«بلومبرغ»: صنع الله «الساطع نجمه» يمثل تحديًا لأوبك وروسيا

قالت وكالة «بلومبيرغ» الأميركية إن انتعاش ليبيا في إنتاج النفط يتسبب في تقويض كبح الإنتاج الذي تقوده السعودية وروسيا، مضيفة بيد أن أي مطالبة من أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» بممارسة ضبط النفس من المحتمل أن تقاوم من قبل التكنوقراط الذي يشرف على تحول السياسة النفطية الليبية.

وقفز إنتاج ليبيا ليبلغ مستوى 1.1 مليون برميل يوميًا للمرة الأولى في أربع سنوات، حيث تضيف ليبيا إلى الإنتاج العالمي منذ شهر أبريل الماضي مما يعادل أو يتخطى ربع خفض الإنتاج الذي أقرته «أوبك» وحلفاؤها.

استعادة مستوى إنتاج النفط الليبي سلط الضوء على رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله، الذي ذاع نفوذه

إلا أن وزير النفط الكويتي، عصام المرزوق، رئيس لجنة المراقبة الوزارية المشتركة لأوبك والمنتجين المستقلين والتي تضم روسيا وسلطنة عمان والجزائر وفنزويلا، قال أول أمس الثلاثاء في مقابلة مع وكالة «رويترز» إنه رغم زيادة ليبيا ونيجيريا من النفط، فإن الإنتاج الحالي لدول «أوبك» الثلاثة عشرة من النفط يصل إلى نحو 32.4 مليون برميل يوميًا، وهو لا يزال ضمن الحدود التي أقرها الاتفاق عند 32.5 مليون برميل يوميًا.

وقالت «بلومبرغ» إن استعادة مستوى إنتاج النفط الليبي سلط الضوء على رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله، الذي ذاع نفوذه في بلد مقسم بين حكومة ضعيفة تدعمها الأمم المتحدة في الغرب وقائد عسكري قوي في الشرق.

وأضافت أنه عندما يجتمع أعضاء «أوبك» مع روسيا في سانت بطرسبرغ الأسبوع الجاري سيتحدث صنع الله، مهندس البتروكيماويات البالغ من العمر 56 عامًا عن دولة تتسبب قلق كبير بقدر الحفارات الأميركية الصخرية.

وقال مؤسس شركة استشارات مخاطر شمال أفريقيا، جيوف بورتر، في مقابلة مع «بلومبيرغ»: «صنع الله أصبح الشخصية المحورية في قطاع الغاز والنفط، مهمته هي إنتاج أكبر قدر ممكن من النفط في حين أنه يمكنه ذلك، وأعتقد أن هذا ما سيواصل القيام به».

مع تخطي إنتاج ليبيا من النفط مستوى المليون برميل يوميًا الرمزي يرغب أعضاء أوبك الآن في حضور ليبيا لاجتماع بطرسبرغ المقبل

وأعفيت ليبيا من اتفاق خفض الإنتاج الذي أقرته دول الأعضاء وغير الأعضاء بـ«أوبك» في ديسمبر الماضي، بسبب عدم الاستقرار الذي تشهده البلاد وتأثيره على مستوى إنتاج النفط بها، الذي وصل حينها إلى 500 برميل يوميًا. لكن الوكالة قالت إن ليبيا كانت خارج نطاق المراجعة الشهرية بـ«أوبك»، حيث لم تزود المنظمة ببيانات مستوى الإنتاج.

وقالت «بلومبرغ»: «الآن مع تخطي الإنتاج مستوى المليون برميل يوميًا الرمزي، يرغب أعضاء أوبك في حضور ليبيا في اجتماع بطرسبرغ»، مضيفة أنه بينما يبقى من غير الواضح ما إذا كانت ليبيا سترسل ممثلاً لاجتماع وزراء النفط في الرابع والعشرين من يوليو الجاري، إلا أن صنع الله سيحضر اجتماعًا فنيًا سيعقد قبل اجتماع الوزراء بيومين.

وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قالت إنها تلقت دعوة من الأمين العام لمنظمة «أوبك»، محمد باركيندو، لمشاركة خطط إنتاجها مع اللجنة الفنية المشتركة التابعة للجنة الرقابة الوزارية المشتركة. وقال صنع الله في بيان الثلاثاء الماضي إن ليبيا ستشارك مع لجنة المراجعة «العوامل التي تمكّن وتعيق» استعادة إنتاجها.

التحديات الليبية
وقالت «بلومبرغ» إنه فيما يتعلق بالانضمام إلى القيود المفروضة على إمدادات النفط، في الوقت الذي تمثل فيه الإكوادور ضربة لوحدة «أوبك»، فقد ألمح صنع الله سابقًا إلى أن التحديات التي تواجه ليبيا لن تجعل ذلك سهلاً.

