السفيرة الأميركية السابقة بطرابلس تتحدث عن دور حفتر وتصف الوضع في ليبيا بـ«حرب استنزاف»

رأت السفيرة الأميركية السابقة لدى ليبيا ديبورا جونز أن الحرب في ليبيا «لا تقوم على الاختلافات الأيديولوجية، لكنها حرب استنزاف تهدف إلى السيطرة على، وليس تدمير، البنية التحتية الحيوية في غياب جهة موثوق بها تتولى إدارة الثروة الوطنية».

وقالت جونز، في استعراضها للأزمة الليبية أمام جلسة للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، أول من أمس الخميس، إنه طالما تعتقد الفصائل المختلفة أنها تستطيع الاعتماد على الدعم الخارجي لتغيير موازين القوى، ستستمر الحرب الراهنة وتستمر معها المعاناة الإنسانية، وتدفق المهاجرين وتسلل المقاتلين الأجانب إلى داخل الأراضي الليبية من عناصر تنظيمات مثل «داعش» و«القاعدة».

طالما تعتقد الفصائل المختلفة أنها تستطيع الاعتماد على الدعم الخارجي، ستستمر الحرب الراهنة وتستمر معها المعاناة الإنسانية

وأكدت جونز أن تحقيق الاستقرار يتطلب تحقيق الحكم الرشيد، موضحة أن «الدور الرئيسي لأي حكومة هو التوزيع العادل لثروات البلاد، وتوفير الأمن وإطار نظامي للتجارة وتحقيق حكم القانون».

وتابعت أن أي «حل ليبي» يتطلب توافق على مستوى البلديات على نظام حكم يضمن التوزيع العادل للثروات الوطنية، ودرجة من الحكم الذاتي (بما فيها القضايا الأمنية) على مستوى الأقاليم، وإعادة دمج وتأهيل عناصر المجموعات المسلحة، إلى جانب ضمان عودة جميع النازحين الليبيين.

ويجب أن يبدأ «الحل الليبي» من اتفاقات وقف إطلاق النار، تحت إشراف المجتمع الدولي وبالتعاون مع السلطات الليبية، وجمع الأسلحة الثقيلة على مستوى الدولة، والاستمرار في التعاون مع ليبيا فيما يخص الحرب ضد تنظيم «داعش» والتنظيمات الأخرى.

يجب أن يبدأ «الحل الليبي» من اتفاقات وقف إطلاق النار، تحت إشراف المجتمع الدولي وبالتعاون مع السلطات الليبية

وقالت: «يجب على الليبيين الاتفاق على هذا كله، أو عليهم تقبل أن تعمل القوى الدولية وفق مصالحها المباشرة قصيرة المدى». ورأت جونز أن الأزمة الليبية «ليست سهلة. فالصراع الأهلي يخلق خلافات عميقة تدوم فترات طويلة».

دور حفتر
وتحدثت جونز عن قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، ودوره في العملية السياسية، وقالت إن دور خليفة حفتر «معقد» ورأت أنه «عقد عملية التوافق الوطني».

وأوضحت أن «ظهوره في بنغازي، ونهجه للقضاء على جميع من اعتبرهم متشددين إسلاميين، لاقى ترحيبًا من البعض بينما اعتبره آخرون استقطابًا دفع كثير من الفصائل الوسطية إلى معسكر المجموعات المتشددة بهدف منع حفتر من الانتصار».

وتابعت: «يقول البعض إن نهج حفتر سمح لتنظيم (داعش) باستغلال الوضع الفوضوي الراهن من خلال إطالة أمد الفراغ السياسي. وحملته العسكرية الممتدة، وفق البعض، تخللها صراع وغياب التماسك بين صفوف قواته، مما دفع الكثيرين للاعتقاد أن حفتر مجرد أداة بين أيدي أطراف أجنبية».

ليبيا دولة كبيرة لا تعتمد على شريك واحد، خاصة في ظل الاستقطاب السياسي الراهن

وقالت جونز إن خليفة حفتر، خلال فترة تواجدها كسفيرة أميركية في ليبيا، لم يسيطر على أكثر من 12% فقط من الأراضي الليبية. وأضافت أن «ليبيا دولة كبيرة لا تعتمد على شريك واحد، خاصة في ظل الاستقطاب السياسي الراهن».

