«ذا غارديان»: دور «الجماعة الليبية المقاتلة» في تحويل سلمان العبيدي إلى «إرهابي»

أثار الهجوم الانتحاري الذي نفذه الشاب الليبي سلمان العبيدي تساؤلات حول «المجموعات المتطرفة» في ليبيا، وعن شبكة الصلات المحتملة التي تربط تلك المجموعات بـ«متطرفين» في أوروبا وبريطانيا، وتساءلت عدة تقارير بريطانية حول الأسباب التي دفعت العبيدي لتنفيذ مثل هذا الهجوم المميت، وحوَّلته من طالب بجامعة «سالفورد» يدرس إدارة الأعمال إلى «إرهابي» نفذ هجومًا انتحاريًّا قتل 22 شخصًا وأصاب 116 آخرين؟!

جريدة «ذا غارديان» البريطانية تجيب عن هذه التساؤلات، وترى أن الإجابة تتطلب البحث في تاريخ المجموعات الإسلامية الليبية خلال العشرين عامًا الماضية، في سلسلة من الأيديولوجيات المتشددة يمكن تعقبها عبر أفغانستان وليبيا وصولاً إلى مدينة مانشستر البريطانية.

«أفكار وأيدولوجية الجماعة الليبية المقاتلة هي «المرجع الذي اعتمد عليه سلمان العبيدي لتنفيذ هجومه».

وتحدثت الجريدة في تقرير، نشرته أمس الأحد، بشكل خاص عن «الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة» وأفكارها والأيديولوجيات التي تتبعها، وقالت إنها «المرجع الذي اعتمد عليه سلمان العبيدي لتنفيذ هجومه».

وتحدثت الجريدة عن شبكة العلاقات بين سلمان العبيدي وعائلته وأعضاء في «الجماعة الليبية المقاتلة»، خاصة أن عددًا كبيرًا من أعضاء الجماعة فروا إلى مدينة مانشستر البريطانية، وترددوا جميعًا على مسجد «ديدسبري» بضاحية فولوفيلد، وهو المسجد نفسه الذي اعتاد العبيدي وعائلته الذهاب إليه، ويديره أعضاء من جماعة «الإخوان».

وقالت إن رمضان العبيدي، والد سلمان ، من المقربين لأعضاء بـ«الجماعة الليبية المقاتلة» أهمهم بشير الفقيه، المشتبه به في مساعدة منفذي التفجيرات الانتحارية بالدار البيضاء بالمغرب العام 2003 و أسفرت عن مقتل أكثر من 40 شخصًا، وأبو أنس الليبي وعبد الباسط عزوز، أب لأربعة أبناء في مانشستر، الذي أُرسل إلى ليبيا العام 2011 بأوامر من قائد تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري لإنشاء مجموعة مقاتلة هناك، ونجح في تجنيد نحو 200 مقاتل، وهم جميعًا من أعضاء جمعية «سنابل» الخيرية، التي كانت مسؤولة عن تمويل الجماعة في بريطانيا.
البداية اغتيال القذافي
وسردت «ذا غارديان» في تقريرها تاريخ «الجماعة الليبية المقاتلة» وقالت إنها أعلنت تبعيتها لأسامة بن لادن ورأت أن «فلسفة الجماعة وأفكارها هي التي مهدت الطريق أمام العبيدي لتنفيذ هجوم مانشستر الدامي».

تعتقد المخابرات الفرنسية أن سلمان كان واحدًا من 3500 ليبي توجهوا إلى سورية للمشاركة في الحرب

وتأسست تلك «الجماعة الإسلامية» بداية التسعينات من القرن الماضي لمواجهة الغزو السوفياتي لأفغانستان، وتمركزت في ليبيا 1996، وتقول وثائق أميركية إن الجماعة خططت لاغتيال معمر القذافي واستبداله بـ«نظام حكم إسلامي».

لكن تلك الخطة لم تكتمل وتم إحباطها بمساعدة من جهاز المخابرات البريطاني «إم آي6». ولاحقت أجهزة القذافي الأمنية أعضاء الجماعة، ولهذا فرَّ معظمهم إلى بريطانيا حيث حصلوا على حق اللجوء السياسي باعتبارهم معارضي القذافي، واستقروا في مدينتي برمنغهام ومانشستر، التي تضم جاليات عربية كبيرة تعمل في الصناعات الهندسية.

