باحث أميركي: من يحكم بنغازي يحكم ليبيا

سلط مقال، نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» الأميركية، الضوء على العمليات العسكرية في مدينة بنغازي بقيادة قائد الجيش المشير خليفة حفتر، وقال إنها «خلقت انقسامات عميقة بين القبائل والعائلات هناك، وزادت من النزعة العدائية ضد حفتر نفسه».

«يسعى حفتر لتأمين الاعتراف الدولي، إذ أرسل وفودًا إلى واشنطن، للترويج لفكرة مجلس عسكري يحكم ليبيا»

ووصف كاتب المقال(*)، فريدريك ويري، القائد العام للجيش الليبي بـ«الشخصية الأقوى والأكثر استقطابًا في ليبيا»، وقال: «يبدو أنَّ تحركات حفتر لن تقتصر على بنغازي، وأنه ينوي التحرك على مستوى وطني، ولم يخفِ حفتر نيته التحرك غربًا صوب العاصمة طرابلس للقضاء على المجموعات الإسلامية هناك، وسيطر حفتر بالفعل على المنشآت النفطية في الهلال النفطي، وسيطر مؤخرًا على قواعد جوية بالجنوب».

وأضاف ويري وهو باحث في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة «كارنيغي» للسلام قائلاً: «يسعى حفتر لتأمين الاعتراف الدولي، إذ أرسل وفودًا إلى واشنطن، حيث روَّج لفكرة مجلس عسكري يحكم ليبيا، وهي فكرة قوبلت بالرفض». وظهرت في بنغازي حركة «التفويض الشعبي لإنقاذ ليبيا»، وهي حركة مدنية تسعى لجمع 400 ألف توقيع للسماح لخليفة حفتر بحكم البلاد.

ونقل ويري عن مسؤول أميركي، قال إنه حضر الاجتماعات مع الوفد الليبي، إن الخط الأساسي في الاجتماعات كان الإشراف المدني للجيش الليبي، لافتًا إلى «موافقة حفتر مبدئيًّا على وجود مجلس مدني من ثلاثة أعضاء يتولى الإشراف على الجيش، أو أن يرشح نفسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة العام 2018».
آثار عكسية
ويرى الباحث الأميركي أنَّ عمليات حفتر العسكرية في بنغازي أتت ببعض النتائج العسكية، أولاها أنها «خلقت عوامل مزعزعة للاستقرار مثل عودة السلطوية والظهور السياسي المتزايد لحفتر نفسه، في تحدٍ كبير لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة». وأضاف: «هذا الصعود مدعوم من محور مصر- الإمارات، وإشارات بدعم من إدارة دونالد ترامب، وتوابعه ستؤثر على كافة أنحاد البلاد».

ويقول ويري إن «حفتر أخطأ»، موضحًا: «مهاجمة حفتر الإسلاميين وضعت المجموعات الوسطية والجهاديين في فريق واحد، ومع مرور الوقت، تحول ميزان القوى لصالح المتشددين، مدعومًا بتدفق مقاتلين من تونس ومصر وغيرهم من المقاتلين الأجانب. واستمر ذلك حتى ظهور تنظيم (داعش) العام 2015 مستغلاً الفوضى الراهنة».

«تسعى المجموعات السلفية لتأمين سيطرتها على الشؤون الأمنية والحياة الاجتماعية في بنغازي والمنطقة الشرقية»

ومن الآثار الثانوية أيضًا لـ«عملية الكرامة»، وفق ويري، الظهور القوي لـ«الإسلام المحافظ» في بنغازي. فرغم «معاداة حفتر المجموعات الإسلامية، إلا أنه دعم المجموعات الإسلامية المحافظة والسلفيين. وانضمت بعض المجموعات السلفية لعملية الكرامة منذ بدايتها، بل وأرسلوا وفدًا إلى السعودية للحصول على فتوى تجيز دعم حفتر في حربه».

