دراسة لخبير نفطي ليبي: إلغاء دعم الوقود.. الفوائد والخسائر

أعتقد كاقتصادي أن الدعم الحكومي كسياسة وخصوصاً الدعم الاستهلاكي هو قوة سلبية تؤثر على توازن الاقتصاد، و سأتناول هذا الموضوع بمنهج نصف أكاديمي ونصف عملي.

وهو ليس المرة الأولى التي أقع فيها في المنتصف، عندما لا تطابق حسابات الاقتصاد الكلاسيكي الواقع العملي، إذ دائماً أتذكر منهج السير كينز في الخروج من الصندوق، عندما تتعارض الوقائع المالية والاقتصادية في الواقع بالنظريات الكلاسيكية.

لمطالعة العدد 77 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ولا أظن أن صانع القرار قادر على حل إشكالية الدعم الحكومي بسهولة، نظراً لتعقيدات كبيرة تحيط بها.

بداية يتوجب أن أضع إطارًا نظريًا للمناقشة، يتمثل في استعراض التطور التاريخي لموضوع دعم المحروقات في الاقتصاد الليبي، و تحليل الفائدة مقابل التكلفة في موضوع الدعم، ثم تقدير قيمة الدعم وفقاً لمناهج احتسابه، بالإضافة إلى أثر رفع الدعم عن الإنسان المتوسط في ليبيا، وأخيراً استعراض تعقيدات موضوع معالجة الدعم في ليبيا وبعض الحلول التي سأقترحها.

التطور التاريخي لدعم المحروقات
إن سياسة دعم المحروقات أو المواد الهيدروكربونية في ليبيا (كما في الكثير من الدول النفطية الأخرى)، لم تكن نتيجة سياسة مخططة يقصد بها دعم الاقتصاد الوطني بتوفير ميزة تنافسية في الإنتاج، كما هي العادة في تقرير مثل هذه السياسات في الدول الصناعية.وأغلب الحالات هي تطور طبيعي من سياسات تثبيت الأسعار المحلية للمواد الهيدروكربونية، وهي سياسة كانت معتمدة أيضاً في الدول المستهلكة للنفط.

في الحالة الليبية فإن تثبيت أسعار البيع المحلية للمنتجات النفطية كان يقصد بهذه السياسة منع التقلب ووضع سياسة محددة للمؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة لبيع هذه المواد في نقاط التوزيع، وهي سياسة كانت متبعة على نطاق واسع في الدول النفطية.

ففي مراحل تاريخية سابقة كان هذا الأمر (تثبيت السعر المحلي) متبعاً أيضاً حتى في دول مجاورة مثل تونس والدول الأفريقية لسبب منطقي، وهو أن السعر العالمي لبرميل النفط الذي لم يتجاوز متوسطه 20 دولارًا للبرميل، لم يكن يحتاج إلى تقديم دعم كبير لاستهلاك هذه المواد (مثلاً كان الدعم نظرياً لا يتجاوز في المتوسط 0.10 دينار للتر من بنزين السيارات) وبقيمة لا تتجاوز 100 مليون دولار سنوياً، لم تشكل عبئاً كبيراً على ميزانية الدولة.

لا بد من التشديد هنا أن سياسة تثبيت السعر المحلي لم تقتصر على قطاع النقل فقط (بنزين وديزل) بل امتد كذلك إلى الديزل والزيت الثقيل والغاز الطبيعي، وأيضاً في قطاعات توليد الكهرباء والصناعة، ما ساعد على انتظام هذا (الدعم النظري) هو فائض القدرات التكريرية، وتوافر المنتوج محلياً بكميات كبيرة، إذ كان تكرير النفط الخام إما داخليا وإما خارجياً في نظام داخلي لمؤسسة النفط ولا يحتاج إلى عمل تسويات مالية تظهر الفجوة بين السعر العالمي والسعر المحلي.

الانتقال إلى تقرير سياسة ثابتة للدعم (أيضاً غير مخطط لها) أتى من ثلاث عوامل اقتصادية: الأول هو اتساع الفرق بين مستوى الدخل الفردي في الدول النفطية، وبين مستوى الدخل الفردي في الولايات المتحدة الأميركية، فبينما كانت زيادة الدخل للفرد الأميركي هي من تدعم استهلاكه للمواد النفطية، فإن الدخل الفردي في الدول النفطية لم يزد بالنسبة نفسها، مستتبعاً أن تقوم الدولة بتقديم بعض الدعم لهذا المصدر لتقليص هذه الفجوة.

