الانقسام السياسي والسوق السوداء وإغلاق حقول النفط يجر البلاد إلى كارثة

تجددت حرب البيانات والتصريحات هذا الأسبوع حول الأزمة الاقتصادية، أسبابها وسبل الخروج منها، البداية كانت بـ«بيان إلى الناس» أصدره علي الحبري محافظ المصرف المركزي بالبيضاء، مساء السبت الماضي، وفي اليوم التالي رد الصديق الكبير محافظ المصرف المركزي في طرابلس بمؤتمر صحفي.

وهكذا استبق الاثنان جلسة مجلس النواب، يوم الاثنين الماضي، لمناقشة برامج المرشحين الأربعة لمنصب محافظ المصرف المركزي، في خطوة قد تمهد لإنهاء انقسام دام منذ سبتمبر 2014، خصوصاً مع الأجواء الإيجابية التي أعقبت اجتماع عقيلة ـ السويحلي في روما.

لمطالعة العدد 75 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ومع أن الاثنين، الحبري، والكبير لم يختلفا كثيراً حول تشخيص الأزمة، حجمها وأسبابها، وربما علاجها، فالحبري اعتبر المضاربة على العملة المحلية والدولار وعدم معالجة سعر الصرف بمثابة ثقب أسود «يبتلع ما تبقى من الاحتياطيات دون حسيب أو رقيب ويجر البلاد إلى كارثة».. وهو نفسه «النفق الاقتصادي المظلم» الذي تحدث عنه الصديق الكبير عندما أشار إلى «التوسع في حجم السوق السوداء وازدياد المضاربات بسبب انخفاض الإيرادات من النقد الأجنبي، وازدياد عرض النقود خارج النظام المصرفي؛ مما أثر سلباً على قوة الدينار».

الحبري قال إن «بداية تردي الأوضاع الاقتصادية مبدئياً بدأت مع إقفال الموانئ النفطية في شهر أغسطس 2013، بحجة واهية وهي عدم صلاحية العدادات»، أعقبه انهيار أسعار النفط عالمياً في نهاية الربع الأول للعام 2014، ليصبح «الإنتاج قليلاً والسعر ضئيلاً»، وتزامن ذلك كله «مع صراع سياسي حاد وغياب كلي للتوافق، وفوق كل ذلك توسع إرهابي منظم داخل الدولة».المعنى نفسه قاله الكبير، بالاعتراف «بأننا نمر بأزمة حقيقية خانقة»، وأشار إلى أن انقلاباً أمنياً «ساعد على انتشار الفوضى والجريمة المنظمة والإرهاب ضرب الدولة والسلطة والمجتمع والاقتصاد في مفاصلها». بل واعترف بـ«توقف الدور الطبيعي للنظام المصرفي في الاقتصاد.. لأسباب كثيرة من أهمها: الانقسام السياسي، والانفلات الأمني، وفوضى التشريعات، واستمرار قفل السجل العقاري، وعدم وجود البنية الأمنية والقانونية والإدارية اللازمة لدعم عمل القطاع المصرفي».

لكن الحبري ألقى بمسؤولية توقف الدور الطبيعي للنظام المصرفي وما آلت إليه الأوضاع في جانب منها على إدارة «المركزي بطرابلس»، واعتبر الكبير مسؤولاً عن تدهور سعر الصرف، باعتباره الملجأ الأخير للمصارف، ولتجاهله اقتراحاً لصندوق النقد الدولي يقضي بتحريك سعر صرف الدينار، وقبلها رفض إقالته من قبل السلطة التشريعية (مجلس النواب).

الكبير أكد أن تغيير سعر الصرف يجب أن تصاحبه حزمة من الإجراءات والإصلاحات المالية والاقتصادية والتجارية

بل وتحدث الحبري عن اتباع الكبير «استراتيجية مقصودة» حددها بتسع نقاط، منها «تجاهل الشرعية والاستفادة من التضارب السياسي في خلق أمر واقع تسانده السيطرة على الاحتياطيات، وتجاهل أحكام المحاكم، والعبث بالهيكل التنظيمي، وقطع المنظومة المصرفية عن فرع المركزي في بنغازي، والانحيار الواضح للتجاذبات السياسية، والتوزيع غير العادل للنقد الأجنبي بين المصارف»، وضرب مثلاً على ذلك بحصة «المنطقة الشرقية من النقد الأجنبي التي لم تزد على 12.6%، بينما كانت حصة المنطقة الجنوبية شبه معدومة».

