بعد لعبة «تشارلي».. الابتزاز الإلكتروني وراء ظاهرة الانتحار بمدينة البيضاء

لم ينته المواطنون في مدينة البيضاء من طرح التساؤلات عن الأسباب الحقيقية التي دفعت شبانًا وشابات على الانتحار، بداية من لعبة تشارلي إلى السحر والشعوذة وانتقام الجان، إلى أن طرأ جديد على المشهد من قبل اللجنة المشكلة من مركز الخبرة القضائية والبحوث، التي قالت إن بعض حالات الانتحار كان بسبب «الابتزاز الإلكتروني».

ورأى بعض المواطنين أن اللجنة لم تقدم تفاصيل حول تقريرها المبدئي، واعتبروا ما جاء فيه «تشويهًا للمنتحرين»، في المقابل حاولت «بوابة الوسط» الالتقاء باللجنة والمسؤولين في المركز على مدار ثلاثة أيام دون جدوى، فضلاً عن تجاهلهم الرد على هواتفهم الشخصية.

وذكرت اللجنة في تقريرها المبدئي أنها أخذت عينات من جثث المنتحرين وإن جميعها كانت سليمة، كما أن تقرير الطب الشرعي أكد عدم وجود أي خيوط تدل على وقوع جريمة، كما أن الحالات كافة أقدمت على الانتحار بنفسها.

الخبرة القضائية: بعض حالات الانتحار كان بسبب مشاكل عاطفية وابتزاز إلكتروني

وأضافت أن لعبة «تشارلي» بالتأكيد ليس لها أي صلة بالأمر، مشيرة إلى أن بعض الحالات كان بسبب مشاكل عاطفية وابتزاز إلكتروني، وأيضًا ضغوطات خارجية دون أن تقدم مزيدًا من التفاصيل.

وقال مصدر مطلع لـ«بوابة الوسط» إن رئيس مركز الخبرة القضائية والبحوث، عمر الحجازي، التقى رئيس الحكومة الموقتة عبد الله الثني مطلع الأسبوع الجاري، وأطلعه على نتائج اللجنة المشكلة حول الظاهرة، مؤكدًا أن الحجازي قال في معرض حديثه إن بعض الحالات تناول حبوبًا مخدرة، في حين لم يرد بتقرير اللجنة المبدئي شيء بهذا الخصوص.

وما يعزز حديث المصدر هو إقدام الأجهزة الأمنية في مدينة البيضاء خلال الأيام الماضية على إطلاق حملة ضد تجار المخدرات، والقبض على أحدهم في المدينة (م ب). ووسط تضارب المعلومات وعدم وجود شفافية في آلية عمل اللجنة والتفاصيل الدقيقة، يوجه مواطنون عددًا من الأسئلة للجنة، عما إذا أخذت عينات من أولى حالات الانتحار أم لا باعتبار أن الأمر لم يكن بارزًا في المدينة.

تتبع واستقراء
«بوابة الوسط» استقرأت عددًا من المهتمين حول التقرير المبدئي، حيث قال الإعلامي محمد أبوعجيلة إن ما «طرحته اللجنة يشوبه الغموض خاصة في جزئية الابتزاز الإلكتروني، بالإضافة إلى أن الأقاويل حول حالات الانتحار أصبحت أسطورية في الشارع الليبي».

ورأى أبوعجيلة أن الحالات المتتالية ترتبط بأمور عاطفية ارتباطًا وثيقًا، خصوصًا أن الشباب يرى اهتمام المجتمع بالضحية، حيث «يلفت انتباه العامة ويأسر عواطفهم فيلجأ إلى محاولة كسب عطف الناس بهذه الطريقة».
وأضاف: «لا ننسى أن الفئة العمرية (17- 21 عامًا) يصبح الإنسان متذبذبًا فكريًا ولا يوجد ضابط للقرارات التي يتخذها، وهذه وجهة نظر قابلة للنقد والتحليل».

بينما اعتبر المواطن حسن المتريح أن تقرير اللجنة «استخفاف بالمشكلة الأساسية، كيف يقال إن هناك ابتزازًا و95% من الحالات صغيرة في السن»، مضيفًا باستنكار: «لو كان هناك دراسة حقيقية للمشكلة لكانوا التقوا مع الناجين وسمعوا منهم».

الإعلامي إبراهيم الفرستالي: التقرير المبدئي غير مقنع فهل يعقل أن يعرف الأطفال الذين انتحروا أعمال الابتزاز

وقال إن اللجنة يبدو من خلال تقريرها تسعى إلى حب الظهور، مؤكدًا أنه يشعر بخيبة أمل للنتائج غير المتوقعة.