وما يثير الاهتمام هنا هو الرسم «2» الذي يمثل الدخل الفردي بعد تعديله بالقوة الشرائية ويلاحظ فيه كيف أن دولا نفطية مثل السعودية وليبيا استطاعت تقليص الفجوة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية عند مكافئتها بعامل القوة الشرائية (PPP). أما العامل الثاني فهو ارتفاع أسعار النفط خصوصاً بعد سنة 2005، حين وصل إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، لتقفز الفجوة بين السعر المحلي والسعر العالمي مسببة فجوة تقدر بأكثر من 5 مليارات دينار، مقارنة بـ 100 مليون دينار.

أما العامل الثالث فهو صناعي ويتمثل في محاولة الدول النفطية استغلال الطاقة الرخيصة التي تتمتع بها لاكتساب مزايا تنافسية في صناعات البتروكيماويات والصناعات الكثيفة الاستخدام للطاقة مثل الحديد والصلب والألمنيوم وغيرها، كما أن طاقة المصافي الوطنية المحدودة التي بنيت في السبعينات والثمانينات بدأت لا تكفي الاستهلاك المحلي المتعاظم من المنتجات النفطية، نتيجة زيادة القوة الشرائية للفرد ما اضطر الدولة إلى استيراد جزء متزايد من المنتجات النفطية من الخارج.

تحليل ميزان الفائدة والخسارة
لا يوجد حتى اليوم مخطط رسمي اعتمدته الدولة لسياسة دعم المحروقات يبين الأسباب والأهداف من هذه السياسة وكيف يمكن دمجها بالاقتصاد الوطني، للمساهمة في نمو الناتج المحلي الإجمالي أسوة بسياسات الدعم «الاستهلاكي» الأخرى في الدول الإنتاجية، مثل سياسة دعم زرع الأرز في الهند، التي تهدف إلى القضاء على الجوع، وسياسة دعم التحول للغاز في تايلاند للحد من استعمال الأخشاب كمصدر للطاقة المنزلية، وتقليل الانبعاثات الكربونية من استعمال الفحم.كان الدعم في ليبيا هو توريط تاريخي متسلسل للدولة لخفض قيمة مكون الطاقة في سلة الاستعمال اليومي للأفراد في ليبيا.. داية يجب التفريق هنا بين الدعم الاستهلاكي والدعم الإنتاجي، فالدعم الاستهلاكي هو ذلك الذي يوجه إلى مستهلكي المنتجات النفطية النهائيين سواء أفراد، كسائقي المركبات أو سيارات الشحن أو شركات عامة كشركة الكهرباء لتوليد الطاقة الكهربائية، أو شركات المياه من نقل وتحلية.. أما الدعم الإنتاجي فهو يقدم للصناعة بمختلف تخصصاتها وأحجامها، كذلك الدعم الذي يقدم إلى إنتاج النفط، وبطبيعة الحال فإن أهداف الدعم لكل نوع تختلف ومعها تختلف أوزان الفائدة والخسائر.. إذا ما تناولنا الدعم المقدم إلى الاستهلاك بداية فإنه من الممكن تلخيص الفوائد من هذا الدعم فيما يلي «الرسم (3)»:

ـ تخفيض العبء المالي على المستهلك، وزيادة قوته الشرائية بما يبقى من فائض دخله «رأينا ذلك في ارتفاع القوة الشرائية في الدول النفطية في الرسم (2)».

ـ تسهيل الانتقال إلى أعلى في سلم الطاقة لمصادر أكثر أمناً وتطوراً من الناحية العصرية، ما يؤثر إيجاباً على صحة الأفراد وأمنهم «المثال المستخدم هنا هو التحول إلى غاز الطهي بدلاً من الأخشاب أو الفحم أو الكيروسين الأقل تكلفة أو التحول إلى الإضاءة الكهربائية وتوفير الطاقة الكهربائية اللازمة لربات البيوت بتكلفة رخيصة».

ـ تسهيل التنقل بين المدن «المسافات البعيدة» للسيارات الخاصة، في ظل تخلف وسائل النقل العام للأغراض الاجتماعية والتجارية.

ـ تخفيض تكاليف نقل البضائع بين المسافات البعيدة «دعم الديزل» كوقود للشاحنات.. أما الخسائر المتوقعة من سياسة دعم الاستهلاك فيمكن تلخيصها في ما يلي:

ـ الهدر في الاستخدام نتيجة المبالغة في رخص السلعة النفطية مقارنة بالدخل الفردي وأسعار السلع الأخرى «المثال الأكثر وضوحاً هنا تسخين السيارة صباحاً مدة نصف ساعة وهي لا تحتاج فنياً أكثر من ثلاثين ثانية».

