مصلحة الأحوال المدنية.. هل هي ضحيّة أزمة إدارة أم الفساد؟

من المسؤول عن خطف وقتل القائمين على منظومة «الأحوال المدنيّة»؟ وما دوافعهم؟ ولماذا مسؤولو تلك المنظومة على وجه الخصوص؟. علامات استفهام عدة فرضت نفسها بقوة عند الإجابة على تلك الأسئلة، فقبل أسبوع ترددت معلومات عن خطف رئيس فرع طرابلس، مسؤول المنظومة في مصلحة الأحوال المدنية، خالد البيباص، ثم اتضح أن البيباص اعتقل من قبل جهاز المباحث الجنائية العامة حيث أوقف لعدة أيام قبل أن يفرج عنه، وفق مصادر مصلحة الأحوال المدنيّة.

لمطالعة العدد 74 من جريدة «الوسط» انقر هنا

ويبدو حسب المصادر نفسها أن التحقيق مع البيباص جاء على خلفيّة رفضه تسليم منظومة العمل لمدير المصلحة المكلف من قبل حكومة الوفاق الوطني، محمد حسن بالتمر، واستمراره في التنسيق مع المدير السابق الموجود في تونس حاليّا محمد بوكر.

ولم يكن الحادث هو الأول من نوعه وإنما سبقته حالات مماثلة منذ تأسيس المنظومة، ما حدا بـ«الوسط» إلى فتح هذا الملف الغامض.

قبل ذلك قتل مجهولون العام الماضي مدير مكتب السجل المدني بمرزق أحمد علي، ومدير منظومة الرقم الوطني بالمدينة عمران التومي، وفي حينه قال مصدر لـ«الوسط» إن القتيلين عثر على جثتيهما بالقرب من الطريق العام بعد خطيفهما، ولم تعرف أسباب الخطف والقتل.وتلت تلك الواقعة عملية خطف المهندس وليد الغدامسي، قائد فريق المبرمجين والمسؤول عن المنظومات التي تصنعها إحدى الشركات المختصة التي تعاقدت معها مصلحة الأحوال المدنيّة لإنجاز منظومتها، من قبل مسلحين مجهولين في حي زاوية الدهماني بطرابلس، بينما كان متجهًا إلى مقر عمله.

ويؤكد مقرّبون للغدامسي أن الجهات الأمنيّة لديها علم بسبب خطفه، بعد أن سجّل أقواله بخصوص الواقعة في محاضر تلك الجهات، ومع ذلك لم يكشف عن تلك الأسباب ولا عن الجهة التي نفذت عمليّة خطفه.

مصدر أمني أعرب لـ«الوسط» عن خشيته من أن تكون عمليات تزوير للجوازات والهوية وراء استهداف المصلحة

وفي نهاية مارس العام الماضي جرى اختطاف مهندسين أجنبيين يعملان بالمصلحة نفسها، هما ريجي جوزيف هندي الجنسية، وحسام الدين محمد مصري الجنسية، وكانت مجموعة مسلّحة خطفت قبل ذلك ثلاثة موظفين من مصلحة الأحوال المدنية من مقر شركة ليبيا للاتصالات والتقنية «LTT» بالعاصمة طرابلس.

وتعد مصلحة الأحول المدنية أو كما تعرف بالسجل المدني من أهم المؤسسات الحساسة؛ حيث ترتبط بها من ناحيّة بيانات منظومة الرقم الوطني المرتبطة بدورها بمنظومة إصدار جوازات السفر.

وعلى الرغم من أن أسباب خطف المهندس الغدامسي وزملائه لم تتضح، إلا أن مصدرًا أمنيًا أعرب لـ«الوسط» في حينه عن خشيته من أن تكون عمليات تزوير للجوازات والهوية وراء استهداف المصلحة والعاملين بها.

وفي تعليقها في حينه على عملية الخطف قالت رقيّة دومة زوجة المهندس وليد الغدامسي إن زوجها يتعرض «لضغوط وتهديدات كبيرة جدًا، رغم إطلاقه بعد أن خطفته جهة مجهولة واحتجزته لمدة أسبوعين، وإن بعض الضغوط وصلت حد التهديد باغتياله علانية دون أن تفصح عن تفاصيل»، وهو ما أكده زوجها لـ«الوسط» فيما بعد.وكتبت دومة على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «الموضوع خطير جدًا، خاصة أن جميع الجهات تضغط على وليد، ووصلت التهديدات حد التهديد بالاغتيال». ونوهت إلى أن زوجها ضحية صراعات بين جهات تدعي كلّ منها تمثيل الشّرعية، وأنها الأحق بإدارة منظومة السجل المدني.

وأكدت دومة أن زوجها لا علاقة له بأي جهات سياسية في ليبيا، وأن انتماءه فقط لليبيا، «لهذا قرر أن يكون مع الجهة التي يتفق عليها كل الليبيين، وناشدت الليبيين مساندة ومؤازرة ومعاونة زوجها الذي لم يعد يغادر بيته وكأنه رهن الإقامة الجبرية، وفق وصفها».