ورد الكبير بقوله: «لنرسم صورة واقعية للأزمة بدلاً من الهروب من مواجهة واقع سلبي يداهمنا إلى مماحكات ومنازعات» على حد تعبيره، حددها في 13 بنداً، أبرزها:

ـ أن الاقتصاد الليبي ريعي بامتياز أحادي المصدر يتأثر سلباً وإيجاباً بإنتاج النفط وتصديره وأسعاره، فالإيرادات النفطية تراجعت بنسبة 91% في 4 سنوات من 53.3 مليار دولار في العام 2012 إلى 4.8 مليارات دولار في العام 2016.

ـ تدن مستمر في معدلات الدخل القومي خلال السنوات الأربع الأخيرة (2013 ـ 2016)، نتيجة الإقفال التعسفي لإنتاج النفط وتصديره، إذ فاقت الخسائر 160 مليار دولار، مما انعكس سلباً على احتياطيات النقد الأجنبي وأضعف قيمة الدينار.

ـ انقسامات سياسية أفقدت السلطة وحدتها وقدرتها، وانعكاس ذلك الانقسام على مصرف ليبيا المركزي والنظام المصرفي بكامله.

ـ غياب الوزارات والهيئات والإدارات المسؤولة، مثل وزارة الاقتصاد، المسؤولة عن تنظيم التجارة الخارجية والداخلية، ومصلحة الجمارك المسؤولة عن أمن الدولة عبر منافذها من جرائم التهريب وردع المخالفين والمتجاوزين.

ـ تضخم الدين العام وبلوغه معدلات غير مسبوقة، بوصوله إلى ٦٦ مليار دينار حتي نهاية الربع الأول لعام ٢٠١٧، «لا يشمل هذا المبلغ ما تم صرفه من المصرف المركزي بالبيضاء»، والعجز المستمر والمتصاعد للميزانية العامة بسبب تناقص الإيرادات وزيادة النفقات.

ـ سحب كبار المودعين والمتعاملين أموالهم من المصارف واكتنازها وتدويرها خارج النظام المصرفي، بنحو 30 مليار دينار، بما يتجاوز 70% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما كانت النسبة 9 % في نهاية 2010، مما خلق أزمة في السيولة التي يستحيل حلها بطباعة المزيد من النقود بعد تجاوز النقد المتداول للنسب المسموح بها عالمياً في الاقتصاد الوطني.

ـ التوسع في حجم السوق السوداء للعملات وازدياد المضاربات بسبب انخفاض الإيرادات من النقد الأجنبي، وازدياد عرض النقود خارج النظام المصرفي، وعدم ضبط المنافذ، وغياب الرادع القانوني، مما أثر سلباً على قوة الدينار الليبي، وقد أحال المصرف المركزي ملفات للنائب العام لها علاقة بتهريب الأموال بأكثر من 4 مليارات دينار.

ـ الفوضى في تأسيس الوحدات التجارية الخاصة دون ضبط ولا معايير مما أدى إلى وجود مئات الشركات المتهافتة على طلب العملة والاعتمادات، مما أدى إلى استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي وانعدام تحقيق أية قيمة مضافة، وتمثل هذه الشركات حوالي 60% من اقتصاد الظل، الذي يتولى تهريب السلع والأصول إلى الدول المجاورة.

ـ ازدياد الإنفاق خارج الميزانية العامة وخارج الترتيبات المالية من خلال المصرف المركزي بالبيضاء، الذي بلغ حسب المعلومات المتوفرة نحو 15 مليار دينار خلال العامين 2015 / 2016، رغم أن المرتبات تدفع من قبل إدارة العمليات المصرفية بطرابلس، وفق منظومة الرقم الوطني لكل مستحقيها، وكذلك أبواب الميزانية الأخرى لكافة أنحاء ليبيا.

وأخيرًا ضعف تحصيل الرسوم السيادية من الجباية الضريبية والجمركية والبلدية، مما أفقد الخزانة العامة أحد مصادر تمويلها. وهو ما رفضته مصلحة الضرائب، حين أصدرت بياناً في اليوم التالي رداً على الكبير، أكدت فيه أن الإيرادات الضريبية للعام الماضي وصلت إلى 1.5 مليار دينار، بفائض عن الإيرادات التقديرية قيمته 350 مليون دينار، مشيرة إلى تحسن أداء تحصيل الضريبة التي ارتفعت عن إيرادات العام 2015 بما قيمته 21 مليون دينار.

ورفضت مصلحة الضرائب في بيانها بأن «تكون شماعة لفشل الجهات العامة الأخرى والوضع المتردي الذي وصل إليه المواطن هذه الأيام في سبيل حصوله على أدنى متطلبات الحياة اليومية».

وبالنسبة لأزمة سعر الصرف أكد الكبير أن تغيير سعر الصرف يجب أن تصاحبه حزمة من الإجراءات والإصلاحات المالية والاقتصادية والتجارية، تتم في تناغم وتنسيق للسياسات بين مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية.

