هربًا من الفقر إلى الحلم الأوروبي..رحلة المهاجرين الأفارقة من أغاديس إلى سبها

تروي جريدة «ذا غارديان» البريطانية معاناة المهاجرين الأفارقة من مدينة أغاديس في النيجر على الحدود الليبية إلى مدينة سبها، حيث تتبخر آمالهم في الهروب من الفقر وتنتهي أحلامهم بالهجرة لأوروبا إما غرقًا أو بيعهم كرقيق.

وحسب تحقيق نشرته «ذا غارديان»، أصبحت أغاديس، اليوم، أكثر المدن جذبًا للمهاجرين بين مدن غرب أفريقيا، إذ يمكن لسكان دول المنطقة دخولها دون تأشيرة، فهي عضو بالمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، الأمر الذي جعلها مركز نشاط مهربي البشر، وبسببها يسقط الكثيرون في دوامة الرق على يد وسطاء يعرفون بين المهاجرين بـ«بيوت الاتصال».

«مخاطر ليبيا نفسها بالنسبة للمهاجرين ليست معروفة للجميع، حيث تسببت الفوضى في تحويلها إلى أرض خصبة للجريمة والاستغلال»

محمد يوسف، نيجيري يبلغ من العمر 24 عامًا، يروي لـ«ذا غارديان» كيف انتهت هجرته بالوصول إلى أوروبا عندما بدأ في مدينة أغاديس، ليقع هو وصديق له من سيراليون في قبضة تاجر في سبها، وما مرا به من معاناة انتهت بوفاة صديقه.

فبعد ستة أشهر من بيعه، وتعذيبه وإجباره على مشاهدة صديقه وهو يلقى حتفه، وجد محمد يوسف نفسه في محطة حافلات مهجورة من حيث بدأت محنته، في مواجهة تاجر البشر الذي جعل منه عبدًا في المقام الأول. وعند وصوله إلى المحطة لم يختلف المشهد كثيرًا عما كان عليه سابقًا، فقد عثر على التاجر وهو يعرض بضاعته دون أي إحراج أو ندم وسط الحشود في أغاديس بالنيجر، تلك الواحة التي كانت على مدار العقود مركزًا تجاريًا، باتت الآن مركز الهجرة غير الشرعية عبر الصحراء إلى دول الشمال الأفريقي، ليبيا والجزائر.

يقول يوسف، لجريدة «ذا غارديان» عقب عدة أيام من لقائه بالمهرب: «عندما رأيته قلت له لقد مات صديقي في ليبيا بسببك، ثم طلبت منه في يأس بعض الطعام»، مضيفًا أن الرجل رفض كلا الأمرين الذين أخبره بهما يوسف ومضى في طريقه قائلاً «أنا آسف، ولكن فليساعدك الله».

ووفقًا للجريدة فإن «يوسف هو واحد من آلاف الأفارقة القادمين من غرب أفريقيا باتجاه ليبيا للعمل، أو أملاً في الإبحار إلى أوروبا، وبدلاً من ذلك وجدوا أنفسهم غارقين في عالم عنيف وقاتم مكون من أسواق الرقيق والسجون الخاصة وبيوت الدعارة الجبرية والوحشية».
وألقت سلسلة من عمليات الإنقاذ والوفيات نتيجة الغرق، وتقدر بالآلاف خلال السنوات الأخيرة، الضوء على مخاطر محاولات عبور البحر المتوسط للوصول إلى أوروبا في سفن مكتظة وغير صالحة للإبحار، حيث لقي الأسبوع الماضي 245 شخصًا على الأقل حتفهم في غرق قارب ما رفح حصيلة وفيات المهاجرين في البحر منذ مطلع العام الجاري إلى ألف وثلاثمئة شخص.

لكن «مخاطر ليبيا نفسها بالنسبة للمهاجرين الفارين من الفقر عبر غرب أفريقيا ليست معروفة للجميع، حيث تسببت الفوضى التي انحدرت إليها ليبيا منذ العام 2011 في تحويلها إلى أرض خصبة للجريمة والاستغلال، ما أدى إلى ازدهار عمل مهربي البشر، الذين يتعرضون لاعتراضات فقط من قبل أنشطة منافسيهم الإجراميين»، وفقًا لـ«ذا غارديان».