منظومة الرقم الوطني تعد أحد أضلاع مصلحة الأحوال المدنية ووفرت على الدولة قرابة 6 مليارات دينار

ورغم أن منظومة الرقم الوطني تعد أحد أضلاع مصلحة الأحوال المدنية، ووفرت على الدولة الليبية قرابة 6 مليارات دينار، إلا أن جماعات مسلحة، عكفت منذ تأسيس المنظومة على استهداف القائمين عليها، فالمشروع واجه بحسب تصريحات رئيس مصلحة الأحوال المدنية، السابق محمد بوكر، «مشاكل وعراقيل وعقبات كبيرة وكثيرة».

ووفقًا لموقع «مشروع الرقم الوطني والمشاريع المكملة له» على شبكة الإنترنت، يقوم المشروع على تدشين بنية معلوماتية وطنية سليمة لتكون أرضية لتطبيقات الإدارة الحديثة للدولة وتكوين قاعدة بيانات، وتحسين نوعية الخدمة المدنية المقدمة للمواطن من قبل مؤسسات الدولة، بحيث يمكن التأكد من بياناته الشخصية في أي مكان، بالإضافة إلى منع عمليات تزوير وتضارب وتشابه البيانات بين المواطنين، الذين يحملون أسماءً أو ألقابًا متشابهة، فكل منهم يحمل رقمًا وطنيًا خاصًا يستعلم به عن بياناته ووثائقه، وإمكانية الاستعلام عن بيانات المواطن حال طلبه الخدمة من أي مكان داخل ليبيا مثل المصارف والمؤسسات الخدمية وغيرها، وتحقيق الأمن الاجتماعي بتقليل المخاطر الناجمة عن استخدامات البطاقات التقليدية، فالبطاقة الذكية ذات مواصفات تجعلها صعبة التزوير أو العبث بياناتها أو إعادة استخدامها من قبل أشخاص آخرين، وتقليل حمل الوثائق على المواطن، إذ أن الشريحة الإلكترونية للبطاقة الشخصية الحاملة للرقم الوطني يمكن تحميلها ببيانات تكفي للتعامل مع كافة الجهات لتقديم الخدمة بشكل أسرع.وكان بوكر قال في بيان تم تداوله إعلاميّا قبل أيام «عملنا على منظومة البيانات وتطويرها لمعالجة ازدواجية المرتبات، مما عاد على الدولة بفرق نحو ستة مليارات دينار تقريبًا».

وأضاف قمنا بـ«استحداث إدارة مباحث الأحوال المدنية وتشكيل لجان تفتيش، مهمتها مراجعة كافة سجلات العائدين والأجانب على مستوى الدولة وتبويبها وفقًا للوائح الإدارية للمصلحة».

وكشف أن المصلحة قامت بإيقاف 7570 ملفًا مزورًا تسلمتها المصلحة خلال عهد النظام السابق وبعد سقوطه.

وأفاد مصدر فني بمصلحة الأحوال المدنيّة «الوسط» بوجود ما يقرب من 800 ألف من البيانات المزوّرة، تمّ توثيقها في محاضر رسميّة، مؤكدًا «أن جميع المسؤولين في مصلحة الأحوال المدنيّة يعرفون هذا الأمر، وبالوثائق الدامغة منذ منتصف العام 2015»، وفق قوله.

مصدر فني بمصلحة الأحوال المدنيّة أفاد «الوسط» بوجود ما يقرب من 800 ألف بيان مزوّر

وأثارت تلك الحوادث وتداعياتها، ومنها معلومات عن وجود نسخ من منظومة السجل المدني في أكثر من مكان، مخاوف كثير الليبيين من تلاعب قد يطال منظومة الرقم الوطني لحساسية هذه المنظومة، غير أن رئيس فرع طرابلس ومسؤول المنظومة في مصلحة الأحوال المدنية خالد البيباص ردّ في تصريح إلى «الوسط» بعد يومين من إطلاقه مؤكدًا «أن المنظومة لا توجد في أي مكان خارج مدينة طرابلس، وهي مركزيّة ولا يمكن التلاعب بها في أي مكان آخر»، لافتًا إلى أن ما تتعرض له المصلحة ناجم عن أزمة إداريّة «سيتم التغلّب عليه» دون أن يضيف توضيحات بالخصوص.

في السيّاق نفسه شكك مصدر مطلع بمصلحة الأحوال المدنيّة في تأكيدات البيباص، وقال في اتصال مع «الوسط»: «طبقًا لمعايير أمن المعلومات المتعارف عليه عالميًّا، فإن المنظومة بكلّ أسف ليست آمنة حاليًا»، مؤكدًا معلومات عن وجود ثلاثة نسخ من منظومة الرقم الوطني «اثنتان في طرابس إحداهما تعمل والأخرى متوقفة، والثالثة في المنطقة الشرقية من البلاد وهي تعمل».

وعن سؤاله ما إذا كان يعتقد أن الفساد طال هذا المرفق، أجاب المصدر الذي تحفظ على ذكر اسمه لأسباب تتعلق بأمنه الشخص، قائلاً: «بكل أسف نعم، بل وصل الفساد إلى العمق ويكفي دليلاً على ذلك أن مدير المصلحة المقال، محمد بوكر، تلاحقه تهمة اختلاس تتعلق بعمليات تزوير، وفق أدلة موجودة لدى النائب العام، وهناك آخرون أيضًا من الموظفين في مستويات إدارية أقل متهمون بالفساد».

وبسؤال مكتب النائب العام حول تلك الاتهامات رفض المكتب في اتصال لـ«الوسط» التعليق بالنفي أو التأكيد.

المزيد من بوابة الوسط