في حين قال الإعلامي إبراهيم الفرستالي: «إن التقرير المبدئي غير مقنع، فهل يعقل أن يعرف الأطفال الذين انتحروا أعمال الابتزاز؟». وأضاف: «أجزم أن هناك سببًا نفاه التقرير وهو السحر والمس، حيث هناك حالات تشترك في نفس مكان الانتحار وهو دورات المياه، وما يؤكد ذلك آخر حالات الانتحار، ذكرت أن هناك من يطاردها وينادي باسمها منذ أيام ويطلب منها أن تنتحر».

الناشط خالد يونس علق قائلاً: «إن التقرير لا يمت للواقع بصلة»، بسبب نسب اللجنة أسباب الانتحار إلى «الابتزاز وعلاقات عاطفية وأمور لا تختصر فقط على البيضاء، لماذا الآن ولماذا البيضاء»، مشيرًا إلى أن ذلك يعد «اتهامًا للضحايا وتشويهًا لهم (..) أعتقد أن التقرير جاء إما لحفظ ماء الوجه أو للتغطية على سبب آخر».

الحداد ثلاثة أيام
قررت جامعة عمر المختار في مدينة البيضاء السبت الماضي تعليق الدراسة بمختلف كلياتها، ولمدة ثلاثة أيام حدادًا على طالبة انتحرت داخل الحرم الجامعي. ولقيت الطالبة بقسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب جامعة عمر المختار «م ع ا» (19عامًا) حتفها بعد أن أقدمت على الانتحار داخل إحدى دورات مياه الكلية.

وفي 14 أبريل الجاري، سجلت حالات الانتحار في مدينة البيضاء 10 حالات انتحرت شنقًا، وفق مدير إدارة الإعلام والتوثيق بوزارة الصحة في «الحكومة الموقتة»، معتز الطرابلسي. وفي ظل تزايد حالات الانتحار التي شملت طفلة عمرها تسع سنوات، سارع إخصائيون نفسيون في إطلاق حملة لتوعية الشباب بمختلف مدارس منطقة الجبل الأخضر.

وذكر رئيس قسم الخدمة النفسية والاجتماعية بوزارة التعليم، الدكتور خالد بومرادة ، أن الحملة بدأت في استهداف العديد من المدارس دون أي دعم من الجهات المختصة، مضيفًا أن إدارات المدارس تتجاوب مع الإخصائيين في إقامة محاضرات توعوية لمثل هذه الفئة العمرية الحرجة.

3 لجان
بعد مطالب المواطنين والضغوط على الجهات ذات العلاقة، ظهرت 3 لجان غير اللجنة المشكلة من مركز الخبرة القضائية، للعمل على معرفة أسباب الانتحار والتي جميعها لم تقدم منذ عملها أي معلومات حول الظاهرة.
بداية من مديرية أمن البيضاء التي شكلت لجنة لم تتابع ملف الانتحار المنتشرة أخيرًا في المدينة أكثر من تسليطها الضوء على الجانب الذي تبنته من أقاويل الناس ومرجعيتهم لسبب السحر والشعوذة.

«الحكومة الموقتة» بعد أكثر من 7 حالات، شكلت لجنة لدراسة حالات الانتحار في مدينة البيضاء، مكونة من وزارتي الصحة والتعليم، وهيئة الأوقاف والشؤون الاجتماعية، وهيئة الإعلام والثقافة وبرئاسة مركز البحوث والدراسات الاجتماعية بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

وقال مصدر بالحكومة إن اللجنة تعمل على كشف أسباب حالات الانتحار، على أن تسلم نتائجها بعد 15 يومًا من تاريخ تشكيلها. إلا أن مصادر «بوابة الوسط» أكدت إلى حين كتابة هذا التقرير أن اللجنة لم تقم بأي خطوة للكشف عن أسباب حالات الانتحار، وهو الأمر الذي أكدته الدكتورة هناء الشكري من مركز البحوث والدراسات الاجتماعية بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

الدكتورة هناء الشكري: الظاهرة لم تكن مفاجئة حيث نتوقع نحن منذ زمن أن تشهد البلاد حالات انتحار خاصة في فئة الشباب لانتشار مرض الاكتئاب

وأوضحت الشكري أن الظاهرة لم تكن مفاجئة، حيث نتوقع نحن منذ زمن أن تشهد البلاد حالات الانتحار خاصة في فئة الشباب لانتشار مرض الاكتئاب بينهم والبعض الآخر نتيجة الإدمان الذي يهدد المجتمع الليبي في المستقبل ما لم تتخذ الدولة إجراءات وقائية سريعة وعاجلة.