ومؤخرًا، تسعى «المجموعات السلفية الموالية لحفتر لتأمين سيطرتها على الشؤون الأمنية والحياة الاجتماعية في بنغازي والمنطقة الشرقية. فهم ينشرون مسلحين تابعين لهم حول المدينة، ونشطاء في ما يخص تنظيم السجون، ويقوم السلفيون بعمل شرطة الأخلاق، وأحرقوا وصادروا كتبًا بدعوى أنها من دروب (الهرطقة)».
صراع اجتماعي
واعتبر ويري أن «حرب بنغازي ليست مجرد عملية عسكرية ضد إرهابيين، لكنها صراع اجتماعي عميق، بين جيران وأبناء عمومة، تغلفه توترات قبلية بين قبائل الشرق والعائلات من الغرب، وبين أغنياء المدينة والفقراء. وظهر ذلك في زيادة وتيرة عمليات التعذيب والاختفاء القسري والتعدي على الملكيات والإعدامات خارج إطار القانون».

ولفت ويري أيضًا إلى «تورط مجموعات مسلحة مدعومة من حفتر في ارتكاب الجرائم السابقة، بينهم قوات الدعم، التي تشكل بين60 و80% من قواته، إذ هاجمت ودمرت منازل مسلحين من فصائل منافسة. وبرر أحد قيادات عملية (الكرامة) تلك الأفعال بالرغبة في إنقاذ النسيج الاجتماعي لبنغازي، لكن ما حدث هو العكس».

وقال: «وجدت أدلة على تلك الانتهاكات خلال تجولي في منطقة الليثي، وهي منطقة صغيرة مزدحمة مشهورة بالتشدد، وشاهدت منازل وسيارات محترقة. ولاحظت آثار نهب، بعضها سببه تنافس طبقي، ونوع من أنواع التعبير عن سخط القبائل الفقيرة نحو الغنية، وأدى ذلك كله إلى نزوح عائلات من حي الليثي وغيره خوفًا من الهجمات الانتقامية».

«حرب بنغازي ليست مجرد عملية عسكرية ضد إرهابيين، لكنها صراع اجتماعي عميق تغلفه توترات قبلية»

وحذر ويري من أن خوف العائلات النازحة من الهجمات الانتقامية «بمثابة العمود الفقري للمعارضة المسلحة ضد حفتر». وأوضح: «آلاف العائلات أُجبرت على الخروج من بنغازي، بسبب أن أحد رجالها يقاتل ضد حفتر. ويزعم بعض النازحين أنَّهم تعرضوا لهجمات من قبل قوات حفتر بسبب نسب العائلة أو القبيلة».

وأكد أنه «قابل أعضاء مجموعات مسلحة في مصراتة يقومون بشحن أسلحة إلى معارضي حفتر»، وقال: «إنهم يرون أن عمليات حفتر العسكرية خلقت نزعة عدائية بين قبائل المنطقة الشرقية ضد الغرب. فأي قبيلة ليست من أصول بنغازي أصبحوا يطلقون عليها لقب (غرباء) دون اعتبار لآلاف عائلات مصراتة التي هاجرت إلى بنغازي منذ قرون واستقرت هناك في العمل والتجارة، بل يتهمهم قبائل بنغازي بعدم الانتماء للمدينة. والأسوأ، أنهم أطلقوا على عائلات مصراتة لقب (أتراك) أو (شركس) بسبب الروابط التاريخية بين مصراتة والامبراطورية العثمانية».

واستطرد قائلاً: «الأمر الواضح هو أن روح العداء والنزعة الانتقامية لدى النازحين ومعارضي حفتر ستستمر، كما أوضح أحدهم: مَن يحكم بنغازي يحكم ليبيا».

