«واشنطن بوست»: ليبيا «موطن تجارة ممنهجة لبيع المهاجرين»

سلطت جريدة «واشنطن بوست» الأميركية من جديد الضوء على أزمة الهجرة غير الشرعية في ليبيا، مع انتعاش تجارة تهريب المهاجرين، وقالت إن ليبيا موطن «لتجارة تهريب البشر المزدهرة»، حيث يُحتجز المهاجرون، غير القادرين على دفع رسوم شبكات التهريب الباهظة، كـ«عبيد، عرضة للتعذيب مع إجبارهم على العمل في الدعارة».

«من يتم إنقاذهم في البحر المتوسط يُعادوا إلى ليبيا حيث يتعرضون للاستغلال والعنف»

وقالت في تقرير نشرته أمس الأحد إن الوضع المتدهور للمهاجرين في ليبيا يثير كثيرًا من التساؤلات حول الاتفاقات التي تبرمها دول الاتحاد الأوروبي مع الجانب الليبي لوقف تدفق المهاجرين.

وبموجب تلك الاتفاقات، تحصل ليبيا على ما قيمته 225 مليون دولار لتطبيق إجراءات صارمة لتأمين الحدود وإنشاء مراكز لمساعدة المهاجرين تحترم القوانين الإنسانية الدولية. لكن بدلاً عن حصول المهاجرين على معاملة أفضل، قالت «واشنطن بوست» إن «من يتم إنقاذهم في البحر المتوسط يجري إعادتهم إلى ليبيا حيث يواجهون الاستغلال والعنف».

جهود خاطئة
لكن الناطق باسم القوات البحرية، العميد أيوب قاسم، اتهم منظمات دولية بعرقلة أي اتفاق مع الأوروبيين يخدم الجانب الليبي في مجال الحد من الهجرة غير الشرعية. 

القاسم: الإجراءات الدولية المتبعة «خاطئة ومشجعة على تزايد المهاجرين ومهربي البشر

وأشار، في تصريحات نشرتها وكالة «آكي» الإيطالية، اليوم الإثنين، إلى أن الإجراءات الدولية المتبعة «خاطئة ومشجعة على تزايد المهاجرين ومهربي البشر بشكل مقلق ومخيف».

ورأى القاسم أن «أخطر الظواهر التي أفرزتها الهجرة هي توالد ما يسمى بالمنظمات الدولية غير الحكومية وتكاثرها بالبحر المتوسط، خصوصًا قبالة السواحل الليبية وما تقوم به هذه المنظمات من انتهاكات صريحة للسيادة البحرية الليبية».

وطالب من جانبه أوروبا بتطوير عملية «صوفيا» البحرية، وإضافة بعض المهام لدعم البحرية وحرس السواحل الليبي مثل مراقبة تهريب الوقود والصيد غير القانوني في المياه الاقتصادية.

وبينما تتسابق الدول الأوروبية لوضع حل نهائي لأزمة الهجرة، تزايدت أعداد المهاجرين القادمين من ليبيا بشكل ملحوظ خلال العام الجاري، إذ وصل قرابة 70 ألف مهاجر إلى إيطاليا منذ بداية العام، وغرق نحو ألفين آخرين، ومن المتوقع زيادة الأعداد خلال أشهر الصيف.

وأظهرت بيانات منظمة الهجرة الدولية أن قوات خفر السواحل الليبي أنقذت عشرة آلاف مهاجر وأعادتهم إلى ليبيا منذ بداية العام الجاري، يتم وضعهم داخل مراكز الاحتجاز البالغ عددها 29.

الهجرة الدولية: قوات خفر السواحل أنقذت عشرة آلاف مهاجر وأعادتهم إلى ليبيا منذ بداية العام الجاري

ووصفت «واشنطن بوست» الأوضاع داخل مراكز الاحتجاز بـ«المزرية»، موضحة: «الزنزانات مكدسة بالمهاجرين، يوجد 20 مهاجرًا داخل كل زنزانة، المهاجرون يعانون الضعف، يسعون جاهدين للحصول على هواء نقي من خلال فتحات الأبواب الصغيرة، هربًا من رائحة الزنزانة الخانقة».

وقال أحد المهاجرين من الجزائر: «لم أتناول سوى قطعة خبز صغيرة. ساعدوني». وقال آخر من سيراليون: «تعرضت للجلد والضرب، ضربوني وأنا أتحدث مع والدتي على الهاتف حتى تسمع صوت صراخي».
«المهاجرون تحولوا لسلع»
قالت «واشطن بوست» إنها زارت مركزين للمهاجرين تديرهما الحكومة في طرابلس وآخر تديره «مجموعة مسلحة يزعم محققو الأمم المتحدة أنها متورطة في تهريب البشر» في مدينة الزاوية، وتكشف شهادات المهاجرين بتلك المراكز عن «تجارة ممنهجة سرية واسعة النطاق لبيع المهاجرين».

وأضافت الجريدة «الجزء الأسوأ في رحلة المهاجرين داخل ليبيا يبدأ قبل وصولهم مراكز الاحتجاز، إذ تعرض معظمهم للبيع والشراء من قبل شبكات التهريب التي تعمل بحرية في ظل الفوضى المسيطرة على البلاد».