وتطرقت جونز إلى جهود مكافحة الإرهاب التي نسقتها الإدارة الأميركية في ليبيا خلال فترة عملها، وأشارت إلى نجاح بعض المهمات مثل القبض على أنس الليبي وأحمد أبو ختالة، إلى جانب العمل مع جميع الفصائل الليبية في إطار جهود التوافق السياسي ودعم الحكومات الليبية المتعاقبة. وأكدت أن وجود دولة ليبية مستقرة وآمنة، تستطيع حماية مواطنيها، بالاتساق مع القوانين الدولية، من أولويات الأمن القومي الأميركي.

محطات
استعرضت ديبورا بعض اللقطات التاريخية التي اعتبرتها من المحطات التي يجب استيعابها لفهم الانقسامات والعداوات السياسية التي تلت قيام ثورة 2011، وتحدثت عن «ظهور معمر القذافي العام 1969 واستبدال الملك، المعين وقتها من قبل الأمم المتحدة، محمد إدريس السنوسي».

وقالت: «استخدم القذافي الثروة النفطية في تأكيد حكمه على دولة منقسمة إلى ثلاث أقاليم، ومشهد سياسي متجزئ بين مدن وقبائل وواحات، ورفع راية القومية العربية. واعتمد القذافي على تذكية المنافسة والخلافات بين الأقاليم الثلاثة، مع غياب المؤسسات الحكومية المستقلة وحكم القانون. وظل إرث القذافي باقيًا حتى بعد رحيله».

كشفت الثورة عن كثير من الوطنيين، ممن تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة والغرب، وكثير من «الانتهازيين»

وعقب قيام ثورة 2011، ورغم إجراء انتخابات برلمانية في يوليو العام 2012، قالت جونز إن الحكومة انقسمت بشدة وفق خطوط متناقضة، اعتبرها البعض بين «إسلاميين» و«قوميين»، واعتبرها آخرون بين «عناصر النظام السابق» و«عناصر الثورة الديمقراطية»، إلى جانب إسلاميين يحملون أيديولوجيات متطرفة، عند الجانبين. وكشفت الثورة النقاب عن كثير من الوطنيين، ممن تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة والغرب، وكثير من «الانتهازيين» الذين يسعون خلف المكاسب المادية.

وقالت: «بينما غرق المؤتمر الوطني العام في قضايا حول توزيع السلطة بين الهيئات التنفيذية والتشريعية، تصرفت المجموعات المسلحة، الموالية للأجنحة السياسية، كعصابات متنافسة، تستعرض عضلاتها التي نمت عقب الثورة، إلى الحد الذي سمح لمجموعات بالضغط على المؤتمر العام لتبني قانون العزل السياسي في مايو 2013 تحت تهديد السلاح. بينما اتهمت مجموعات الزنتان بخطف وسرقة وابتزاز المسافرين من مصراتة إلى مطار طرابلس الدولي، الواقع تحت سيطرتها». ورأى متابعون للوضع على الأرض وقتها أن تلك المناوشات والخلافات السياسية سببها الرئيسي الرغبة في السيطرة على مصادر الثروة بالدولة، وليس لخلافات أيديولوجية، في بلد 98% من مواطنيه من المسلمين السنة.

إحباط
تحدثت جونز عن فترة عملها داخل ليببا، ولفتت إلى التوصل إلى اتفاقات ثنائية للحفاظ على التراث الليبي، وإنشاء لجنة ثنائية للتعليم العام وتحسين التعاون في مجال تطبيق القانون والتحضير للاستثمارات المستقبلية، وإتمام العمل مع منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية ومنظمات أخرى لتدمير المخزون الكيميائي الليبي.

الخلافات السياسية سببها الرئيسي الرغبة في السيطرة على مصادر الثروة بالدولة، وليس لخلافات أيديولوجية

ولفتت إلى إحباط جهود تدريب قوات نخبة ليبية خاصة، ردًا على طلب تقدم به علي زيدان لمجموعة الدول السبع الكبرى أبريل 2013، بسبب الانقسامات الموجودة وغياب أي قيادة موحدة.

وحول عمل المؤسسات الاقتصادية، قالت جونز إن المؤسسات الرئيسية مثل المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وهيئة الاستثمار الليبية، تُركت لتؤدي عملها بشكل حر. وتأثرت العائدات النفطية بسبب تدخل بعض القبائل وقطع خطوط نقل الإنتاج، لكنها استمرت في التدفق للمصرف المركزي الذي بدروه عمل على توزيع الرواتب ونسب الدعم لجميع الأطراف فيما بينها المجموعات المسلحة المتناحرة والحكومات المتعاقبة.

المزيد من بوابة الوسط