبي.

وأكدت أن الاتفاق لم يذكر الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان، أو يوصي بفرض رقابة دولية لضمان حسن معاملة المهاجرين في ليبيا، مرجعة ذلك إلى «عدم وجود سلطة شرعية في البلاد يمكنها تنفيذ تلك التدابير، حيث أصبحت ليبيا مقسمة منذ ثورة 2011 مع وجود ميلشيات مختلفة تتقاتل للسيطرة على الأراضي وموارد النفط القيمة».

«فورين أفيرز» تضع حلولًا لأزمة الهجرة عبر ليبيا
قالت المجلة إنه «رغم حالة الفوضى التي تعيشها ليبيا، إلا أنها لم تردع المهاجرين اليائسين من السعي إلى سلوك الطريق الليبي إلى البحر».

مصالحة سياسة شاملة
اعتبرت المجلة أن «التوصل إلى مصالحة سياسية بين الفصائل الليبية هو شرط أساسي للتعامل بشكل فعال مع قضية الهجرة (..) كان ذلك هدف اتفاق الصخيرات ولم يُجلب حتى الآن جميع الأطراف المعنية إلى اتفاق، أو اتفاق دائم، رغم أنه لا يزال يُنفذ تحت رعاية حكومات أجنبية مختلفة».

«التوصل إلى مصالحة سياسية بين الفصائل الليبية هو شرط أساسي للتعامل بشكل فعال مع قضية الهجرة»

وقالت إن الأمر قد يستغرق سنوات قبل تحقيق مصالحة شاملة، لكن في هذه الأثناء هناك مسارات لتحسين حال المهاجرين العابرين لليبيا، فعلى المستوى المحلي في ليبيا والدول المجاورة لها خاصة النيجر، يجب منح المهربين والجماعات الإجرامية التي تحتجز المهاجرين فرصًا اقتصادية أخرى، مضيفة أن المجتمعات المحلية هي الأفضل استعدادًا للقضاء على التهريب وتثقيف المهاجرين حول مخاطر العبور عبر ليبيا.

دور المانحيين الدوليين
وأضافت أنه بإمكان المانحين الدوليين، مثل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والمنظمات غير الحكومية، إشراك القبائل لإقناعهم بأن الاتجار بالمهاجرين وإساءة معاملتهم ليس في صالحهم.

وتابعت «فورين أفيرز»، أن «تمويل مراكز الاحتجاز في البلديات الليبية على النحو المنصوص عليه في الاتفاق الأوروبي الليبي قد يساعد، لكن هناك حاجة لبذل الجهود لضمان أن تلك المراكز تدار بشكل إنساني».

ولفتت إلى أنه يجب السماح لموظفي ومراقبي المنظمات المحايدة، كمنظمة الهجرة الدولية، بدخول تلك المراكز لتوثيق ومنع الانتهاكات، والتأكد من الوفاء بمستويات المعيشة الصحية والإنسانية، ومن توفير الرعاية الطبية الكافية»، مؤكدة أن هناك حاجة إلى تخصيص مزيد من التمويل إلى البلديات الليبية.

تعاون السلطات المحلية
وعلى الصعيد المحلي، قالت مجلة «فورين أفيرز» إنه يمكن دفع الحكومات الثلاث المتنافسة في ليبيا إلى العمل سويًا من أجل مواجهة قضية الهجرة، مضيفة أن «التعاون في قضية الهجرة بإمكانه خلق شكل من أشكال الوحدة الذي يمكن أن يعطي مصداقية لعملية المصالحة.

«تعاون الحكومات المتنافسة في ليبيا في قضية الهجرة بإمكانه خلق شكل من أشكال الوحدة الذي يمكن أن يعطي مصداقية لعملية المصالحة»

وأشارت إلى أن أجهزة الحكم الثلاث المتنافسة في ليبيا تمكنت في نهاية الأمر من التعاون في إنتاج النفط، الذي ازداد في الأشهر الأخيرة رغم الانقسامات والفوضى الداخلية في ليبيا.

وقالت إن: «المجتمع الدولي لعب دورًا في حث الفصائل الليبية على إبقاء عمل المؤسسة الوطنية للنفط وتدفق النفط، وليس هناك سبب يمنعه من فعل الشيء نفسه في مكافحة الاتجار».