بينما اللجنة الثالثة، انبثقت من المجلس البلدي وهي لجنة مركزية تضم اللجان المشكلة الأخرى، وهو الأمر الذي اعتبره بعض المواطنين بـ«غير الجديد واستعطاف الناس في مبادرة للعمل».

مخاوف مستمرة
مع ازدياد عدد المنتحرين في البيضاء وارتقاء المشكلة بحسب الجهات المختصة إلى مستوى ظاهرة بالمنطقة، بدأت مدينة طبرق أقصى شرق البلاد في اتخاذ إجراءات وقائية لتوعية الشباب من ظاهرة الانتحار.
وأقامت جامعة طبرق ندوة علمية حول ذلك، الذي ألقي خلالها العديد من المحاضرات التوعوية من قبل المختصين.

وقال الدكتور ناجي فرج إدريس المتخصص في علاج الأمراض العصبية والنفسية لـ«بوابة الوسط» إن الندوة تناولت المفاهيم والتفسيرات الخاطئة بظاهرة الانتحار خاصة فيما يخص لعبة تشارلي والسحر.

وأضاف: «نحن نحاول تحديد الأسباب الرئيسة لتتم معالجتها بشكل صحيح، حيث تحدثُ عن المحور الطبي فموضوع الانتحار كبير جدًا والبحوث العلمية تستغرق عشرات السنوات الخاصة، نحن نتطرق للتفسيرات الطبية بخصوص ظاهرة ترجع إلى اضطرابات نفسية كالالتهاب الحاد والوسواس القهري والانفصام».

وقال إن مشكلة الاضطراب تعود 9% بصاحبها إلى الانتحار، وهي مجموعة أسباب لا يمكن الوصول إلى السبب الرئيس لكن «معرفة الأسباب تقلل من حدة الانتحار باستخدام الوسائل والخطوط الساخنة للناس المتخصصة».
وذكر أن للإعلام دورًا كبيرًا في «توجيه التوعية للظاهرة من خلال المتخصصين في الأمراض الاجتماعية والنفسية».

من جانبه قال رئيس جامعة طبرق، الدكتور عبدالعزيز بوحليقة، إن الجامعة تناقش كل المواضيع التي لها علاقة بالمجتمع، مشيرًا إلى أن إقامة الندوة هي «محاولة لإنارة الطريق أمام الناس والمتخصصين والمصابين أيضًا بالمشكلة ووضع الحلول لها بطرق مناسبة».

وأوضح أن الجامعة تتناول الظاهرة من الناحية العلمية وتوضح الأمور أمام الجهات المسؤولة التي من المفترض أن تتبنى التوصيات لحل مشكلة المجتمع.

وتضيف الدكتورة فوزية حسين قناوي متخصصة في علم الاجتماع أن هناك دوافع بشكل عام تدفع المراهقين خاصة إلى الانتحار كالمشاكل الوراثية والاكتئاب، إلى جانب المسكوت عنه «لأننا مجتمع منغلق والأسر لا تحتوي أبناءها، كالأطفال الذين يتعرضون لاعتداء جنسي لا يستطيعون البوح بها لأبنائهم».

وقالت إن الظاهرة تستدعي إعلان «ناقوس الخطر، حيث أخشى من العدوى الاجتماعية للظاهرة في ظل غياب المراكز البحثية والدراسية وعدم اكتراثها لحجم المشكلة، فهل الأسر تنتظر أن ينتحر أبناؤها حتى تستفيق!».

بدوره ناشد مدير أمن البيضاء الجديد العقيد خالد البسطة الأهالي إلى «منع المراهقين من الجنسين من استعمال الانترنت بجميع مواقعه، ووضع الفتيات تحت المراقبة وإجبارهم على الصلاة».

ودعا الأهالي إلى «التفتيش المستمر على كراسات وكتب الطلبة من حيث الرسومات والعبارات التي قد تدق ناقوس الخطر عند ولي الأمر مع منعهم من مشاهدة الأفلام الأجنبية والاستماع لأغاني الراب». دون أن يوضح الأسباب التي دفعت المديرية إلى مناشدة الأهالي باتخاذ مثل هذه الإجراءات.

وإلى أن تجتهد الجهات المسؤولة لإنقاذ الشباب، يبقى مسلسل الانتحار مستمرًا في قبض أرواح زهور المجتمع.