طرابلس.. ليل نهار بنكهة رمضانية

اختفت رائحة «المكياطة» و«الكابتشينو» و«الأكسبرسو» و«البريوش» بالعسل التي كانت تعبق منذ الصباح الباكر من المقاهي وصالات الإفطار الصباحي المنتشرة في شوارع وأزقة العاصمة الليبية طرابلس بعد أن أقفلت هذه المحلات أبوابها منذ السبت الماضي الذي صادف اليوم الأول من رمضان.

عرف الليبيون، خصوصاً سكان العاصمة والمدن الكبرى عادة شرب «الأكسبرسو والمكياطة والكابتشينو»، وتناول البريوش بالعسل والشكلاطة مع بداية الاحتلال الإيطالي للبلاد، إلى جانب «السباقيتي» والبيتزا ومختلف المعجنات التي يشتهر بها المطبخ الإيطالي عالمياً.

معظم العائلات الليبية تتبع سياسة شراء ما يلزمها «كل يوم بيومه» واختفت ثقافة التخزين السائدة منذ الطفرة النفطية

كانت «الزميطة والبسيسة» والتمر والشاي أهم مكونات وجبة الإفطار الصباحي عند الليبيين وإن كان الكثير من الأسر خصوصاً في الريف ومناطق الجبل الغربي لا تزال تحتفظ بهذه الوجبات حتى اليوم.يوسف صالح العمراني (28 عاماً)، فني تصليح أجهزة كمبيوتر، يحكي ذكرياته مع هذه العادات الرمضانية قائلاً: «كانت أمي قبل عدة سنوات تعد لنا البسيسة (طحين أساسه الحمص يُطحن مع القمح وبقوليات أخرى ويخلط بزيت الزيتزن)، نتناولها مع التمر على وجبة الإفطار في الشتاء، وتعد لنا الزميطة (دقيق لين من الشعير يحضر مع زيت الزيتون أو رب التمر والعسل) نتناولها صيفاً، ولكن عندما كبرنا قليلاً وتحديداً في المرحلة الثانوية لم تعد أمي تصنع هذه الأشياء كثيراً لأنني وإخوتي بدأنا نقصد مقهى الحي حيث نتناول الكابتشينو والبريوش، وزوجتي لا تعرف اليوم إعداد هذه الأصناف، وبالتالي نضطر لشرائها جاهزة خصوصاً في شهر رمضان بالنسبة لـ(البسيسة) تحديداً».

أما صالحة عمار (وهي تعمل مدرسة وأم لأربعة أطفال)، فهي تتحدث عن أسباب اختفاء «المأكولات الشعبية مثل (البسيسة والزميطة)، وتقول إن النساء الشابات «لم يعد في مقدورهن صناعة هذه الأصناف، لأنها تتطلب الكثير من الجهد إلى جانب انصراف المرأة إلى العمل خارج البيت، وتفضيل الأبناء ذكوراً وإناثًا الأكل الجاهز في المقاهي، علاوة على ارتفاع تكاليف إعداد هذا النوع من المأكولات في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار».

وضربت مثلاً على ذلك بغلاء الأسعار، إذ «قفز سعر كيلو الحمص من دينارين إلى ما بين 14 و18 ديناراً، وهو عنصر أساسي لإعداد البسيسة، ويتراوح سعر كيلو الدقلة اليوم ما بين 11 و18 ديناراً»، مؤكدة أن الأمور «أصبحت لا تطاق وتبعث على الجنون».

ومع قفل أبواب هذه المقاهي صباحاً، التي تضاعف عددها بشكل ملحوظ منذ العام 2011، مع توافد آلاف الشباب من مختلف مدن الدواخل ضمن الجماعات المسلحة التي انتشرت في العاصمة، وكذلك الآلاف من الأسر النازحة من مناطق النزاع، غابت تلك الحكايات الصباحية والنقاشات الساخنة، التي كانت تدور بين الشباب عن الوضع الأمني والسياسي وأخبار الفيس وبخاصة عن دوريات كرة القدم في أوروبا وأخبار نجوم اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتنتقل إلى المساء بعد أن تعاود هذه المقاهي فتح أبوابها إلى ساعة متأخرة من الليل رغم الأوضاع الأمنية الهشة.