ـ تهريب السلعة النفطية للخارج، وهو نوع آخر من الهدر «طبعاً سيقفز إلى أذهاننا براميل البلاستيك المملوءة ببنزين السيارات بعد الدخول إلى الحدود التونسية»، وكذلك احتمال تسرب الدعم لطبقات اجتماعية لا تحتاجه أو غير مستحقة له.

ـ في ظل فرضية الكفاءة في استخدام الموارد فالدعم يحرم المجتمع من موارد مالية كانت لتخصص في قطاعات حيوية أخرى كالصحة والتعليم.

وكما نرى فإن الهدر هو أثقل الخسائر وزنا بسبب العادات السيئة المصاحبة لعدم ترشيد الاستهلاك بالسعر وفي ظل ارتفاع الدخل الفردي وانخفاض سعر السلعة النفطية فإن المستهلك يتخلى عن الحذر المعتاد في استعماله للسلعة وهي نظرية سلوكية معروفة، خصوصاً في غياب حملات التوعية بالآثار السيئة ولها انعكاسات اقتصادية.

أما إذا تناولنا دعم العملية الإنتاجية بواسطة توفير الطاقة الرخيصة فإن هذا الميزان سيبدو كالتالي:
فوائد سياسة دعم الإنتاج بالمنتجات النفطية الرخيصة:

ـ اكتساب ميزة تنافسية ضد النشاطات الاقتصادية المنافسة في القطاعات الصناعية والزراعية في الدول المجاورة، مثال صناعة البتروكيماويات ونقل وتكرير المياه لاستخدامها في الصناعة والزراعة.

ـ تسريع عملية النمو الصناعي والتجاري.

ـ تخفيض تكلفة الإنتاج النفطي وذلك بدعم الغاز الطبيعي الذي يستخدم في عمليات الحقن للاسترداد الإضافي للسوائل النفطية.
أما عن الخسائر التي يمكن أن يتسبب بها الدعم الإنتاجي للمنتجات النفطية فهي:

ـ الهدر في العملية الإنتاجية وذلك بالإفراط في استخدام المورد النفطي وعدم تفعيل آليات الحفاظ والصيانة «يمكن أخذ الهدر بين الطاقة الناتجة من عمليات توليد الكهرباء والقيمة الحرارية للمنتوج النفطي، وهي تسجل معدلات مرتفعة في ليبيا كمثال هنا».

ـ إعطاء إشارات سلبية للاستثمار المحلي بتمويله صناعات غير مستدامة إلا بدعم حكومي متزايد بسبب تخفيض التكلفة في الصناعات المنافسة المقابلة دولياً أو عند تعرضه لعقوبات تجارية دولية «ضد الإغراق».وبالرغم من أننا لن نواصل لتقديم وزن كمي للمفاضلة بين الخيارات المتعددة وهو عمل هام ينبغي للبحاث القيام به لإرشاد صانع القرار إلى البديل الأمثل لتبنيه، إلا أننا نود القول بوضوح هنا إن الدعم سواء كان استهلاكياً أم إنتاجياً، له جانبا ميزان يجب أن يكونا في الحسبان عند اتخاذ القرار، بحيث يمكن معالجة هذا الأمر بعقلانية.

لكن كيف يمكن احتساب الدعم؟
هناك اختلاف كبير هنا على كيفية احتساب الدعم من ناحية اقتصادية رياضية أو ناحية اقتصادية تجارية.. من ناحية رياضية فإن أي سلعة تباع أعلى من سعر تكلفتها تعتبر سلعة مبررة إنتاجياً ولا ينظر هنا إلى قيمة العائد أو ارتفاعه، بل إلى تولد عائد كافي يبرر عملية إعادة الإنتاج من جديد.

وهكذا هناك من يجادل بأن احتساب الدعم هنا يجب أن يكون بقيمة الفرق بين سعر السلعة محلياً وتكلفة إنتاجها «وليس سعرها العالمي»، وهو مثلاً ما تعتمده السعودية في احتساب الغاز الطبيعي، الذي يباع لمصانع البتروكيماويات بسعر أعلى من تكلفة إنتاجه حيث إنه لا يصدر للخارج.

إلا أنه من ناحية تجارية اقتصادية وخصوصاً بالنظر إلى أن النفط والغاز يعتبران سلعة دولية فإن هذا المنطق مرفوض، ويعتمد بدلاً منه تكلفة الفرصة البديلة.