ويبدو أن كثيرًا من أعضاء الجماعة الذين فروا إلى مانشستر ترددوا على مسجد «ديدسبري» بضاحية فولوفيلد، وهو المسجد نفسه الذي اعتاد سلمان العبيدي وأسرته الذهاب إليه.
من ليبيا إلى مانشستر
وقال الرئيس التنفيذي لمؤسسة «كويليام» لمكافحة التطرف، هاراس رفيق، «مَن استقرَّ من أعضاء الجماعة في مانشستر تردد على مسجد ديدسبري، فهو كان المسجد العربي الوحيد بالمنطقة، ويديره أعضاء من جماعة الإخوان».

«كان يتعاطى الخمور والمخدرات و يشجع نادي مانشستر يونايتيد وذات مرة ضرب سيدة لأنها ترتدي ملابس قصيرة»

ويقدم مسجد «ديدسبري» دروسًا تقوم على الأفكار السلفية الأصولية، كما هو الحال بالنسبة لجماعة «الإخوان المسلمين»، وقدم دروسًا حول تهديد تنظيم «داعش»، واُتهم بعض أعضائه بجمع تمويل لصالح «الجماعة الليبية المقاتلة»، التي صُنفت تنظيمًا إرهابيًّا العام 2004.

ويعتقد رفيق أن العبيدي وصل إلى هذه المرحلة «من خلال التلقين، عبر والده، ودائرة معارفه، فقد تشبع بالفكر الأصولي المتطرف». واستطرد: «لقد اعتنقوا وجهة نظر إسلامية متشددة حول ما يجب أن تكون عليه ليبيا، كانوا سعداء لحملهم السلاح وانضمامهم للمجموعات المسلحة وسيطرتهم على الوزارات، علينا أن نسأل: ما الذي اكتسبوه من تجربتهم في بريطانيا؟ هل تعلموا أي شيء عن المجتمع المدني والديمقراطيات والمواطنة».
جمعية «سنابل» الخيرية
واعتمدت «الجماعة الليبية المقاتلة» على جمعية «سنابل» الخيرية بشكل أساسي لجمع التمويل في بريطانيا، إذ تمتلك الجمعية محالاً وممتلكات ومكاتب في مدن مانشستر وميدلزبروه وبرمنغهام ولندن.

وأُنشئت جمعية «سنابل» العام 1991 في مدينة مانشستر تحت شعار مساعدة المحتاجين و المرضى قبل أن يتم حلها وتجميد حساباتها المصرفية، وإغلاق المحال التجارية والأملاك التابعة لها.

ولم يعد للجمعية وجود على أرض الواقع سوى في ملفات وزارة الخزانة الأميركية، التي سعت العام 2006 لتجميد أصولها بدعوى أنها «واجهة للجماعة الليبية المقاتلة الموالية لتنظيم (القاعدة)».

اقرأ أيضًا: «ذا تلغراف»: شقيق «انتحاري مانشستر» خطط لاغتيال كوبلر

وقالت «ذا غارديان»: «إن جمعية سنابل لم تكن الواجهة المالية للجماعة الليبية المقاتلة فقط، بل كانت بمثابة حاضنة للجهاديين في بريطانيا».

وترفض «الجماعة الليبية المقاتلة» وصفها بـ«المتطرفة»، لكنها تؤيد إنشاء نظام حكم إسلامي في ليبيا، وهي أفكار أيدها أيضًا رمضان العبيدي وعاد بها إلى ليبيا إبان ثورة العام 2011 للمشاركة في الثورة ضد معمر القذافي.
مؤيد لـ«داعش»
ولفتت «ذا غارديان» إلى أن سلوك سلمان غير المنتظم دفع والده لإجباره على السفر إلى ليبيا هذا العام وصادر جواز السفر الخاص به، لكن يبدو أن العبيدي أصبح وقتها من مؤيدي تنظيم «داعش».

