التصعيد المسلح يعيد العملية السياسية إلى «الثلاجة»

بعد أسبوع من لقاء (السراج - حفتر) في أبوظبي أوائل شهر مايو الماضي، سارع مبعوث الأمم المتحدة ورئيس بعثتها للدعم في ليبيا، مارتن كوبلر إلى إعلان «خارطة طريق» جديدة بهدف الوصول إلى توافق كامل بين الليبيين.

لمطالعة العدد 80 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وتضمنت الخارطة ستة بنود تمحورت حول الإبقاء على الاتفاق السياسي الليبي إطاراً وحيداً للتسوية، وأن أي تعديل يجب أن يكون بقيادة ليبية ويتم التفاوض عليه بطريقة شاملة، وخلق جهاز ومسار أمني موحد، واستقرار الوضع الاقتصادي والمالي، وإدماج المصالحة الوطنية على جميع المستويات، وتحسين الخدمات العامة والأمن والحوكمة على المستوى المحلي، بحيث يمنح رؤساء البلديات المنتخبون ديمقراطياً السلطة والأموال والمسؤولية والتعاون؛ من أجل إعادة الأطراف الفاعلة من السياسيين والعسكريين إلى طاولة المفاوضات.

لكن الحماس الذي دفع كوبلر على التعجيل بإطلاق خارطته، الذي جاء نتيجة التقييم التفاؤلي للقاء القائد العام للجيش ورئيس المجلس الرئاسي، لم يدم طويلاً، إذ لم يحدث على الأرض بعده ما يعكس ذاك التفاؤل، ثم جاء الهجوم الدامي على قاعدة براك الشاطئ الجوية الذي حملت «القوة الثالثة» مسؤوليته، الذي سقط فيه عشرات القتلى والجرحى من المنتسبين لقوات الجيش، ليجهز على ما تبقى من تفاؤل، ويعيد العملية السياسية إلى الثلاجة، وفيما لم ينته الحديث عن الاحتمالات والتكهنات بشأن اللقاء الثاني المرتقب بين السراج وحفتر، انفجر الوضع الأمني من جديد في العاصمة طرابلس عبر اشتباكات عنيفة اُستخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، بين مجموعات مسلحة محسوبة على حكومة الوفاق وأخرى معارضة لها بعد أن شنت الأخيرة هجوماً مباغتاً على معقل ما يعرف بـ«قوة الأمن المركزي» التي يقودها عبدالغني الككلي المكنى بـ«غنيوة»، التي تتخذ من حي أبوسليم مقراً لها، قبل أن تنضم إليها قوات ما يعرف بـ«كتيبة ثوار طرابلس» التي يقودها هيثم التاجوري.وأسفرت الاشتباكات عن سقوط أكثر من 50 قتيلاً وعشرات الجرحى في صفوف الأخيرة، غير الضحايا المدنيين، ويجمع المتابعون للشأن الليبي على أن نتائج أحداث طرابلس شكلت متغيراً جديداً مهماً سيكون له تأثيره على إعادة تموضع القوى في العاصمة وأطراف الأزمة بشكل عام، بعد أن أجبرت المجموعات المسلحة الوافدة إلى طرابلس وعلى رأسها تلك التي تنتمي إلى مدينة مصراتة إلى الانسحاب من المناطق التي كانت تتواجد بها في طرابلس منذ ست سنوات تقريباً.

وتلقت الجماعة الليبية المسلحة ضربة قوية بفقدانها سجن الهضبة الذي كان مقرها الرئيسي وهروب أحد قيادييها الكبار الذي كان مسؤولاً عن السجن، خالد الشريف، واقتحام بيته وهدمه على أيدي «كتيبة ثوار طرابلس» ما ينبئ بخروج «المقاتلة» من المعادلة السياسية التي تحكم الأزمة الليبية.

نتائج أحداث طرابلس شكلت متغيرًا جديدًا مهمًا سيكون له تأثيره على إعادة تموضع القوى في العاصمة وأطراف الأزمة بشكل عام

كل هذا جمد مسار العملية السياسية من جديد، غير أن مصادر قريبة من رعاة هذه العملية يرون أن الجميع مضطرون للانتظار وترقب تداعيات ما حدث، وإلى أين ستستقر الأمور على الأرض، حتى تتبين ملامح الحالة الجديدة وإلى أي حد يمكن ملاءمتها بمضامين «خارطة الطريق» التي أعلنها المبعوث الأممي كوبلر، وليس بعيداً عن ذلك المواجهة الساخنة المكشوفة التي تدور الآن داخل مجلس النواب، بين أكثر من خمسين نائباً معارضاً لأداء وتصرفات رئيس المجلس، عقيلة صالح، والأخير الذي يتهمه النواب باختزال المجلس في شخصه وتصرفه كرئيس دولة، لاسيما وأن أصوات بعض النواب بدأت تتحدث علناً عن انتخاب رئاسية جديدة للمجلس، الأمر الذي سيضع علامات استفهام حول مصير الحوار، الذي عين البرلمان 24 نائباً ممثلاً له في هذا الحوار السياسي المواكب للعملية السياسية.

وفي السياق ذاته فإن ضربات سلاح الجو المصري التي أعلنتها الحكومة المصرية ضد مواقع من اعتبرتهم «إرهابيين» في مدينة درنة الليبية رداً على مجزرة المنيا التي راح ضحيتها عشرات الأقباط المصريين على أيدي مجموعة إرهابية، جاءت لتضيف عامل تأجيل أيضاً لمسار العملية السياسية، حتى ينقشع غبار العمليات العسكرية على الأرض وتظهر من جديد ملامح التحريك السياسي الجديد باتجاه حل الأزمة الليبية.
لمطالعة العدد 80 من جريدة «الوسط» اضغط هنا