ولهذا وصف ويري الحرب في بنغازي بـ«المربكة، لأنَّها تتقاطع مع الصلات القبائلية والعائلية وخلقت انقسامًا بين العائلات نفسها، فبعض القبائل الشرقية تقاتل مع معارضي حفتر، وبعض قبائل مصراتة وقبائل غربية تدعم حفتر».
مدينة منسية
ولا تزال المعارك العسكرية في مدينة بنغازي مستمرة، ولم تنتهِ في غضون أسابيع كما توقع حفتر، لكنها استمرت لسنوات. وقال ويري: «خلال تلك السنوات، تدفقت المساعدات الدولية لدعم قوات حفتر، بينما انضم مئات الأجانب إلى صفوف أعداء حفتر. وانضمت الإمارات إلى مصر في إرسال عربات مدرعة وطائرات هجومية لحفتر، إلى جانب الاهتمام الروسي».

وتعود جذور «عملية الكرامة» إلى ما بعد الهجوم على المجمع الدبلوماسي الأميركي في بنغازي العام 2012، الذي قتل أربعة أميركيين بينهم السفير كريستوفر ستيفنز.

وفي الأشهر التي تلت الهجوم، قال ويري إن «بنغازي تحولت إلى مدينة منسية» إذ انتشرت عمليات القتل والاغتيال والتفجيرات الانتحارية، مستهدفة قضاة ونشطاء وعناصر أمن وضباطًا بالجيش، واختلفت الدوافع بين «عنف إسلامي، ونزاعات قبلية ونزعات إجرامية»، ونتيجة لذلك أصبح السكان يتوقون لشخص ما بإمكانه إنهاء تلك الفوضى.

وتابع: «وهنا تدخل حفتر. أخبرني حفتر خلال زيارتي أنه لا يسعى فقط للقضاء على الإسلاميين، بل أيضًا استعادة شرف الضباط الذين أُبعدوا على يد المسلحين. واشتكى أن ضباط نظام القذافي يتقاضون رواتب أقل من رواتب منتسبي المجموعات المسلحة الإسلامية غير المدربين، مشيرًا إلى روابط بين هؤلاء والمجموعات الجهادية. وألقى باللائمة على فساد البرلمان والقيادة المدنية في طرابلس».
ليبيا «مقبرة الإرهاب»
وأجرى ويري زيارات عدة إلى ليبيا خلال الثلاث سنوات الماضية، قابل خلالها خليفة حفتر، وقال: «أخبرني حفتر أن ليبيا ستكون مقبرة الإرهاب الدولي. كان ذلك في الأيام الأولى لعملية (الكرامة) العسكرية التي أطلقها للقضاء على الإسلاميين والمسلحين الجهاديين الذين تحصنوا في بنغازي منذ ثورة 2011. ووعد حفتر وقتها بأن تنتهي العملية العسكرية في غضون أسابيع».

وتابع: «لكن عملية (الكرامة) مستمرة منذ 36 شهرًا، وهي مدة أطول من الثورة التي أطاحت معمر القذافي. وتسبب الصراع في مقتل وتشريد الآلاف، وتسببت في دمار لم تشهده ليبيا منذ الحرب العالمية الثانية».

لكنه أوضح أيضًا أنَّ قوات حفتر أحرزت بعض التقدم، وأبعدت عناصر «الإسلاميين» وحاصرتهم في أحياء سكنية محدودة.

وفي ما يخص بنغازي، لفت ويري إلى أن الحياة في المدينة تعود تدريجيًا إلى طبيعتها، إذ عاد رجال الشرطة والمرور إلى ممارسة مهامهم، واستأنفت المصانع والمزارع العمل، وعادت الأنشطة الترفيهية أيضًا سواء في المحال التجارية والمراكز التجارية والنوادي، لكن آثار الدمار والحرب لا تزال موجودة في كثير من شوارع ومناطق المدينة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) فريدريك ويري: له أبحاث حول ليبيا بينها: إنهاء الحرب الأهلية في ليبيا: التوفيق بين السياسة وإعادة بناء الأمن، وهو مؤلف كتاب السياسة الطائفية في الخليج: من حرب العراق إلى الانتفاضات العربية