تقرير دولي: التدخل الخارجي غذى الصراع في أوباري

تناول تقرير استقصائي أعده مشروع «مسح الأسلحة الصغيرة» الأوضاع في مدينة أوباري جنوب ليبيا، ورأى أن اتفاقية السلام الأخيرة بين قبائل التبو والطوارق «هشة»، محذرًا من تجدد الصراع مع تدخل أطراف خارجية وإقليمية.

وحذر التقرير، وهو مشروع بحثي مستقل يتبع المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية في جنيف بسويسرا، من الدور الذي تلعبه بعض الأطراف الخارجية والإقليمية، وقال إن التدخلات الخارجية لعبت دورًا رئيسًا في تغذية وإطالة أمد الصراع في أوباري، وفاقمت خطوط المواجهة بالجنوب، حيث تحالفت المجموعات المحلية مع الحكومات المتنافسة للحصول على الأسلحة والدعم اللوجستي والدعم السياسي.

ورأى أن السلام في أوباري «هش للغاية»، فمازالت آثار أعمال العنف وعمليات القتال ملموسة داخل المدينة، سواء على صعيد العلاقات المجتمعية أو البنية التحتية أو الاقتصاد. فمنذ توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في فبراير العام 2016، لم تحصل أوباري سوى على نسبة ضئيلة للغاية من المساعدات المالية المطلوبة لإعادة إعمار المدينة، وإصلاح منظومة الخدمات وإعادة إحياء الاقتصاد. فوجود مؤسسات حكومية قوية، واستعادة حكم القانون ضروريان لتحقيق السلام. 

وحذر من انهيار اتفاقية السلام، لافتًا إلى تداعيات ذلك ليس فقط بالنسبة لليبيا لكن أيضًا بالنسبة لدور الجوار، فاستمرار الصراع في أوباري يعني زيادة الفجوة الأمنية بمنطقة الجنوب وبالتالي زعزعة الاستقرار ليس فقط في الجنوب لكن أيضًا في ليبيا بأكملها، مع توافر آلاف المقاتلين من شباب التبو والطوارق، وقد تنتقل الأزمة الأمنية إلى خارج حدود ليبيا إلى دول الجوار التي تعاني بدورها مشاكل وأزمات أمنية داخلية.

«السلام مازال هش داخل أوباري، والمدينة حصلت على نسبة ضئيلة من المساعدات المالية المطلوبة لإعادة الإعمار»

ولفت التقرير أيضًا إلى «عنصرية» تعانيها مجموعات التبو والطوارق، ففين حين حصلت قبائل التبو على بعض المكاسب لدعمهم لثورة 2011، تظل مجموعات الطوارق مهمشة سياسية واقتصاديًا. ورأى أن الحكومات المختلفة لم تبذل جهودا كافيا لتعزيز التوافق الوطني بالمدينة، أو حل الخلافات المتجذرة لعقود طويلة.

ولحل الدوافع الرئيسية للصراع في أوباري قال التقرير إن الحكومة الليبية والداعمين الدوليين عليهم العمل على حل شبكة معقدة من القضايا العالقة، أهمها قضية الهوية الوطنية. ولفت إلى أن القضايا العالقة الخاصة بحقوق المواطنة لقبائل التبو والطوارق يحد الحريات الممنوحة لهم، ويحد أيضًا من فرص توظيفهم، ولهذا ترتفع فرص انضمام شباب أوباري إلى شبكات تهريب المهاجرين، وتجنيدهم كـ«مقاتلين مأجورين» على يد الفصائل المسلحة المتنافسة أو المجموعات المتشددة.

وأضاف أيضًا أن غياب حكومة مركزية موحدة، ومؤسسات أمنية محايدة تمثل جميع الأطراف، وغياب الاستثمارات في البنية التحتية وغياب الخدمات العامة من الأزمات الرئيسية التي تهدد الاستقرار في أوباري ومنطقة الجنوب عامة.