ونقلت عن صنع الله قوله في بيان في الحادي عشر من يوليو الجاري، بعد اقتراحات من أعضاء آخرين بـ«أوبك» مطالبة ليبيا بخفض الإنتاج، إنه: «يجب أخذ الوضع السياسي والإنساني والاقتصادي الليبي في الحسبان إذا كنا سنتحدث‭ ‬‬عن فرض قيود على الإنتاج».

«باحث سياسي: صنع الله أظهر لأصحاب المصلحة الآخرين في البلاد أنه لديه المكانة الدولية التي يفتقر إليها أي شخص آخر تقريبًا»

وأشارت إلى أن مكانة صنع الله في البلاد المقسمة كان محور مقال رأي نشر في جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية الشهر الماضي، حيث حث المؤسسة الوطنية للنفط على البقاء بمنأى عن السياسة الداخلية للبلاد.

وقال الباحث السياسي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ماتيا توالدو، مع مقال «نيويورك تايمز» وزيادة إنتاج النفط الليبي، صنع الله «أظهر لأصحاب المصلحة الآخرين في البلاد أنه لديه المكانة الدولية التي يفتقر إليها أي شخص آخر تقريبًا».

صانع القرار

قال توالدو: صنع الله هو خليط من الدبلوماسي ووزير للنفط في تقليد سعودي كان ينتهج الدبلوماسية في الأغلب عن طريق النفط.

والتقى صنع الله الشهر الماضي كلاً من وزيري الطاقة والخارجية الجزائريين، لمناقشة كيف يمكن للجزائر المساعدة في توحيد الفصائل المتحاربة «لتحقيق الاستقرار في البلاد واقتصادها»، وفقًا لما ذكرته الخدمة الصحفية الجزائرية المملوكة للدولة.

عزم صنع الله على زيادة إنتاج النفط ينبع من المصاعب الاقتصادية التي واجهتها ليبيا منذ انهيار الدولة بعد ثورة 2011

وسعى صنع الله بالبقاء محايدًا في الاضطرابات السياسية في ليبيا. وبعد مسيرته المهنية في مصافي النفط في ليبيا تولى قيادة مؤسسة النفط في مايو 2014. ويعود له الفضل في إعادة تأكيد سلطة مؤسسة النفط في طرابلس ضد محاولات الأطراف الشرقية لبيع النفط بشكل مستقل. ووقعت ليبيا، خلال رئاسته للمؤسسة عقودًا مع شركات دولية، وانتهى حصار على موانئها، وزاد إنتاجها بأكثر من أربعة أضعاف من 250 ألف برميل يوميًا.

وقالت «بلومبرغ» إنه بدلاً من الحد من الإنتاج، كان صنع الله أكثر قلقًا بشأن زيادة الإنتاج، مشيرة إلى أنه عندما وقعت شركة روسنيفت الروسية اتفاقًا في فبراير للاستثمار في الاستكشاف والإنتاج في ليبيا، قالت مؤسسة النفط إن الاتفاق جزء من هدفها لزيادة الإنتاج إلى 2.1 مليون برميل يوميًا بحلول العام 2020.

قائد الاقتصاد
اعتبرت «بلومبرغ» أن عزم صنع الله على زيادة إنتاج النفط ينبع من المصاعب الاقتصادية التي واجهتها ليبيا منذ انهيار الدولة بعد ثورة 2011 التي أطاحت بمعمر القذافي.

وأشارت إلى أن الاقتصاد الليبي انكمش خلال السنوات الثلاثة الماضية، وهو ميزة تقاسمته ليبيا مع اليمن فقط الذي خاض حربًا أهلية، من بين 11 مصدرًا للنفط يتتبعها صندوق النقد الدولي في المنطقة التي تمتد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان.

«الاضطرابات العمالية والعنف السياسي تعرقل قدرة ليبيا على الحفاظ على الإنتاج ويتوقف الكثير أيضًا على رئيس مؤسسة النفط نفسه»

وليبيا هي العضو الوحيد في منظمة «أوبك» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي وصلت إلى أسعار النفط التي تحتاجها إلى الموازنة بين زيادة ميزانيتها منذ العام 2014.

وقال تودالدو إنه «في حين أن صنع الله لديه طموحات لتعزيز الإنتاج، فإن البلاد قد تكون بالفعل تضخ تحت سقف "ضمني" قصير المدى يتجاوز قليلاً مليون برميل يوميًا»، مضيفًا أنه إلى أن يزيد الاستثمار من قدرات الإنتاج، فإن ذلك يعني أن بقاء الحد الأقصى عند هذا المستوى قد يكون ممكنًا.

وقال بورتر إن الاضطرابات العمالية والعنف السياسي تعرقل أيضًا قدرة البلاد على الحفاظ على الإنتاج. ويتوقف الكثير أيضًا على رئيس مؤسسة النفط نفسه.

وأضاف: «الإنتاج معرض لمجموعة من المخاطر السلبية، يبدو أن القطاع بأكمله يعتمد على صنع الله».

المزيد من بوابة الوسط