أحد المهاجرين: عُرضنا كبضائع للبيع
بداية الأزمة ووصل إلى إيطاليا العام الماضي، بحسب إحصاءات منظمة الهجرة الدولية، أكثر من 180 ألف لاجئ، غالبيتهم أتوا عن طريق الهجرة من ليبيا، ومن المتوقع أن يصل ذلك العدد خلال العام الجاري إلى 200 ألف، وتقول الجريدة إن هؤلاء المهاجرين يمثلون مصدر دخل مربح للجماعات المسلحة والمافيات التي تسيطر على طرق ليبيا وشبكات التهريب.

ويقول شمس الدين جبريل، كاميروني يبلغ من العمر 27 عامًا، إن الأزمة تبدأ من مدينة أغاديس، فالبعض يدفع نظير رحلتهم، لكنهم يتعرضون للبيع بأي حال عندما يصلون ليبيا. لكن بالنسبة ليوسف النيجيري فقد كان الوضع مختلفًا، فقد أخبره مهربو البشر هو وآخرين أن بإمكانهم دفع نظير رحلتهم عندما يصلون إلى ليبيا من خلال العمل. ليكتشفوا عند وصولهم أنهم نُقلوا كبضائع للبيع.

لكن الحظ لم يكن حليف آدما إسوماه، فرغم تحذير أصدقائه له مما يحدث في ليبيا، إلا أنه أعتقد أنه دفع في أغاديس أجرة مروره إلى الجزائر، لكنه روى كيف أنه فوجئ في نهاية الرحلة بأنه في ليبيا قائلاً: «أعرف أن هناك صحراء في الطريق لكن لم أكن اعلم كيف يبدو شكلها، بعد أربعة أيام قالوا لنا مرحبًا بكم في ليبيا، قلت هل هذا حلم أم حقيقة؟ أعرف أنَّ هنا حيث يبيعون البشر، وأدركت أن الوسيط باعني».

توقعات بوصول 200 ألف مهاجر إلى إيطاليا هذا العام.. ويمثل المهاجرون مصدر دخل مربح لمافيا التهريب

أباهي (اسم مستعار وفقًا لذا غارديان) هو واحد من تجار الرقيق في العصر الحديث في أغاديس، ورغم أنه يستاء من وصف تجارته بأنها تهريب للبشر، إلا أنه يشارك مع الآخرين صور سيلفي مرحة اُلتُقطت له في الصحراء مع الرجال الذين كان يسوقهم إلى السوق، كما أنه يعترف بقلقه إزاء المصير الذي يسوق هؤلاء الرجال له. ويقول: «ليس (المصير) جيدًا. الآن ستجد المهاجرين يعانون ويقولون إني مَن دفع بهم إلى هذه المشكلة، ليس وضعًا جيدًا، لكن لا يوجد ما يمكننا فعله. داخل ليبيا كل شيء تديره الميليشيات».

ويقول إنه لن يقدم أبدًا على سرقة المهاجرين الذين يدفعون أجرة سفرهم، لكنه يعترف بأن السبعة وعشرين شخصًا الذين يكونون على متن سيارته كل رحلة من أغادديس إلى ليبيا هم مزيج من الركاب والحمولة (التي ينقلها ليتم بيعها) اعتمادًا على مَن يدفع منهم، يضيف: «إذا أوصلتهم مجانًا فإن رئيس العمل في سبها يدفع، نحو 400 يورو نظير الشخص».

«ذا غارديان»: تجار الرقيق في ليبيا يعملون في ظل حصانة كبيرة

وقالت «ذا غارديان» إن تجار الرقيق في ليبيا يعملون في ظل حصانة كبيرة، ويقول ناجون إن بعض الضحايا يجري بيعهم في أسواق، حيث يرون حياتهم وحريتهم يتم المزايدة عليها في السر.

ويقول جبريل إنه رأى مرتين رجالاً يجري بيعهم علنًا في شوارع بمدينة سبها الواقعة بوسط ليبيا، حيث «يأخذ تجار البشر الأشخاص ويضعونهم في الشارع تحت لافتة مدون عليها كلمة للبيع». ويضيف: «ربطوا أيديهم تمامًا كما كان يحدث في تجارة الرقيق سابقًا، وساقوهم إلى هنا على متن عربة، كان هناك نحو خمسة أو سبعة منهم».

وخشي جبريل الحديث مع الرجال، الذين وقفوا في صف بالقرب من نصب تذكاري في سبها عرف باسم «دار معمر»، مشيرًا إلى أن تجار البشر اختاروا هذا المكان بجانب مخبز شعبي، بوضوح لوجود عدد كبير من الزبائن المحتملين.

وأفاد مهاجر آخر بأن عمليات المزايدة تجري في مواقف سيارات متربة على مشارف المدينة، عقب أن يساق المهاجرون إليها من مدينة أغاديس، التي كانت لعقود نقطة التزود بالمؤن الأخيرة للتجار والرقيق المتجهين إلى الصحراء.
وروى مهاجرون تمكنوا من الوصول إلى أوروبا عبر ليبيا أنهم تعرضوا للخطف من قبل المهربين الذين يعذبونهم لابتزازهم للحصول على الأموال منهم، بينما ينتظرون القوارب. ووفقًا لتحقيق «ذا غارديان» فقد تطور سوء المعاملة هذا إلى نوع حديث من تجارة الرقيق التي حصدت عشرات الآلاف من الأرواح.

ونفى عميد سبها حامد الخيالي، في حوار سابق مع «الوسط» وجود «أسواق للعبيد» في المنطقة الجنوبية، مشيرًا إلى أن هناك مَن يسعى لتوطين المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا.

«الوضع تحول إلى تجارة غير مشروعة في بلد خالية من القانون، ليس هناك شكل واحد للرق الممارَس، لكنها تتفق جميعها في مأساة واستغلال الضحايا»

وشدد أن مدينة سبها تخلو تمامًا من أي مركز للمتاجرة بالبشر، وأن هدف المهربين هو نقل المهاجرين إلى ساحل البحر المتوسط تمهيدًا لنقلهم إلى أوروبا وليس المتاجرة بهم داخل ليبيا، مشيرًا إلى أن المجلس البلدي أصدر توجيهات بحسن معاملة هؤلاء المهاجرين، وأن الجهات الأمنية في المدينة لم تقدم أي تقارير عن وجود مراكز احتجاز غير رسمية في المدينة.

وتصف «ذا غارديان» في تحقيقها، الوضع بأنه «تجارة غير مشروعة في بلد خالية من القانون، ليس هناك شكل واحد للرق الممارَس في ليبيا، لكن الأشكال المتغيرة للتجارة والأعمال كلها يجمعها مأساة واستغلال ضحاياها».

وتقول إن المهاجرات النساء عادة ما يجري بيعهن عامة للاسترقاق الجنسي، وهي تجارة مربحة جدًا تجعلهن أكثر قيمة من الرجال. ويقول فاسان أولاسيد، عامل بناء نيجيري يبلغ من العمرة 27 عامًا، اُختُطف داخل ليبيا مرتين طلبًا للفدية، إن بيوت الدعارة المستخدمة في تهريب المهاجرات معروفة جيدًا في سبها.

ويضيف: «هناك مبنى مؤلف من ثلاث طبقات تتم فيه الأعمال، وفور دخول السيدات المبنى لا يعد بإمكانهن المغادرة. فالبعض يُرغمن على العمل هناك، والبعض الآخر يبعن في مكان آخر. يبدو كمنزل عادي، لكن السكان المحليين يعرفون ما يحدث بداخله. ويمكن لمَن يشتريهن بيعهن مرتين أو حتى أربع مرات».

سعر السيدة 3 آلاف دينار ليبي أما الرجل فيصل إلى ألف ونصف دينار

ويتابع أن سعر السيدة يبدأ من ثلاثة آلاف دينار ليبي أي ما يعادل ألفي يورو، وهو ضعف ما يدفعه المهربون للرجال، ويقول أولاسيد الذي مازال مذعورًا مما رأى: «كنت أفكر كيف يمكن لهذا أن يحدث. أسواق البشر وجدت قبل 300 إلى 500 عام، لكن نحن الآن في الألفية الثالثة».

وقال عشرات الرجال، أثناء انتظار تذاكر عودتهم، إنهم فروا من الأسر في ليبيا، وإنهم وصلوا إليها من دول في غرب أفريقيا مثل السنغال وغينيا بيساو وليبيريا ونيجيريا، مضيفين أن أقدار الرجال الذين يتم بيعهم تختلف وفقًا لمهاراتهم، ومَن يقوم بشرائهم وبيعهم.

