دراسة: مستقبل ليبيا.. وفاق جبري تفرضه «استراتيجية الإنهاك»

رأت دراسة حديثة أن ما يجري في ليبيا حاليا هو جزء من استراتيجية دولية هدفها إنهاك جميع الأطراف، بما يدفعها في نهاية المطاف للقبول بحل يتوافق مع مصالح القوى الكبرى، ويتماشى مع بنود الاتفاق السياسي الموقع بمدينة الصخيرات في ديسمبر 2015.

وخلصت الدراسة الصادرة عن المركز المصري للدراسات (مقره القاهرة) إلى أن هناك توجها أميركيا لترتيب البيت الليبي في المدى المنظور، في ظل الثوابت التقليدية للسياسة الأميركية، وبالتوافق مع حلفائها الأوروبيين بقيادة إيطاليا التي تعد اللاعب الرئيسي والمؤثر الأبرز في مسار الأزمة.

لمطالعة العدد 75 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وقالت الدراسة إنه ينبغي «على الفعاليات الليبية المحسوبة على (ثورة) فبراير أن تتعاطى بواقعية شديدة مع الوضع الهش في البلاد ومع المعطيات في الإقليم وفي العالم وخاصة في الجزائر المقدمة على انتخابات تشريعية تاريخية يتوقع أن تلقي بظلالها على الوضع في ليبيا».

حكومة الوفاق تملك فرصة كبيرة لحسم الأزمة في مواجهة تياري «الكرامة» و« فبراير»

ووجدت الدراسة أيضا أن حكومة الوفاق تملك فرصة كبيرة لحسم الأزمة في مواجهة تياري «الكرامة» و« فبراير»، في ظل ما تحظى به من تأييد دولي مكنها من السيطرة على العاصمة والتمدد لمناطق أخرى، مع التأكيد على أن العلاقة مع مدينة مصراتة، ستؤثر بشكل كبير في مسار الأحداث، خاصة مع التراجع الكبير في قوة «تيار فبراير»، الذي تعرض لتصدعات كبيرة خلال الفترة الماضية.

واستهل الباحث المهدي ثابت دراسته بمقولة الملك الراحل إدريس السنوسي: «أتمنى لو أنكم عثرتم على ماء، فالماء يشجع الناس على العمل، أما النفط فيجعل الرجال يحلمون»، معتبرا أن هذه الكلمات تحققت اليوم، ففي الهلال النفطي أغنى موقع للبترول في ليبيا، ثمة العديد من الحروب الدائرة للسيطرة عليه والعشرات من الشاحنات المحترقة بفعل القتال الذي اندلع أواخر العام 2014.

واستعرض ثابت بدايات الأزمة الليبية قائلا: «في أكتوبر2011 وبعد الاحتفال بمقتل معمر القذافي، كانت كشوفات المجلس الوطني الانتقالي تحوى 25 ألف مقاتل من الثوار الذين حاربوا قوات النظام، وبعد أشهر قليلة تضاعف الرقم تحت مسميات دروع وسرايا وكتائب أمنية، ليصل في 2012 إلى مئتي ألف مقاتل، وهذا رقم مذهل في بلد لا يتجاوز سكانه 6.5 ملايين نسمة، لأنه يعني 3% من التعداد العام للسكان في حين أن جيش القوة العسكرية الأولى في العالم لا يتجاوز نسبة 0.429% من التعداد العام للسكان».

وعرضت الدراسة لتأثير البعد المناطقي على الأحداث في ليبيا، قائلة إن «تاريخ ليبيا المعاصر يقول إن الشرق (إقليم برقة) والغرب (إقليم طرابلس) كانا دائما بوصلة صناعة الأحداث المفصلية إلا أن الجنوب (إقليم فزان) ظل الحصان الأسود المرجح لكفة التوافق، حيث يسيطر على المشهد السياسي الليبي ثلاثة تكتلات رئيسية تمتلك اثنتان منها أذرعا عسكرية تبسط سيطرتها على قرابة ثلاثة أرباع مساحة ليبيا، إضافة إلى عشرات القوى السياسية والعسكرية الصغيرة ذات الطابع القبلي أو الأيديولوجي والتي تميل حسب مقتضيات التحالفات المحلية المتجددة».

وقالت الدراسة: «لازال الوفاق متعثرا في المشهد الليبي في ظل فشل القوى الثلاث الكبرى: الوفاق، الكرامة، فبراير، في حسم الأمور على الأرض وترجيح كفة خيار على خيار»، مشيرة إلى أن «هذه القوى تتصارع وهي في حالة إنهاك شديد بعد اقتتال واحتراب».

استراتيجية الإنهاك
وأضافت: «منذ أكثر من ست سنوات تعيش ليبيا أزمة عميقة على مختلف الصعد نتيجة تعقد الواقع الداخلي ونتيجة التدخل الأجنبي بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية وهو ما جعلها مستعصية على الحل إلى اليوم».