وتستيقظ طرابلس منذ السبت الماضي بخطى متثاقلة فييما كانت الشوارع شبه خالية من المارة والسيارات، ولا تبدأ الحركة في النشاط إلا مع منتصف النهار باستثناء الطوابير الطويلة لربات وأرباب الأسر من كبار السن والمتقاعدين على وجه التحديد، أمام المصارف الخالية من السيولة رغم إعلان المصرف المركزي عبر صفحته على فيسبوك الأحد الماضي تحويل أذونات صرف مرتبات شهر مايو بالنسبة للعاملين في قطاعات الدولة.

ويرى كثير من الليبيين أن المصرف المركزي يمارس التضليل من خلال إعلاناته المتكررة عن تحويل أذونات الصرف إلى المصارف التجارية الوطنية مع علمه أن هذه المصارف لا تتوفر على السيولة التي يحتكرها المصرف المركزي، لصرف رواتب الموظفين.

وفي هذا السياق دعا مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي الليبيات والليبيين إلى رفع قضايا أمام المحاكم ضد محافظ مصرف ليبيا المركزي ومن معه بتهمة تضليل الرأي العام والكذب على المواطنين وتحويل أذونات لا تعدو كونها حبراً على ورق، ومنع صرف رواتبهم والمطالبة بالتعويض عن الأضرار الجانبية الناجمة عن ذلك.وحول أسباب تحول طرابلس في رمضان إلى شبه مدينة أشباح من بعد الفجر وحتى منتصف النهار، يقول مصباح الدعيسي (28 عاما - موظف بشركة خاصة للتأمين الصحي) إنه لا يتحرك من منزله قبل منتصف النهار، مشيرًا إلى أن العمل في الشركة يسير بوتيرة بطيئة جداً على خلفية الركود الذي يضرب البلاد للعام السادس على التوالي. ويضيف أنه نسق مع زملائه في القسم الذي يعمل فيه بحيث يحضر موظفان من أصل ستة بالتناوب كل ثالث يوم لتسيير العمل إن وجد.

وينصرف أرباب الأسر بعد الظهر إلى أسواق الخضار ومحلات بيع المواد الغذائية، حيث تغيرت إلى حد كبير ثقافة الاستهلاك وتخزين المواد الغذائية لدى الأسر الليبية بشكل ملحوظ بسبب لهيب الأسعار الذي طال كل شيء واستفحال أزمة السيولة في المصارف.

وبدأت معظم العائلات الليبية تتبع سياسة شراء ما يلزمها «كل يوم بيومه» واختفت ثقافة التخزين التي كانت سائدة على مدى عدة عقود منذ الطفرة النفطية مع نهاية ستينات القرن الماضي وترسخت بعد انتشار نظام الجمعيات الاستهلاكية الذي أقامه النظام السابق والذي غير الكثير من عادات الليبيين.

فرج الرقيعي (52 عاماً)، أب لخمسة أطفال وموظف بوكالة للسفر والسياحة، في رأيه «لا يمكن أن نقول بوجود مجاعة في ليبيا حتى الآن. نعم لقد انخفض استهلاك الأسر الليبية كثيراً بل وغابت كثير الأصناف عن المطبخ الليبي بسب شح السيولة في المصارف والارتفاع الجنوني للأسعار، ولكن لا توجد لدينا مجاعة مثلما أشارت إلى ذلك بعض وسائل الإعلام».

وأضاف الرقيعي: «تقوم زوجتي اليوم بإعداد البوريك، وهوأكلة رمضانية بالبطاطس والبقدونس وهو لذيذ جداً بدلا من إعداده باللحم. وقلصنا عدد الأطباق التي كان معظمها يذهب إلى القمامة، ولم يعد طبق البيتسا الذي كان حاضرا كل يوم ضمن سفرة الإفطار الرمضاني إلا مرة واحدة في الأسبوع، بسبب ارتفاع سعر الأجبان بشكل غير مسبوق».