وأشاروا إلى أن محتجزيهم كانوا يبحثون عن الرجال أصحاب المهن المهرة بين الرقيق الجدد، وكانوا يبيعون الكهربائيين وعمال الصرف الصحي وآخرين إلى أولئك الذين يريدون مهنيين، مضيفين أن الباقين تتم المزايدة العلنية عليهم كعمال أو غالبًا كانوا يحتَجزون كعملات مساومة، حيث أُرغموا على الاتصال بأسرهم عبر غرب أفريقيا، لطلب فدية تصل إلى مئات الدولارات.
وتابعوا أن مَن عجزت أسرهم عن دفع الفدية تعرضوا للضرب والتعذيب أثناء تحدث المهربين إلى ذويهم عبر الهاتف، لاستغلال صرخات التعذيب كحافز لدفع الأسر على دفع الأموال أسرع. ويقول إسوماه: «كان الناس مربوطين مثل الماعز وضُربوا بمقابض ومكنسة كل يوم للحصول على المال.. إذا لم يفعلوا ذلك فالأموال لن تأتي».

«تجار الرقيق في ليبيا يتمتعون بحصانة. بعض الضحايا يجري بيعهم في أسواق حيث يرون حياتهم وحريتهم يتم المزايدة عليها في السر»

وتقول «ذا غارديان» إن بعض المهربين أصحاب سمعة سيئة، ما دفع المهاجرين إلى إطلاق لقب «بيت الدَين» على منزل خاص تحوَّل إلى سجن، حيث «قطعت أصابعهم وتم وشمهم باستخدام الحديد الساخن»، أما المحظوظون فقد أُحضروا إلى السجن باعتبارهم عمالاً.

ويكون المشترون عادة رجالاً مثل «توكور» وهو رجل نحيل ذو أصول نيجيرية، ويحمل ندوبًا بالقرب من عينيه التي تميزه كعضو في جماعة الهوسا العرقية. ودفع «توكور» ثمن يوسف وصديقه عقب وصولهما سبها.

وقال أباهي إنه يعرف توكور وكان يبيع له الرجال في بعض الأحيان، وإن قلقه عامة حول مصير المهاجرين المتوجهين إلى ليبيا لم يشمل أولئك الذين سلمهم إليه، مضيفًا «أحيانًا يقولون إنه سيئ ولكن هذه ليست مشكلتي، أنا أحب المال، وهو يدفع لي ثم أمضي في طريقي، ولا أرى ما يفعله بعد ذلك، أنا فقط أحب أموالي».

ووفقًا لمهاجرين فإن توكور كان مستقرًّا في سبها، ويرتدي ملابس تقليدية ولديه حارسان ضخمان لتنفيذ أوامره، وكانا يحملان الكابلات أو العصي أو أسلحة أكثر شراسة لإجبار المهاجرين على الانصياع لأوامر توكور.

مهاجر: إما الهرب أو الموت
ويتذكر يوسف ما حدث له عقب وصوله إلى ليبيا قائلاً: «البعض قالوا لي انتظر الرجل لكي يأخذك إلى المخبز»، مشيرًا إلى أنه وصديقه دفعا نصف أجرة رحلتهم ووافقا على العمل فور وصولهم لتسديد النصف الآخر، لكن السائق سرق مدخراتهما وباعهما كرقيق.

ويقول: «لم أدرك أننا اُختُطفنا، ثم وصل توكور ومعه رجلان، وقرأوا أسماءنا ضمن آخرين في ورقة معهم: أنا وعبدالله بوندو، صديقي من سيراليون وثلاثة آخرين، وقالوا لنا أنتم لم تدفعوا تعالوا معنا».

ويضيف أنه أعتقد أن توكور سيتناقش معهم، لكن بدلاً عن ذلك كانت تلك بداية محنتهما، التي كلفت بوندو حياته، مشيرًا إلى أنه فور دخولهما المنزل سمعا الأبواب توصد وقيل لهما يجب أن تتصلا سريعًا بأسرتيكما لطلب المال.

ويقول إن صديقه توفي نتيجة أزمة قلبية تعرض لها إثر الضرب المبرح، فيما أُمِرَ يوسف بأخذ جثمانه إلى المشفى، حيث لم يعترض الأطباء على رواية محتجزيهم بأنه توفي إثر أزمة قلبية مفاجئة. وفي طريق العودة من المشفى قرر يوسف أن يخاطر ويحاول الهرب، مقتنعًا بأنه إذا بقي فسوف يلقى حتفه في السجن هو الآخر.