كما أشارت «واشطن بوست» إلى أن «بعض المجموعات المسلحة تدير مراكز لاحتجاز المهاجرين، مثل مركز الناصر في مدينة الزاوية، أنشأته كتيبة الناصر، وهي كتيبة متورطة في تهريب النفط والمهاجرين وفق تقرير خبراء الأمم المتحدة حول ليبيا».

«معظم المهاجرين مدينون لشبكات التهريب وبالتالي أصبحوا ملكية خاصة»

ونقلت عن الناطقة باسم منظمة الهجرة الدولية قولها: «إن المركز هو حالياً تحت إدارة جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية التابع لوزارة الداخلية».

ونقلت الجريدة عن أحد القيادات القبلية في مدينة سبها يدعى أحمد تباوي قوله: «لا يُعامل المهاجرون على أنهم بشر، بل يتم تداولهم كسلع». وتابع: «لا يفكر أحد بإلقاء القبض على المهربين بالجنوب. مهربو البشر يملكون المال ويشترون الأشخاص، بمن فيهم أعضاء الشرطة ومسؤولون محليون».
ومن جانبها قالت الناطقة باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، كاثرين راي: «يعمل المسؤولون في أوروبا مع هيئات الإغاثة والمنظمات الدولية والحكومة في ليبيا للاستجابة لتلك المخاوف. نحن نعي تمامًا بالظروف غير المقبولة، حيث يُعامل المهاجرون داخل مراكز الاحتجاز بليبيا».

وقالت «واشنطن بوست» إن احتجاز المهاجرين يتم لأسباب مختلفة، فبضعهم مدينون بسبب تكاليف الرحلة وبالتالي تحولوا إلى «ملكية في يد شبكات التهريب». وبعض المهاجرين يتم بيعه مقابل خمسين دولارًا فقط.

وعزت الجريدة انتعاش تجارة تهريب البشر في ليبيا إلى الفوضى التي عمت البلاد منذ العام 2011، إذ انهارت المؤسسات الحكومية، وتُركت الحدود البرية والبحرية دون مراقبة، إلى جانب انتشار الأسلحة.

وانتعشت تجارة التهريب لتصبح واحدة من أكبر الأنشطة التجارية في ليبيا وتقدر بمليارات الدولارات، تتضمن أعدادًا غير محدودة من المجموعات المسلحة والقبائل ذات تأثير ومنتسبين للأجهزة الأمنية.
«منازل اتصال»
تحدث تقرير الجريدة الأميركية أيضًا عما سماه «منازل اتصال» في سبها، وهي منازل يقوم فيها المهربون ببيع المهاجرين إلى ليبيين آخرين، وهي منازل كبيرة الحجم، ينتظر بها المهاجرون فترات طويلة حتى الانتهاء من بيعهم إلى أطراف أخرى.

«منازل اتصال» تنتشر في سبها وطرابلس ينتظر بها المهاجرون فترات طويلة حتى بيعهم إلى أطراف أخرى

ويوجد العديد من منازل الاتصال في العاصمة طرابلس ومدينة سبها بالجنوب، معظمها دون نوافذ حتى لا يتم التعرف على من بداخلها. وقال أحد المسؤولين عن مركز للاحتجاز في طرابلس يدعى وجدي منتصر: «في أغلب الحالات، لا تعلم الحكومة عن تلك المراكز. وهناك يتم إجبار الذكور على بيع المخدرات، والفتيات على العمل في الدعارة».

ولفت منتصر إلى غياب التمويل والمساعدات المالية الكافية، موضحًا أن التمويل تم تجميده، وذلك بسبب الصراع السياسي القائم بين الفصائل الليبية.
وقال أحد المهاجرين من سيراليون يدعى إسماعيل كونتي: «تم وضعي داخل زنزانة صغيرة إلى جانب 20 آخرين، معظمهم من النيجر. كنا نحصل على وجبة واحدة من العصيدة مرة كل يومين، وعلينا شراء الطعام الآن من الحراس، ولم يملك معظمنا الأموال».

تجارة تهريب المهاجرين الأكثر انتعاشا وتضم عددًا غير محدود من المجموعات المسلحة والقبائل ذات تأثير ومنتسبين للأجهزة الأمنية

وتابع: «كل صباح، يجبرنا المهربون على الاتصال بعائلاتنا. اتصلت بوالدتي وأخبرتها أنهم احتجزوني ويريدون 400 دولار، لكنها بكت لأنها لا تملك هذا المبلغ».

ويسرد ماك ويليامز، من ساحل العاج، 29 عامًا، كيف وصل إلى ليبيا حيث استعار الأموال من أقاربه، وبدأ رحلته على متن حافلة من قريته ليصل قرية أغاديز بالنيجر عقب عدة أيام، وهناك تعرف على «وسيط» وعده بإيصاله أوروبا.

ووصل ويليامز إلى سبها، جنوب ليبيا، عقب سبعة أيام، ودفع 600 دولار ليصل من سبها إلى مدينة بني وليد ومنها إلى العاصمة طرابلس. وفي كل مدينة، يُنقل ويليامز وغيره من المهاجرين إلى «عهدة وسيط جديد». وقال: «قبل اقترابنا من الحدود الليبية، قابلنا دورية من قوات النيجر، فانحرف السائق عن الطريق وأمرونا بالنزول وتركونا في الصحراء بلا مياه أو غذاء».

المزيد من بوابة الوسط