وتابعت: «شهد الصراع الداخلي طيلة السنوات الست السابقة مراحل مختلفة وأقطاب صراع متعددة لتستقر اليوم على ثلاث قوى أساسية تتدافع لحسم الأمور لصالحها»، مضيفة أن «هذه القوى الثلاث هي تيار الوفاق الذي تقوده حكومة الوفاق الوطني المنبثقة عن اتفاق الصخيرات، وتيار فبراير الذي يضم في مكوناته بقايا المؤتمر الوطني العام وحكومة الإنقاذ الوطني بقيادة خليفة الغويل، وتيار الكرامة الذي يقوده خليفة حفتر ومعه البرلمان وحكومة عبدالله الثني».

لمطالعة العدد 75 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ورأت الدراسة أن «هذه القوى الثلاث تعرف حالة من الإنهاك الشديد والضعف في الوسائل والإمكانيات نتيجة عوامل عديدة أساسها الاستراتيجية الدولية التي عملت لسنوات على تحقيق هذا الهدف، أي الوصول بالجميع إلى حالة الضعف الفادح دون أن تتمكن أي جهة من حسم الصراع لصالحها بما يمكنها في مرحلة لاحقة من التحكم في مجريات الصراع وتوجيهه بالشكل الذي يمكنها من فرض الحل الذي تريده أي بتشكيل الدولة الجديدة في ليبيا وفق مصالح القوى الكبرى».

«المشهد في ليبيا لم يكن واضحا كما هو عليه اليوم، فأقطاب الصراع وأهدافه تجلت بوضوح وطبيعة التدخل الأجنبي برزت وأصبحت ظاهرة»

وبتقدير الدراسة فإن «المشهد في ليبيا لم يكن واضحا كما هو عليه اليوم، فأقطاب الصراع وأهدافه تجلت بوضوح وطبيعة التدخل الأجنبي برزت وأصبحت ظاهرة ومعلومة للجميع بما يمكن من فك رموز التداخل الذي عقد المشهد لفترة طويلة».

وأضافت: «يمكن أن نطلق على المرحلة الحالية اسم مرحلة التمكين للخيار الدولي من خلال استراتيجية عمل بدأت تأتي أكلها وتنعكس على أرض الواقع، في ظل إنهاك القوى الثلاث الرئيسية في البلاد».

في هذا الإطار، يبدو «ألا خيار أما الأطراف الليبية في الظرف الراهن غير اتفاق الصخيرات رغم أنه نتاج ترتيبات دولية وليس نتاج حوار ليبي ليبي»، خاصة وأن «كل محطات الحوار الليبي الليبي فشلت سواء بسبب سوء أداء الأطراف في الداخل أو بسبب التدخلات الخارجية التي ليس من صالحها توافق ليبي داخلي على حساب مصالحها الاستراتيجية في هذا البلد الغني والواعد»، على ما ذكرت الدراسة.وتوضيحا لذلك، قالت الدراسة: «لقد مر اليوم على الاتفاق السياسي الموقع بين الأطراف الليبية في مدينة الصخيرات المغربية ( ديسمبر 2015) حوالي سنة ونصف ولم يتغير شيء في البلاد بل زادت الأمور سوء خاصة في النواحي الاقتصادية التي لها انعكاس مباشر على حياة المواطن الليبي»، مضيفة أن «هذا الأمر يبدو أنه معد له بحرفية كبيرة من الأطراف الدولية في إطار استراتيجية الإنهاك الشامل ليخضع الجميع في النهاية للترتيبات الدولية المراد تركيزها في البلاد، وقد بدأت هذه الاستراتيجية بتجفيف منابع المال على الجميع بما في ذلك حكومة الوفاق الوطني التي تحظى بالشرعية الدولية».

وتابعت الدراسة: «إن مختلف التشكيلات العسكرية المحسوبة على فبراير والتي كانت تتلقى الدعم المالي مقابل ما تقدمه من خدمات أمنية باتت اليوم محرومة من هذا الدعم بتوافق بين حكومة الوفاق والقوى الدولية الداعمة وذلك لفرض انضمام هذه الكتائب والتشكيلات لحكومة الوفاق أو أن تضطر لحل نفسها».

واستطردت: «هذا الخيار بدأ يؤتي أكله؛ إذ إن الدعم المادي في أغلبه يحول لفائدة القوى الأمنية والعسكرية التي تشتغل بالكامل مع حكومة الوفاق وهو ما مكنها من تشكيل قوة عسكرية وأمنية مهمة وفاعلة خاصة في العاصمة طرابلس وهي مدعومة أساسا من الأمم المتحدة ومبعوثها للشؤون الأمنية الإيطالي باولو سيرا الذي ينسق بشكل فعال مع العميد عبدالرحمن الطويل المكلف من حكومة الوفاق بملف الترتيبات الأمنية التي تنص عليها المادة الرابعة من اتفاق الصخيرات».