وذكرت أن «مراكز الاحتجاز السيئة السمعة التي تديرها مراكز سلطة تستهلك موارد قيمة يمكن توجيهها بشكل أفضل لخدمة أشياء أخرى، مثل البرامج التي تعيد بناء البنية التحتية الأساسية وتقوي الروابط المجتمعية»، مضيفة أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التي تشمل مهامها رصد تطبيق حقوق الإنسان والإبلاغ عن الانتهاكات، ستكون بالغة الأهمية في هذا الصدد.

دور المبعوث الأممي
وطالبت «فورين أفيرز» مبعوث الأمم المتحدة الجديد إلى ليبيا غسان سلامة بجعل قضية معالجة انتهاكات حقوق الإنسان ضد المهاجرين أولوية قصوى في المخاطبات والسياسات. كما طالبت الاتحاد الأوروبي بتضمين شروط محددة لحماية حقوق الإنسان بأي اتفاقات أخرى مع الحكومة الليبية، بما في ذلك تدريب خفر السواحل الليبي على احترام حقوق الإنسان والإشراف على تطبيقه لذلك.

«على مبعوث الأمم المتحدة الجديد إلى ليبيا جعل قضية معالجة انتهاكات حقوق الإنسان ضد المهاجرين أولوية قصوى»

الضغوطات الدولية
وقالت المجلة إنه «على المستوى الدولي، فإن اللاعبين الخارجيين المختلفين بما في ذلك مصر وقطر والإمارات، الذين لهم مصالح ووكلاء ويديرون عمليات داخل ليبيا، بحاجة إلى إدراك محورية قضية الهجرة، وممارسة نفوذهم على الجماعات المسلحة الليبية لإجبارها على إدراج الهجرة في مفاوضاتها بشأن أي اتفاق سياسي جدي».

وأضافت أنه «يمكن للولايات المتحدة الأميركية العمل بشكل مشترك مع شركائها الأوروبيين للضغط على الدولة الخليجية ومصر للتغلب على خلافاتهم، مع جعل الهجرة نقطة محورية للاتفاق».

وأوضحت أن «بعض الخبراء اقترحوا أن التعاون لإنهاء الأزمة الليبية يمكن أن يكون طريقة لجلب الأطراف الخليجية المتنازعة معًا»، مشيرة إلى أن قطر والإمارات لديهما الموارد المالية للمساعدة في تمويل مراكز المهاجرين، وأن منح مزيد من الاهتمام الدولي لمحنة المهاجرين في ليبيا قد يجعل تلك البلدان تشعر بالخجل وتقوم بذلك».

وتابعت أن «البلدان التي تشتري النفط الليبي لديها القوة التي من خلالها يمكنها التأثير على الاقتصاد الليبي، عن طريق تكييف مشترياتها على التوزيع العادل للإيرادات النفطية داخل ليبيا، مما يقلل من جاذبية الاتجار».

 «الجهات الفاعلة الدولية عليها تتقبل عوامل الدفع والجذب الضخمة التي تؤدي إلى موجة الهجرة وخلق مزيدًا من قنوات الهجرة الشرعية»

وقالت «فورين أفيرز» في نهاية تقريرها إنه يتحتم على الجهات الفاعلة الدولية أن تتقبل عوامل الدفع والجذب الضخمة التي تؤدي إلى موجة الهجرة الحالية، وأن تخلق مزيدًا من قنوات الهجرة الشرعية، بما في ذلك تأشيرات العمل المؤقتة».

واعتبرت أن «التركيز على حماية حقوق وأرواح المهاجرين قبل أن يغادروا ليبيا قد يشكل نقطة انطلاق تجمع كل الأطراف المعنية بالقضية: الحكومات الأوروبية التي تريد منع المهاجرين من الدخول، والمنظمات غير الحكومية الدولية التي تسعى إلى مساعدتهم في رحلتهم، وصناع القرار في ليبيا من أعضاء الحكومات المتنافسة التي تريد الانتصار على المجتمعات المحلية».

وأشارت إلى أن «منظمات حقوق الإنسان انتقدت مقترحًا حديثًا لإيطاليا أيده الاتحاد الأوروبي يضع معايير للمنظمات غير الحكومية التي تحاول إنقاذ المهاجرين في البحر».

المزيد من بوابة الوسط