وطالب بإنهاء الانقسام السياسي، وتكوين سلطة تنفيذية وسياسية موحدة، وتوحيد المؤسسات المنقسمة، وتفعيل مؤسسات الدولة النظامية، وتمكين السلطة التشريعية وعودة المنظومة القضائية وفرض الأمن، وإيقاف الصراعات المسلحة، والدعوة إلى المصالحة والإصلاح وعودة المهجَّرين، وزيادة إنتاج النفط والغاز إلى مستواه العام 2010.

الحبري قال إن تدهور سعر الصرف يرجع إلى الاعتماد الكبير على الواردات وتنامي عملية المضاربة داخل السوق بهدف تحقيق أرباح استثنائية

كما أشار إلى ضرورة العمل على الحد من الانفلات الاستيرادي والفوضى التجارية، وضبط المنافذ وتوفير فرص العمل الحقيقي لا الطفيلي، إضافة إلى النظر في سعر الصرف، ورفع الدعم عن المحروقات واستبداله بدعم نقدي للفئات المتضررة، وترشيد الإنفاق، وفتح المجال للقطاع الخاص وتحفيزه، وتنشيط بيئة الإنتاج والأعمال والاستثمار.

فيما قال الحبري إن تدهور سعر الصرف يرجع إلى الاعتماد الكبير على الواردات، وتنامي عملية المضاربة داخل السوق بهدف تحقيق أرباح استثنائية، موضحاً أن أزمة سعر الصرف لا تتناسب مع تمتع ليبيا باحتياطات نفطية تزيد على 48 مليار برميل و116 طناً من الذهب واستثمارات خارجية تصل إلى 67 مليار دولار واحتياطات ملائمة من النقد الأجنبي.

وأضاف: «إن أي توتر غير متوقع على مستوى عرض وطلب النقود من خلال ردود الأفعال وليس التخطيط المدروس، يؤدي إلى تذبذب سعر الصرف، وهو سعر لديه قابلية مزعجة لتجاوز الحد».بينما لفت الحبري إلى زاوية أخرى، أكد فيها أن كمية النقود التي يصدِّرها المصرف المركزي، مضافاً إليها الودائع تحت الطلب «M1» يصل مجموعهما إلى 87 مليار دينار، موضحاً أن متوسط عدد الحسابات المتحركة في كافة المصارف بالمنطقة الشرقية يبلغ 450 ألف حساب، بينما تبلغ القيمة الشهرية التي تدفع من المصرف المركزي بطرابلس 50 مليون دينار، ومتوسط السيولة الشهرية لكل حساب 110 دينارات، فيما أدى إلى تنامي مشكلة السيولة، ووصول المخصص الشهري المعدل 20 مليون دينار، وهو ما جعل متوسط السيولة الشهرية لكل حساب 45 دينارًا.

وأشار إلى أن الانحياز للتجاذبات السياسية، أدى إلى تردي الوضع الاقتصادي، رفقة جملة من الأسباب الأخرى، وعلى رأسها الخلافات حول إدارة المصرف المركزي، مشيراً إلى تزايد «المجاهرة بمعاداة الجيش الوطني واتهامه بالسرقة»، وقال: «إن تقرير لجنة العقوبات أوضح بجلاء نسخاً من الصكوك المصروفة للأطراف الداعمة للجهات المناوئة للجيش».

وأكد أن «سعر الصرف الحالي هو سعر غير حقيقي، وهو مقوم بأعلى من قيمته، وأن الاستمرار فيه لن يخلق توازنا في الاقتصاد النقدي أو الحقيقي، وأن تكامل السياسات المالية والنقدية والتجارية والاستثمار أساسي وضروري، لكن الأولوية المطلقة تستوجب معالجة سعر الصرف، لأنه الثقب الذي يبتلع ما تبقى من الاحتياطيات دون رقيب، ويجر البلاد إلى كارثة، إذا لم يجبر المقال على الإقالة»، في إشارة إلى الكبير.

وأياً ما كانت الأسباب أو حتى روشتة الإصلاح الاقتصادي كما يراها الحبري أو الكبير، تبقى حقيقة أن الاقتصاد بحاجة إلى توافق السياسيين، فالأزمة في معظمها نواتج وتوابع لزلزال الانقسام السياسي الذي بدأ منذ العام 2014، وخلف أزمة شرعية وانقساما في مؤسسات الدولة لم ينج منه المصرف المركزي نفسه، فهل تشهد خطوة البرلمان باختياره محافظاً جديداً للمركزي نجاحاً ينهي هذا الواقع الذي يقر كل من الحبري والكبير باستحالة استمراره دون وقوع كارثة تهدد مستقبل الليبيين.
لمطالعة العدد 75 من جريدة «الوسط» اضغط هنا