ومن جهته قال أستاذ السياسة في الشرق الأوسط بجامعة «إكسيتر» البريطانية غاريث ستانسفيلد: «سلمان العبيدي من الجيل الثاني من المهاجرين المنجذبين إلى المجموعات المتشددة. وهو النموذج المثالي للمهاجر الذي فقد هويته في ظل الثقافة الغربية حوله».

«غياب الأب عن الأسرة كان له تأثير سلبي، فقد عاد والده إلى ليبيا في2011، عندما كان عمر سلمان 16 سنة»

وأضاف: «إن قرار العبيدي تأييد تنظيم (داعش) ربما سببه تجربته في بريطانيا، وربما أراد الانتقام بسبب ما يراه يوميًّا من صور مقتل الأطفال والشباب المسلمين في كل مكان. فلقد رأى القنابل الأميركية تقتل الأطفال في سورية، وأراد أن ينتقم».

ولفت إلى أن تنظيم «داعش» يستطيع جذب الشباب صغار السن بسبب الأساليب والدعاية الإعلامية التي يستخدمها، فهو على عكس «القاعدة» و«الجماعية المقاتلة الليبية» لا يستغرق فترات طويلة لتخطيط وتنفيذ العمليات الهجومية.

ووصف ستانسفيلد الفرق بين «داعش» و«القاعدة» كالفرق بين «وباء الإيبولا ومرض الإنفلونزا الإسبانية. فالإيبولا ينتشر فجأة دون مقدمات ويحصد آلاف الأرواح، لكنه أيضًا يمكن أن يدمر نفسه».

ونقلت «ذا غارديان» عن عضو مؤسس لتنظيم «الاتحاد الدستوري الليبي» المعارض لنظام العقيد معمر القذافي هشام بن غلبون، قوله: «لقد تم التلاعب بعقل سليمان، كان عليه أن يغير رأيه فور رؤيته الأطفال المرحين ذوي الوجوه السعيدة»، متساءلاً: كيف تحول سلمان العبيدي إلى هذا الشخص وما الذي حدث داخل «مانشستر أرينا».

وتعتقد الشرطة البريطانية أن سلمان العبيدي تواصل مع رافييل هوستي، وهو أحد أعضاء تنظيم «داعش» كان مسؤولاً عن تجنيد مقاتلين وإرسالهم إلى سورية، قبل مقتله في إحدى الغارات الجوية بمدينة الرقة. وتعتقد المخابرات الفرنسية أن سلمان العبيدي كان واحدًا من 3500 ليبي توجهوا إلى سورية للمشاركة في الحرب هناك.
تعاطي المخدرات
وزار سلمان العبيدي ليبيا عدة مرات منذ العام 2011، وتقول تقارير إنه أُصيب في معارك خلال العام 2014 في مدينة أجدابيا.

ويقول أصدقاء العبيدي إنه «كان سريع الغضب، ويتعاطى الخمور والمخدرات، وكان من المشجعين لنادي مانشستر يوناتيد، وتسبب في شجارات كثيرة عشوائية، وذات مرة ضرب سيدة لأنها ترتدي ملابس قصيرة».

وقالت «ذا غارديان»: «إن سلمان العبيدي وجد نفسه متناغمًا بين عصابات وتحالفات عنيفة أقامتها مختلف المجموعات المهاجرة في مانشستر».

وقال أحد الليبيين، كان على معرفة بعائلة العبيدي: «غياب الأب لفترة طويلة عن الأسرة كان له تأثير سلبي، فقد كان متواجدًا في ليبيا منذ العام 2011، عندما كان عمر سلمان 16 أو 17 سنة و هو العمر الذي يحتاج الصبي فيه حقًا لوالده».

اقرأ أيضًا: «ذا تلغراف»: الشرطة تكشف مصدر تمويل الليبي منفذ هجوم مانشستر

وتابع: «بعض الشباب الليبيين اعتادوا استخدام العنف، خاصة هؤلاء الذين شاركوا في الثورة. وبعضهم التحق بالعصابات، ومنهم من فقد عقله حرفيًّا. عائلة سلمان تركته هنا في مانشستر وحده ليكمل دراسته، لكنهم لم يتأكدوا من أصدقائه من الصحبة التي رافقته».