الركود والصيام يحولان شوارع العاصمة نهاراً إلى مدينة أشباح

وقال في هذا الصدد: «كان سعر جبنة الموزاريلا وهي مادة أساسية لإعداد البيتزا وزن 2.3 كلغ العام 2014 قبل الحرب 22.5 دينار وبدأ سعرها في الارتفاع إلى أن بلغ قبل رمضان بحوالي شهر 47 ديناراً وتجاوزسعرها اليوم 120 ديناراً ولم تعد متوفرة».
واشتعلت أسعار المواد الغذائية في ليبيا مع بداية صيف 2014 على إثر المواجهات العسكرية التي تفجرت وقتذاك بين كتائب محسوبة على مدينة مصراتة والتي شكلت فيما بعد ما بات يعرف بقوات «فجر ليبيا»، وأخرى محسوبة على مدينة الزنتان، وأسفرت عن سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح وحرق مطار طرابلس الدولي وخروجه من العمل، وتدمير واسع في البنى التحتية يقدر بمئات الملايين وتعطيل الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد.

واستمرت الأسعار في الارتفاع بشكل جنوني كل يوم بالتوازي مع ارتفاع سعر «العملة الخضراء» في السوق «السوداء»؛ حيث قفزت من 1.3 دينار في مارس 2014 إلى 2 دينار في أكتوبر 2014 بعد شهرين فقط من اشتعال الحرب في طرابلس، واستمرت في الارتفاع تدريجياً إلى أن تخطت عتبة الـ 10 دنانير لأول مرة في ليبيا هذا العام.

وفي هذا السياق ارتفع سعر الدقيق بشكل جنوني وكانت أزمة الخبز الذي يتناوله الليبيون بكثرة مع كل الوجبات وفي كل الأوقات، الأبرز في كل المدن والقرى الليبية.

وكان كيس الدقيق (50 كلغ) في 2010 يباع في الجمعيات الاستهلاكية بـ 5 دينارات ووصل اليوم إلى 45 ديناراً وبلغ في بعض الأشهر من العام الماضي وبداية العام الجاري 80 ديناراً.واشتعلت أسعار كافة السلع في البلاد دون استثناء كأسعار المواد الغذائية والأدوية وحليب الأطفال وغيرها وبلغت مستويات قياسية لم تعرفها حتى إبان الثورة التي أطاحت النظام السابق العام 2011؛ حيث وصل ارتفاع بعض السلع إلى 450 في المائة وهي السلع الأساسية مثل الأرز والدقيق والسكر والزيت.

ولا تعرف الأسباب الحقيقية لهذا الارتفاع الجنوني وغير المقبول للأسعار في ليبيا البلد المنتج للنفط والغاز والذي لا تتعدى ساكنته 6 ملايين نسمة إلا أن معظم المغردين يتهمون مصرف ليبيا المركزي بالمسؤولية المباشرة عن تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد رغم نفي المصرف المتكرر عبر موقعه الإلكتروني لذلك، مؤكداً بحسب بياناته الرسمية وتصريحات مسؤوليه أن سبب هذه الأزمة يعود لشح موارد الدولة نتيجة العبث بغلق الحقول النفطية وتعطيل تصدير النفط والانقسام السياسي.

موظف بوكالة سفر: غابت أصناف كثيرة عن المطبخ الليبي بسبب شح السيولة وارتفاع الأسعار

ويرى مراقبون أن أسباب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تتخبط فيها ليبيا والتي أخذت منحى تصاعدياً تعود بالأساس إلى الصراع المسلح على السلطة وتغول الميليشيات المسلحة وانقسام البلاد إلى برلمانين وثلاث حكومات.

وبين سياط لهيب الأسعار واستفحال أزمة السيولة، وتشظي مؤسسات الدولة، يستمر المواطن الليبي في المعاناة في رمضان وغيره، وتستمر آلامه في الركض وراء توفير لقمة العيش لأسرته، في حين يستمر المتناحرون على السلطة وأمراء الحرب وقادة الجماعات المسلحة في تعنتهم، ويستمر ساكبو الزيت على النار من الخارج والمحرضون على القتل والفتنة في التلذذ بسفك دماء الليبيين واستباحة أرضهم وسمائهم ومياههم الإقليمية.

ولعل صور الدمار الذي حل بالعاصمة طرابلس وعشرات القتلى ومئات الجرحى عشية رمضان يؤشر على أن الآلام ستستمر وإن كان الكثير من الليبيين يراودهم الأمل في أن ساعة الحسم لم تعد بعيدة.

المزيد من بوابة الوسط