وأكد التقرير أن الصراع في أوباري ليس «مشكلة ليبيا وحدها، فاندلاع العنف وانتشار السلاح والذخيرة، وعلاقة بعض المجموعات المحلية بشكات تهريب عبر الحدود، ينذر بانتقال الصراع من أوباري إلى كامل ليبيا. وبدون حل طويل المدى سيلقي الصراع في أوباري ظلاله على استقرار منطقة الجنوب بأكملها لفترة طويلة».
أوضاع اقتصادية متردية
وتطرق التقرير إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية في أوباري، وتساءل كيف يمكن للشباب، ومعظمهم مقاتلين سابقين، العمل والحفاظ على اتفاقية السلام مع صعوبة تحقيق حياة كريمة؟

وتعيش قبائل التبو والطوراق بالجنوب على الهامش معتمدين على التهريب والقتال من أجل مكاسب مالية، وفق التقرير، وذلك مع «استمرار الصراع بين الحكومات المتنافسة على الثروة والأراضي، متناسين الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لمجتمعات الجنوب».

وتتوفر في أوباري فرص عمل ضئيلة للشباب، ولهذا اضطر معظمهم للانضمام للمجموعات المسحلة وعمليات القتال لتأمين أموال. وقال أحد شباب الطوارق بالمدينة: «لا يوجد أمامنا كثير من الفرص، إما الالتحاق بالجيش أو الشرطة أو التوجه إلى طرابلس للعمل، أو ببساطة التحول إلى مجرم».

على الحكومة الليبية والداعمين الدوليين العمل لحل شبكة معقدة من القضايا العالقة، أهمها قضية الهوية الوطنية

ومنذ توقيع اتفاقية السلام في أوباري مُنع عدد كبير من شباب الطوارق من العمل في الوظائف التقليدية، مثل العمل في القطاع الأمني لأنهم لا يملكون هويات وطنية. وحتى هؤلاء العاملين في وظائف أخرى لم يحصلوا على رواتبهم لأكثر من عامين لأنهم أيضًا لا يملكون هويات وطنية.

وقال مدرس من الطوارق بالمدينة لم يذكر اسمه: «لم أحصل على راتبي منذ عامين واعتمد على العائلة، وذلك لأني لا أحمل هوية وطنية». وأوضح أنه يعمل تطوعًا في مدرسة ثانوية، وقال إن كثيرًا من الشباب الذين شاركوا في الحرب يعانون مشاكل نفسية وقلة التركيز.

ولفت التقرير أيضًا إلى أن نقص التمويل المتاح المخصص لمشاريع الإعمار والبناء يزيد صعوبة الأوضاع الاقتصادية، وبالتالي يضطر الشباب للانضمام إلى شبكات التهريب أو المجموعات المسلحة المتشددة.
حرب بالوكالة
وعلى الصعيد الأمني قال التقرير إن «كلاً من قائد الجيش المشير خليفة حفتر والتحالف التابع له، و(القوة الثالثة) التابعة لمصراتة والمكلفة بحماية الجنوب حاولا التأثير وفرض نفوذهما عن طريق حشد مجتمعات أوباري في صفوف القوات التابعة لكل منهما».

«قبائل التبو والطوراق تعيش على الهامش معتمدين على التهريب والقتال من أجل مكاسب مالية، ندرة فرص العمل تدفع الشباب إلى الحرب»

وقال: «كوّن خليفة حفتر لجنة أمنية من 11 عنصرًا للتفاوض مع قبائل وأعيان فزان، وأيضًا لتوحيد المجموعات المسلحة في الجنوب داخل بناء عسكري موحد يكون تابعًا له، وذلك بعد أن طالبه وفد من الجنوب بالتدخل والمساعدة في تحقيق الاستقرار بالمنطقة».

وفي المقابل «تحالفت القوة الثالثة مع آمر القوات المسلحة في الجنوب علي كنة الذي يسعى بدوره لتوحيد قبائل الجنوب لإحباط خطط حفتر بالمنطقة».

ونقل التقرير عن أعيان بالطوارق إن «الشباب يتم تجنيدهم كمقاتلين مأجورين على يد مجموعات مسلحة خارج أوباري مثل مجموعات من مصراتة تقاتل في سرت، وقوات الزنتان في الغرب ومجموعات في طرابلس».

ولهذا حذر من أن استمرار الاضطرابات والصراع في أوباري إلى جانب الانتشار الواسع للسلاح والذخيرة، يعني انضمام مئات الشباب إلى التحالفات العسكرية القائمة والمجموعات المسلحة المتنافسة، وبالتالي زيادة حدة الصراع في ليبيا بأكلمها وليس أوباري فقط.