إلغاء دعم الوقود يرفع فاتورة أسرة ليبية متوسطة 300 % ومعظم الزيادة ستأتي من الكهرباء وغاز الطهي

هنا مبدأ تثبيت السعر مرفوض، حتى لو كان فوق مستوى التكلفة، ويحتسب الفرق بين السعر المحلي والسعر العالمي المتمثل في الدعم كخسارة على الدولة، كان يجب تحصيلها كمبيعات عالمية، ومن ثم إعادة توزيعها لنشاطات اقتصادية أخرى.

أثر رفع الدعم عن المواطن المتوسط
إذا ما افترضنا للتبسيط أن الفرد في ليبيا ينتفع من دعم الوقود في حدود سيارة واحدة للأسرة، وبيت متوسط فيه استهلاك كهرباء واستهلاك غاز للطهي، وربما للتدفئة.. وعليه من المتوقع أن تزداد الفاتورة النهائية للطاقة للبيت الليبي كما في الجدول (8) بقيمة 168 دينارًا من 55.75 دينار إلى 224 دينارًا شهرياً، وهذا بنسبة مئوية قدرها أكثر من 300%.

هذا إذا ما حسبنا السعر العالمي للنفط بـ 60 دولارًا للبرميل، وقيمة صرف الدينار الليبي بـ 1.4 للدولار.. معظم الزيادة ستأتي من الصرف على الكهرباء وكقيمة مطلقة، بينما ستأتي من غاز الطهي كنسبة مئوية، هذا إذا ما استثنينا الرحلات الطويلة سواء بالسيارات أم بالطائرات، وكذلك نستثني هنا الأثر على الدعم الصناعي.

نظرة مبدئية يمكن أن تشير إلينا بصعوبة تطبيق الرفع الكامل للدعم وتحميل الفرد في ليبيا بقيمة الفرق. بعض الآراء تقول بتحويل الدعم من دعم عيني إلى دعم نقدي وهنا تثار أسئلة عديدة حول إمكانية تطبيق هذا الحل.

فالتجارب السابقة في الهند ودول أخرى تثبت بوضوح الصعوبة الشديدة في تطبيق هذه الطريقة. مثلاً هل سيكون الدعم النقدي للجيل الحالي فقط من السائقين وأرباب البيوت، أم أنه سيكون مستمراً أي بمجرد وصول الفرد إلى 18 سنة من العمر ويسمح له بقيادة سيارة فإنه سيحصل على دعم نقدي.

آراء أخرى تقول بفرض سقف معين على كميات الدعم تمنع الهدر، كما هو مطبق بشرائح الكهرباء نوعاً ما، إذ يمكن أن تدعم الدولة استهلاكًا معينًا من البنزين والكهرباء لكل عائلة، أما الفائض فيجب أن يدفع بالسعر اللامدعوم. وهذا في رأيي قد يكون أكثر عملية من حل الدعم النقدي.

إلا أن هناك محاذير معينة في تطبيقه، فالدولة على سبيل المثال فشلت فشلاً ذريعاً في تطبيق نظام الشرائح الكهربائية بسبب ما بات يعرف ليس في ليبيا فقط، بل في العالم النامي بظاهرة «سرقة الكهرباء» وعجز النظام الشرطي عن إنفاذ القانون فيها. هناك بالطبع حلول في هذا الشأن مثل فصل نشاط التوليد عن نشاط التوزيع وجعل الأخير نشاط تجاري مستقل.

تعقيدات معالجة الدعم وحلول مقترحة
معالجة قضية الدعم في ليبيا معقدة وأقصد هنا أنه يجب أن تتم بطريقة حساسة لنضمن فاعلية الحل، دعم المحروقات في ليبيا يقدم عن طريق قناتين تتبعان كليا للحكومة، الأولى شركة البريقة لتسويق النفط بإشراف المؤسسة الوطنية للنفط، والثانية الشركة العامة للكهرباء بإشراف وزارة الكهرباء.

وكما هو معروف فإن شركة البريقة توزع بنزين السيارات والديزل بسعر 150 درهماً للتر و180 درهماً للتر، وهذا يمثل تقريباً 18% و 25% من قيمة السعر العالمي للمنتجين.

كما تبيع الشركة كذلك الديزل وزيت الوقود الثقيل للشركة العامة للكهرباء بقيمة 40 و20 دينارًا للطن المتري مقابل 400 دولار و250 دولارًا للطن المتري لمثيلاتهم في السوق العالمية.

