«سيف» بين مطرقة القضاء الليبي وسندان «الجنائية الدولية»

طالبت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، أمس الأربعاء، بإلقاء القبض على سيف الإسلام القذافي، في وقت لم تنتهِ بعد الزوبعة السياسية والإعلامية التي أثارها إعلان الإفراج عنه، تطبيقاً لقانون العفو العام الصادر عن مجلس النواب، وفق تبريرها لهذه الخطوة، وأرجعت كتيبة «أبوبكر الصديق»، التي كانت تحتجزه، تنفيذ القرار إلى مراسلات وزير العدل بالحكومة الموقتة، ومطالبة وكيل الوزارة في مؤتمر صحفي بضرورة الإفراج عن نجل القذافي وإخلاء سبيله، طبقاً لقانون العفو العام، وأشارت الكتيبة إلى أن سيف القذافي غادر سجنه في الزنتان من تاريخ إخلاء سبيله، الجمعة الماضي، داعية «كافة مؤسسات الإصلاح والتأهيل إلى أن تحذو حذو مؤسسة الإصلاح بالزنتان والإفراج عن كافة المساجين السياسيين الذين شملهم قانون العفو العام»، ومنظمة حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية إلى «السعي لتطبيق القانون».

وانقسم الليبيون أمام توصيف الإفراج عن سيف القذافي، فمكتب النائب العام طالب بإلقاء القبض عليه، بينما دان المجلس العسكري في الزنتان إطلاقه، وحمل كتيبة «أبوبكر الصديق» المسؤولية الكاملة، في حين أصدر آمر المنطقة العسكرية الغربية العميد إدريس مادي قراراً بحل الكتيبة المذكورة، ومن ناحية أخرى تداول مغردون ليبيون على صفحات «فيسبوك» و«تويتر» أنباء عن مظاهر احتفاء في عدة مناطق ليبية بالإفراج عنه، وذكرت مصادر من قبيلة البراعصة أن سيف القذافي في حمايتهم بمدينة البيضاء على اعتبار أنهم أخواله، ونسبت وكالة «سبوتنيك» الروسية إلى مصادر قولها إن سيف سيلقي خطابه الأول بعد الإفراج عنه من جنوب ليبيا، وهو ما يفهم، إذا صحَّ، أن الرجل لا يزال لديه طموح سياسي، وأن الإفراج عنه صفقة ستليها صفقات مع رجال النظام السابق.

الغموض الذي يغلف مصير سيف القذافي جاء بعد شهرين، وتحديداً في 14 أبريل الماضي، عندما نقلت «الوسط» عن جريدة «كوريري ديلا سيرا» الإيطالية التي نشرت مقالاً بعنوان «حياة سيف القذافي الجديدة» في 13 أبريل من العام الجاري، أن سيف القذافي لم يعد في زنزانة بل لديه بيت مريح بالزنتان، وأنه على ما يبدو تزوج حديثاً، إذ كان برفقته طفلة عمرها 3 سنوات.

أرملة القذافي أطلعت نجلها على عرض روسي بقبول لجوء أفراد من الأسرة، لكنه أبلغها أنه «ليس مطمئناً لخروجه من الزنتان».

ونهاية مارس الماضي تحدثت وسائل إعلام عن ظروف احتجاز القذافي الابن في الزنتان، وذكرت أن سيف استقبل والدته صفية، أرملة العقيد القذافي، في منزل يخضع فيه لإقامة جبرية في الزنتان. وتحدثت الجريدة عن أن أرملة القذافي أطلعت نجلها على عرض روسي بقبول لجوء أفراد من الأسرة، لكنه أبلغها أنه «ليس مطمئناً لخروجه من الزنتان».

وفي مطلع مارس الماضي، أعلن المجلس العسكري لثوار الزنتان نقل سيف القذافي من محبسه لدى «كتيبة أبو بكر الصديق»، إلى مكان آمن تحت رعاية لجنة مشكلة من أهالي وثوار مدينة الزنتان، مرجعاً القرار إلى اللغط والتوتر الذي نشب بشأن اعتقاله والتصريحات التي صاحبتها.

لكن التأكيد الرسمي المفترض حول مكان تواجد سيف القذافي، انتقل إلى الجدال حول موقف نجل القذافي هل لا يزال مداناً أم شمله العفو العام؟، في عودة إلى قرار محكمة استئناف طرابلس في 28 يوليو 2015 بالحكم عليه غيابياً بالإعدام مع عبدالله السنوسي والبغدادي المحمودي وآخرين من رموز النظام السابق.

التأكيد الرسمي المفترض حول مكان تواجد سيف القذافي، انتقل إلى الجدال حول موقف نجل القذافي هل لا يزال مداناً أم شمله العفو العام؟

وفور تداول خبر الإفراج، طغى الحديث حول المستقبل السياسي لنجل القذافي، ففيما حذرت أطراف من استغلاله كورقة سياسية على غرار بيان مجلس أعيان الزنتان، الذي رفض «استخدام ورقة سيف سياسياً أو اجتماعياً، أو محاولة فرض واقع سياسي لا يرتضيه الليبيون»، فإن البعض ترك مساحة للجدال حول مستقبله السياسي، على غرار تصريح لناجي المغربي رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، الذي قال: «من حق سيف القذافي العودة للحياة السياسية ما دام لم يتورط في أي أعمال عنف أو إرهاب»، وبالتوازي مع ذلك، تداول نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي ما يفيد زيارة سفيرة فرنسا بريجيت كرومي مدينة الزنتان، وأن ثمة دوراً للأخيرة في الإفراج عنه، وهو ما دفع السفارة الفرنسية إلى إصدار بيان نفت فيه أي دور لها في ذلك، وقالت إنها «مجرد إشاعات لا أساس لها من الصحة»، مشيرة إلى تأييد فرنسا قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، طلب إصدار مذكرة لتوقيف سيف بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

ويبدو أن عنصر توقيت إعلان إطلاق نجل القذافي فتح الباب واسعاً أمام التكهنات السياسية، فهو يأتي في وقت استحكم فيه الجمود على العملية السياسية، وانطلقت دعوات إلى حل الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، ما يعني إهالة التراب على المشروع، ثم المتغيرات الميدانية التي شهدتها العاصمة بضرب وشد الخناق على القوى الممثلة لتيار «الإسلام السياسي»، وكذلك التقدم الذي أحرزته قوات الجيش في منطقة الجفرة، هذا على الصعيد المحلي، أما على الصعيد الإقليمي فالخطوة أتت في خضم العقوبة الخليجية لدولة قطر بمقاطعتها على خلفية اتهامها بدعم الإرهاب، وهي لاعب مؤثر في الأزمة الليبية، وفي السياق إصدار المقاطعين «السعودية والإمارات ومصر والبحرين» قائمة تحوي 59 اسماً صنفتهم كإرهابيين، بينهم خمسة ليبيين، معروفون بعلاقتهم الوثيقة مع قطر، ما يعني إضعاف الطرف المحسوب على قطر في مساق الأزمة الليبية، وهو ما يصب- حسب متابعي الشأن الليبي- في رصيد الفريق الذي يوصف بأنه مدعوم من قبل دولة الإمارات وهي لاعب مؤثر أيضاً في المشهد الليبي.

أي ريح سياسية ستكون سند سيف وداعمه، وسط هذه المتغيرات إذا ما قرر بالفعل الانخراط في اللعبة السياسية؟

ومن هنا يجيء السؤال: أي ريح سياسية ستكون سند سيف وداعمه، وسط هذه المتغيرات إذا ما قرر بالفعل الانخراط في اللعبة السياسية، إلى ذلك فإن العامل الخارجي لم يكن بعيداً في تعاطي الليبيين مع واقعة إطلاق سيف، ولعل هذا ما جعلهم يربطون الواقعة بنشاط السفيرة الفرنسية في ليبيا، خاصة ما تعلق بتواصلها مع أوساط الزنتان ومصراتة، لكن السؤال في هذه الحالة، هو الذي تريده فرنسا مثلاً؟ وإذا صح الحديث عن دور خارجي، فإن الخطوة الثانية والأهم هي تصفية ملف سيف القذافي في محكمة الجنايات الدولية.

أمام كل ذلك تبقى الإشارة إلى صعوبة وضع سيف القذافي بعد الإفراج عنه، فهو واقع بين مطرقة القضاء الليبي وسندان القضاء الدولي، فيما تبرز أيضاً معضلة حمايته وتأمينه وسط حالة الفوضى الأمنية التي تعيشها البلاد.

المزيد من بوابة الوسط