«حكومة الوفاق تسعى الآن جاهدة لفتح ثكنات في المدن الليبية لتخريج دفعات مدربة تتبع الحرس الرئاسي»

وأشارت الدراسة إلى أن «حكومة الوفاق قطعت شوطا طويلا في هذا الملف عندما سيطرت على أغلب العاصمة طرابلس بعد إخراجها التشكيلات العسكرية الموالية لحكومة الإنقاذ الوطني»، مضيفة أن «حكومة الوفاق تسعى الآن جاهدة لفتح ثكنات في المدن الليبية لتخريج دفعات مدربة تتبع الحرس الرئاسي الذي يدين بالولاء المطلق لها، كما تمكنت مؤخرا من ضم أغلب تشكيلات قوات البنيان المرصوص لرئاسة الأركان العامة في طرابلس إلى جانب انضمام أغلب كتائب المجلس العسكري مصراتة للمنطقة العسكرية الوسطى التابعة لرئاسة الأركان في طرابلس».

واستدركت الدراسة موضحة أن «ما يقلق في الأمر أن حكومة الوفاق رغم انضمام هذه التشكيلات العسكرية الكبيرة لسلطتها إلا أنها لم تسم لحد اللحظة قائدا عاما للجيش وهو ما يثير الريبة لدى قطاع عريض من هذه القوات ولدى أغلب السياسيين الفاعلين على الساحة»، منوهة إلى أن «المعوق الأساسي أمام حكومة الوفاق هو عجزها عن حل أهم المعضلات التي يعاني منها المواطن الليبي وهي مشكلة السيولة وانهيار سعر الدينار ومشكلة الكهرباء».

ولفتت الدراسة إلى أن «الحكومة ترد سبب العجز إلى إدارة البنك المركزي التي ترفض إلى اليوم تسييل الميزانية العامة لإدارة شؤون البلاد»، معتبرة أن «هذا ملف آخر من الملفات الكبرى في الأزمة الليبية؛ إذ هناك من يعتبر أن الصديق الكبير محافظ البنك المركزي هو الحاكم الفعلي لليبيا وأن علاقته متينة جدا بالولايات المتحدة التي تمسك بأهم ورقة في الأزمة الليبية ذلك أن المال لن يسيل لأي طرف قبل أن تستقر له الأمور بالكامل وهي سياسة محافظ البنك المركزي».

إلا مصراتة
تحت عنوان «مصراتة مدينة الحرب والسلام»، قالت الدراسة إن «حكومة الوفاق الوطني تستطيع تجاوز أي مدينة في ليبيا ويمكنها أن تفرض عليها أجندتها إلا مدينة مصراتة التي لا يمكن تجاوزها في أي قرار مصيري يهم البلاد وخصوصا في إطار الجهود المبذولة لإخراج البلاد من أزمتها».

«مصراتة هي محراب الحرب والسلام فلا حرب بلا مصراتة ولا سلام بلا مصراتة»

وتابعت: «إن مصراتة هي محراب الحرب والسلام فلا حرب بلا مصراتة ولا سلام بلا مصراتة. إنها القوة الضاربة عسكريا واقتصاديا. ولذلك فإن الخلافات التي تشق المكونات الرئيسية في المدينة، أي المجلس البلدي والمجلس العسكري ومجلس الأعيان والحكماء ومجلس رجال الأعمال ستلقي بظلالها على كامل البلاد وخصوصا على حكومة الوفاق الوطني التي تنتظر توافقا داخليا في المدينة لتستطيع رسم الخطوط الكبرى لمشروعها».

وتابعت: «لا ننكر أن مصراتة منقسمة على نفسها كما سائر بقية المكونات والمدن، إلا أن وضعا يبقى استثنائيا، ولذلك فإن استقرار الأوضاع في هذه المدينة وإدارة الخلاف بالآليات الديمقراطية سيجنبها ويجنب البلاد مطبات كبرى ويعجل بالحل السياسي الذي لن يكون إلا توافقيا. وتبقى مصراتة الضمانة الكبرى للثورة ولخط فبراير القوي فيها.

وبتقدير الدراسة، فإن «حكومة الوفاق تسعى من خلال أدائها لتشريك كل المكونات السياسية في بناء الدولة الجديدة، وأنها لن تقصي إلا من أقصى نفسه (أو هكذا ما هو ظاهر من الأداء) بمعنى أن المرحلة هي مرحلة البراغماتية السياسية بمفهومها البناء والإيجابي وأن من لم يحسن قراءة الواقع الدولي والإقليمي سيجد نفسه خارج المعادلة».

لمطالعة العدد 75 من جريدة «الوسط» اضغط هنا