الدعم الموجة للبنزين لا يشكل سوى 35 ـ 40% من فاتورة الدعم النهائية

وأخيرًا ينبغي أن تبيع مؤسسة النفط الغاز الطبيعي للشركة العامة للكهرباء بـ0.20 دينار للمليون وحدة حرارية بريطانية، في مقابل متوسط سعر عالمي يبلغ 5.5 دولارات للمليون وحدة حرارية.

بالنسبة لمنتجي بنزين السيارات والديزل فإن المصرف المركزي يسدد هذا الدعم من عائد المبيعات النفطية، أو من احتياطاته، وفقاً لتشريع الميزانية العامة، في حال توريد هذه المنتجات من الخارج، بينما يتم تسوية الفروق نظرياً على السجلات في حال التزويد من المصافي المحلية أو خط الغاز الطبيعي. فيما يتم تحصيل الجزء غير المغطى بالدعم من عمليات بيع الوقود في محطات البيع المنتشرة عبر البلد «بالرغم من مشاكل التحصيل».

أما بالنسبة لمنتجات الديزل وزيت الوقود الثقيل والغاز الطبيعي المباعة للشركة العامة للكهرباء أو شركات تحلية المياه، فإنها تنتقل عبر دوائر إلى حد ما مغلقة سواء بالأنابيب أو الشاحنات، وفقاً لنظام تسعيري مختلف أكبر دعماً. وبالرغم من هذا فإن شركة الكهرباء بعد تغطية تكاليف التوليد والتوزيع تجد صعوبة في الوفاء بقيمة الجزء غير المشمول بالدعم نتيجة لقصور في التحصيل لأسباب مفهومة.

ومن هنا نتناول موضوع كثر اللغط حوله وهو تهريب الوقود وأثره على الاقتصاد الوطني. مبدئياً أقول إنه موضوع جدي وخطير، ويجب أن تضع له الدولة حداً بقدر الإمكان.. لكن من ناحية أخرى، فإني أجد مبالغة كبيرة في أثره على الاقتصاد الوطني، تهريب المحروقات أساساً في ليبيا يتم من منفذين واضحين هما ميناء الزاوية النفطي، وميناء مصراتة ولكن بصورة أقل.. وجهة التهريب البرية تونس وذلك للفرق الكبير في السعر بين البلدين، ولكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أن إجمالي الكميات المهربة لا تشكل رقماً كبيراً، حيث لا توجد سوق كبيرة في الجانب التونسي، فعدد السيارات محدود جداً مقارنة بالسوق الليبية.

أما التهريب المؤثر فهو التهريب البحري ويتوجه إلى السوق السوداء، إما كوقود للسفن في البحر وإما بخلطه بكميات أخرى وغسله وبيعه بطريقة قانونية من جديد.. يمكن القول إن الرفع التدريجي عن الدعم الموجه للبنزين هو أسهل الخيارات، ولكن يجب أن نعرف أن هذا الدعم لا يشكل سوى 35-40% من فاتورة الدعم النهائية على الدولة.
وإذا ما قررت الدولة الذهاب في هذا الخيار فإن هناك توازنات هامة عليها القيام بها وهي:

ـ تحسين والرفع من وسائل النقل العام خصوصاً تلك التي تربط بين المدن.

ـ ربما يجب التفكير في منح دعم وقود لشركات الطيران لتخفيض تكلفة التنقل البعيد بين المدن للمواطنين، ويجب التشديد هنا أن عبء دعم وقود الطيران سيكون أقل بكثير من عبء دعم بنزين السيارات.

ـ التفكير في تشييد ما يعرف في أنظمة المواصلات بـمحطات «قف واركب» «Park and Ride» وهي محطات خارج حدود المدن الكبرى محمية جيداً، يودع فيها السائق مركبته، ويركب الحافلة لإيصاله إلى المنطقة التي يرغب بها داخل المدينة، هكذا يتم تجنب زحام السيارات داخل المدن إلى حد ما.

- ضبط التهريب بالتتبع الإلكتروني لسيارات التوزيع الشاحنة، وتشديد الرقابة على البيع في المحطات.

ـ التمهل في رفع الدعم عن الكهرباء أولاً؛ لأن الوقود المستخدم داخلها لا يتم تهريبه لانتقاله في أنظمة مغلقة «حتى الآن»، كما أن موضوع تسعير الغاز الطبيعي وفقاً لمبدأ فرصة التكلفة البديلة موضوع شائك يحتاج إلى الدراسة بتمهل، من حيث محاولة تعظيم استخدام الغاز الطبيعي محلياً وتوفير التمويل اللازم لاستثماراته المكلفة.

خبير نفطي ليبي حاصل على دكتوراة في الاقتصاديات النفطية الدولية
لمطالعة العدد 77 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط